• من الأخطاء الاستراتيجية والعثرات الكارثية التي وقع فيها النظام الإيراني، والبلايا والخطوب المهولة التي قحمها وسعى لها بقدميه، المسُّ بالمنظومة الدينية الشيعية القائمة، على الصعيدين: العلمي، عبر العبث بالحوزة والتراث، والشعبي، بمحاربة الشعائر الحسينية والولائية، واستبدالها بالسياسية والعامة… وهذا هو ما سيقصم ظهرها ويقضي عليها، في المشهود الملموس عبر سريان العليَّة وترتُّب النتائج على الأفعال، وكذا في الغيب، لسخط الله وغضبه على هذا التعدي والطغيان، وما يوجب إعراض صاحب العصر والزمان. ثم في الفن والصناعة، فالحوزة هي الأساس الذي قام عليه النظام، وهي الموْئل الذي تستمد منه المشروعية، والعين التي ترتوي منها وتتزوَّد. وكذا في الإيمان، فالعبث بالحوزة والتراث يفتح باب الطعن بالمشروعية، ولا سيما أنها ـ في القائد الولي ـ كانت وما زالت رخوة مهلهَلة، تفتقد القوة ولا تتمتع بالإحكام والثبات.

    هذه الحقيقة التي يتسالم عليها كلُّ قارئ ومتابع للواقع السياسي والإيماني في إيران، كانت حتى الأمس القريب محجوبة بألف غطاء وغطاء، أكثرها غلظة وسُمكاً: سكْر السلطة، وعربدة المال والقوة، وطغيان التمدُّد وزهو الانتشار، فأين ما تدَّعي وترمي، من دولة تصنع صواريخ بعيدة المدى، ومسيَّرات قلبت موازين القوى، تصول في اليمن وتجول في العراق، تتحكَّم في سوريا وتمرح في لبنان، تزعج أمريكا وتُقلق إسرائيل وتهددها؟!.. حتى جاء الحراك المستمر منذ أشهر، بزخم متصاعد أو ثابت، ولكن غير متراجع، ليضعضع النظام، ويزلزل القائمين عليه، ويهزَّ جمهوره بشدة! استفاق النائم الآمن ذعِراً، وترجَّل الراكب المزهوُّ وجِلاً، ولاذ الملحق اللصيق بالصمت، وتوقف المستأكل والتزم الحياد، بانتظار النتائج وما يحدد خطوته التالية ويرسم وجهته القادمة، بين البحث عن متَّسع لركوب الموجة الجديدة، أو فرار الفئران من السفينة الغارقة.

    من الألطاف الخفية لهذا الحراك، سقوط الصنمية الحاكمة على الساحة الإيمانية، وانبساط الأذهان لتلقي ومناقشة الأفكار والآراء “الأخرى” حول الجمهورية الإسلامية، بعد عقود من التحجُّر والجمود، أخذ إلى رفض أي نيْلٍ من المستبد، ومسٍّ بالطاغوت، لا يدنو منه أحد إلا سقط، ولا يقربه ناقد حتى يفر ويباعد! فمضى عصياً على الاعتراض، منيعاً عن النصح والإرشاد، وفي الحقيقة، محروماً من التنبُّه والتصحيح وما يأخذه إلى السداد، متحصِّناً بسطوة العوام، ومحتمياً بدرع خلعتها نخب، حركية منتمية للمدرسة والتيار، وغير حركية تركن إلى الظلم والضلال، وأُخرى في منتهى السذاجة، ولك أن تقول الغباء، غرَّها هامش المدَّعى والمزعوم الديني، وخلطت بين التعاطف والمضارعة، وأضاعت الحسبة، وبعضها يدفع من رأس مال الدين، ويستنفذ من رصيد العقيدة. وهناك الشريحة المهترئة المستهلَكة، الماضون على خط واحد لا يتغير: دعم السلم والاستقرار، ومداهنة كل قوي وجبار!

    إنَّ الآذان الصماء، والأبراج العاجية البعيدة عن “الضوضاء”، تورث سكَّانها عقولاً جامدة، وتصنع لأربابها أمزجة سقيمة وأفهاماً عقيمة. هذا ما يخلص إليه المراقب، إذ لا تفسير لما يجري، ولا وجه لما بلغه الحال، إلا هذا الواقع المستغرب الشاذ!.. قلوب معكوسة وضمائر منكوسة، لا تشعر بالوقائع ولا تدرك الحقائق، مأنوسة بحاضنة عسكرية وأمنية، وأخرى من ذباب ألكتروني ناشط في العالم الافتراضي، وثالثة تمثل مساعي هذه وتلك في صنع مدٍّ جماهيري، فكان مشروع “سلام فرمانده”، الذي ولد ميتاً، ما إن تلقى الضربة على قفاه ليغني وينشد، حتى خمد مع تعطيل الاتفاق النووي وذيول الحصار، غاص في التضخم وغلاء الأسعار، ونزف في سقوط التومان، وتجمَّد من توقف المصانع وانقطاع الغاز… فعادت المعركة لتتمحور على اسم الخليج، أعربي أم فارسي!

    انحدر الناس صوب الإلحاد والزندقة، خلعت النساء الحجاب، وهتك كتاب الله، واستُخفَّ بالمقدسات والشعائر الدينية، فشرب النظام من الكأس التي ملأها! وما عاد أحد يقبل بالحلول الوسط، كره الناس الجمهورية الإسلامية، وخرجت محبة النظام والحماسة له والغيرة عليه، حتى من القلوب المؤمنة، وبلغ الأمر أن امتنع الفريق الإيراني في كأس العالم من إنشاد النشيد الوطني لبلاده، لأنه يتضمن اسم الجمهورية الإسلامية! وحتى الساعة، فإن المدن الإيرانية الرئيسة، ناهيك بالصغيرة، تسقط ليلاً في أيدي المعارضة وسلطة الثوار، ولا تجرؤ دوريات الشرطة من التجوال إلا مجتمعة، وفي مناطق محدودة، المعارضون الليبراليون والقوميون والملكيون، يكيلون السباب البذيء لشخص القائد كل ليلة، يهتفون من على أسطح البيوت بالكفر، ويخطون على الحوائط شعارات الزندقة… والمؤمنون يمرون عليهم مرور الكرام، وحتى القوى المكلَّفة بالمواجهة، غلبها الضجر والسأم، وباتت مستسلمة، وغدت مهمة عمال البلدية في كل صباح، مسح الشعارات مع جمع أكياس القمامة والنفايات!

    في إيران اليوم فكر وعقيدة تكره وتعادي الحكم الإسلامي. خلقت داعش في النفوس ذلك عبر التكفير والإرهاب، وفعلته الجمهورية الإسلامية بالدكتاتورية والاستبداد! هناك حالة عامة من التنفُّر والتموضع ضد الدولة الدينية، واشمئزاز من سلطان الدين وحكم الشريعة! وقد امتدَّ هذا الفكر وطال التيار الديني وتوغَّل في شريحة المتدينين! حتى وصل الأمر وبلغ الحال بمعمم فاضل ومتديِّن ملتزم، أن يأنس بما يسمع عن “انتصارات” المعارضة، (ومنها التعرُّض لرجال الدين وإسقاط العمائم من على رؤوسهم، وخلع النساء حجابهن وخروجهن سافرات!) لا حباً في المعاصي ورغبة في رواجها، بطبيعة الحال، ولكن بغضاً في الحكومة وكرهاً بشخص القائد الولي، وضجراً بالدكتاتورية والاستبداد، وعنجهية وغطرسة، تمضي في خيلاء وتحكم بتشوُّف وتيه… ما جعل الشعب يرحب بأي تمرُّد وعصيان، وأي بديل وإن كان بهذا الانحطاط.

    كانت الأصوات قد بحت من قبل، والأقلام قد جفت، والأوراق نفدت والصحف امتلأت، وهي تنشر وتكتب وتنادي بخطورة النهج الضلالي، وأن مسايرة الحداثة ومناهضة الأصالة، سواء بمحاربة الشعائر أو المس بالحوزة والتراث، هو باب الانقلاب على أصل الدين، ونبذه من أساسه… فلا أذن سمعت ولا عقل أدرك ولا قلب وعى ولا ضمير نبض! ولا سيما أنَّ صخب المطبِّلين والمزمِّرين كان يعلو ويغالب أصوات الناصحين المشفقين، يرقب الجائزة، والترقية إلى المناصب الأعلى في لائحة التملُّق والعمالة.

    على أي حال، فإن هذا الحراك الذي تجاوز الحدود في خطابه، وتخطَّى المعهود في امتداده، أفضى لنتائج خطيرة وأورث واقعاً جديداً، لم يخلُ من أُمور إيجابية. فالأزمات التي تمر بها البلاد، كل بلاد، والصراعات التي تخوضها، تصنع صدوعاً وندوباً في جسم الدولة، وشروخاً في سيرة النظام الحاكم ومسيرته، تورث وضعاً جديداً، لا يمكن معه العودة إلى سابق عهده، وما كان عليه حاله. تماماً كما هو بدن الإنسان، إذا حلَّ به مرض، نال العظم كسر، أو التهب جرح، أو نزل بعضو عطب، ثم عولج فشفي وبرأ، تراه لا يعود إلى سابق عهده، ولن يرجع إلى حالته الأولى الأصلية، وذلك بنسب ودرجات تتناسب مع الفاقة وحجمها…

    لقد شهد النظام بالحسِّ والوجدان أن الحركة الحداثوية ومقولاتها المتعقلنة والمتحررة، أفقده حاضنته الطبيعية وحسر مكانته في النفوس، فقد أوهت بعقائد الناس وأزرت بدينهم، وأضعفت التزامهم وتدينهم، وأفسحت للحراك العلماني، والنشاط المعادي الذي تغذيه دوائر المخابرات المعادية كما يطلقون عليها، بالحضور الفاعل والتمدد الذي انتهى إلى سحب البساط من تحت النظام.

    وهنا بشائر تترى، وألطاف ونِعم غير مرتقبة ستظهر… محورها تصحيح الوضع، والمبادرة للعودة إلى المعالم الأصلية للدين، البنية التي انطلقت الثورة من قيمها ووظفت آليتها. وفي هذا السياق فإن العناصر الخفية والعلنية للنظام، الأبواق الصاخبة والغربان الناعبة، الببغوات المكررة برتابة مملة مضجرة، سيخف زعيقها وبريقها، وينخمد حماسها ووهجها، ستفقد زخمها وتخسر ركائزها، المعنوية والمادية، فالنظام اضطربت أولوياته، وما عاد هدم الحوزة وتقويض المرجعية وإخضاعها للدولة يشكل ضرورة ملحَّة، باتت لملمة الوضع، واستدراك ما فات، بما يجنبهم الصراعات الداخلية، ويحيِّد المراجع العظام وينأى بهم عن التموضع مع المعارضة، وإن كان ذلك عبر السكوت وما يستشف منه إمضاء التمرد والثورة، هو ما يتحرَّون ويلاحقون.

    المتفائلون يستبشرون بأن الخروج من الأزمة والنجاة من المحنة، قد يأخذ إلى إعادة تموضع النظام على الصعيد الديني، فيخف إسناده وينقطع دعمه عن مجاميع محاربة الشعائر، ووقوفه خلف رواديد وشعراء وخطباء وهيئات مسخت الشعائر الحسينية إلى سياسية، وعبثت بأنماطها التقليدية إلى مبتدعة ومنفِّرة، وتعود الأمور إلى نصابها وسابق عهدها من الألق والحرية، والتفاعل الفطري السوي مع النفوس المؤمنة. كما ينتظر أن ينصرف عن احتضان حركات “الفوضى الخلَّاقة” التي تبنَّاها في ضرب التراث الشيعي العزيز، وكذا في ميدان العقائد الولائية. هكذا ستتراجع دروس الفلسفة ويعود الأمر إلى وتيرته وحجمه الطبيعي الذي كان سائداً على مدى تاريخ الحوزة. ستنكفئ دعاوى العرفان وتغلق حوانيت الاتجار والاستئكال. ستضعف الحركة الاسلامية ويتضاءل التيار الحداثي، سيتقلص دعم الصعاليك قصير والحيدري والأشكوري وحب الله والسقيم اللندني ومعه عبدالحليم، لن تعود لهذا التيار سطوته السابقة، ستتوقف أنشطة جماعات الطعن بالحديث وإسقاط التراث بغطاء تنقيحه وعنوان تصحيحه، وبعبارة تلخص المشهد فإن الحراب والنصول التي برتها الجمهورية الإسلامية لترمي بها الأصالة وتصرع الموروث السائد والمذهب القائم، وتصنع تشيُّعاً محدثاً… عادت لتتوجه إلى صدر النظام ونحره، وظهره وخاصرته، فقد وجدها الغرب فرصة لاستئصال النظام من جذوره، والخلاص من حكومة الإسلام وتطبيق الدين من رأسه، كما اجتثت أو ضربت جذور داعش والنصرة!… وهذا سيحمل النظام على إعادة النظر في سياساته الحالية، ويدفعه للانعطاف صوب الأصالة الدينية.

    هذه تطلعات وبشائر المتفائلين، يقابلها جمع عرفوا النظام ووقفوا من قريب على العقلية الصبيانية التي تديره، هؤلاء يكررون: ولقد أسمعتَ لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولو نارٌ نفختَ بها أضاءت، ولكن أنت تنفخ في الرماد. لا ألطاف خفية منتظرة، ولا معجزات مرتقبة، ما هو إلا العناد والمكابرة، فالسقوط والانهيار.

  • من معطيات ونتائج تردِّي الأداء الإسلامي، والفوضى التي صار فيها الدين في زماننا، التخبُّط الذي حلَّ بقيَمه ونزل بشريعته، كما طال أحكامه وعقيدته، وقلب أفكاره وشوَّه مفاهيمه، نتيجة لإقحامه في الشأن السياسي، والإصرار على تطويره وتحديثه بما يوافق العصر ويجاري الزمان، ويحاكي مقتضيات وحاجات المنظومة الحاكمة… وقوع طلاق وانفصال بين النخب الإيمانية الملتزمة بالأصالة الدينية، التي تحمل همَّ الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة، وبين القائمين على الأداء السقيم، وعموم القائلين والناهضين بالنهج الحاكم في هذا العصر، وهم أعمُّ من الضالين المضلين، أرباب البدع والانحرافات بشتى صوَرها وأشكالها، ومَن يلحق بهم من الممضين ضلالهم بالخنوع والسكوت! فهؤلاء روافد أولئك، مدعِّمة ملكهم وحافظة حاكميتهم وناشرة سطوتهم. فبعد الأحزاب الإسلامية والجماعات المنظمة، تهاوت الثقة في جملة من العلماء، ولم يعد بالإمكان التعويل عليهم، لا في استقاء المعارف الدينية الأصيلة، ولا في الرهان على حفظها.

    فمن الأخطاء التاريخية الفاحشة، ولك أن تقول الكارثية المدمِّرة، التي وقع فيها كثير من العلماء المخلصين والفضلاء المحترمين، ممن لا يحمل ضلالات في عقيدته ولا انحرافات في فكره، غفلتهم عن حركة الضلال التي تتهدَّد الدين، وتراخيهم في إدراك وتلقِّي الخطر الذي تحمله، ولا سيما الاستراتيجي، بعيد المدى. وهم في الجملة لا يبالون ولا يكترثون، ولك أن تقول يستهترون، ومن ثم يتقاعسون وينكفئون عن المواجهة، يحسبون كلَّ أمر وخطر سحابة صيف ستمضي دون مطر، وأنَّ الدين سيبقى محفوظاً مُصاناً! ويستشهدون بالماضي القريب والبعيد، وحجم المؤامرات التي حيكت ضد التشيع، فسقطت كلُّها، وها هو الدين قائم والمذهب قد وصلنا سالماً، نقياً خالصاً، فنحن الموعودون بالاستخلاف والمبشَّرون بوراثة الأرض… وهذه حقيقة، لكنها تواجه بأمرين: الأول: أنَّ التكليف الشرعي والدور الرسالي شيء آخر، لا علاقة له بالوقائع الغيبية وما يترتب على الإعجاز والتدخل الإلهي الخارق للعادة والطبيعة، فالركون إلى وقوع النصر بالمعجزة أشبه شيء بما يحكى عن عيسى عليه السلام، بأن لله أن يمتحن عبده، وليس للعبد أن يمتحن ربه. الثاني: إغفال سُنَّة الاستبدال وخطر التغيير، فالسلبية التي تعطِّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخرس الأفواه وتكبِّل الأيدي، حتى بلغت عند بعضهم، ملاحقة مَن ينهض بوظيفته، تؤاخذه وتنكر عليه… مهدَّد بإعمال: “إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً”.

    وليس المراد هنا العلماء الذين يعملون بالتقية ويلتزمونها، ممن يعيش محاذير حقيقية تتهدَّد حياته، أو أنفس محترمة يُسأل عنها، فيؤدي البلاغ في دائرته الآمنة، ويكتفي في موقفه المعلن ما يخرجه عن سواد القوم… بل هم المراوغون الذين لا تعرف لهم رأياً في أكثر المواضيع حساسية وخطورة وأهمية! يضعون قدماً هنا وأُخرى هناك، في الضفة الأخرى والجبهة المقابلة، حتى تنجلي الغبرة وتظهر لمن الغلبة، فيصطفون معه ويجنون المكاسب، أو ينجون بكياناتهم الحزبية وشخصياتهم الفردية والعائلية. أداء أقرب إلى الدجل والاستئكال، وإن توارى بدثار التشرُّع والورع، وغطاء الاحتياط!

    ولو سألت أحدهم أو اعترضت على سلبيَّته، لفتح لك أبواباً لا تقفل من الذرائع، وبسط في هذا عرائض مطوَّلات، ومقالات تضاهي المقامات، وقصائد تقارع المعلَّقات، لا النابغة نظم مثلها، ولا الحريري بلغ فخرها، ليثبتوا أنَّ الأخذ بالقعود، والتزام الصمت والسكوت، هو الحق، وأنَّ التكليف المدَّعى من النهوض بالبيان والدفاع عن المذهب ورد الأباطيل التي تلصق به، لا يستند إلى ركن وثيق، وأنَّ دورهم هو حفظ أنفسهم النفيسة، وبها يحفظ الدين ويدوم بقاء المؤمنين! ولكنَّ كلَّ ما يدرجونه في صحائف احتجاجهم، ويسطرونه من ملاحم مبارزة طواحين الهواء، لن يجد معنىً لـ “الإنذار” في قوله تعالى: “فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم”، ولن يوقف صدى تأنيب يقرع ضمائرهم، وكلَّ أُذن واعية “نفرت” يوماً، على أمل أن تعود فتنذر، وها هي قابعة تلوذ بالذرائع والتبريرات، وتختبئ وراء الأعذار والمسوِّغات، لتسلم الدار ويعلو المقام ويرضى الأشرار، أو في آخرين، ليظهر يوماً في قنوات المعارف والغدير أو الصراط والمنار!

    لن يكون هؤلاء من أهل الخبرة في المرجعية القادمة، لن نتخذ منهم روَّاداً يستطلعون لنا وأدلَّاء يقودوننا نحو الأعلم. هذه شريحة تعيش همومها الخاصة، سواء مشاريع تؤسس لأشخاص أو تحفظ عائلات… لا يؤتمن هؤلاء على الدين والعقيدة، ولا يُستحفظون على الفقه والشريعة. ولك أن تتبيَّن الهوان في هذه الشريحة من عجزهم عن تشخيص اختراق فاضح يقع في جبهتهم بغطاء الاستبصار، فيقصرون عن تمييز أدعياء يفيضون ريبة، ويتخلَّفون عن ملاحقة غامضين يقطرون شُبهة ومرية، ما زالوا يعبثون بالمذهب، يصولون طولاً ويجولون عرضاً، في سعة تتيحها سذاجة القوم، ومندوحة يبذلونها لهم من حُسن ظن مفرط، وثقة يمنحونها لهم من البناء على أصل البراءة، وكأننا في المدينة الفاضلة، ترعى الأغنام في كنف الذئاب!

    بين عهر الغزي وتهتك ياسر، ومكر الحزبيين وكيدهم بالدين، وفساد المتمصلحين المستأكلين، وغرارة أكثر المتحمسين، ثم سلبية غالبية العلماء الصالحين، دون قيمة لهؤلاء، ولا كرامة لأُولئك… لا يبقى إلا الاعتماد والتعويل على شريحة تعيش الولاء قضية، بعيداً عن أي شخصنة وحزبية مبطنة، عسى أن تنزل على أيديهم الرحمة، وتكون محلاً لعناية الحجة بن الحسن عليه السلام، فتحظى بالسداد لتنهض بدورها وتقدِّم للأمة مرجعها القادم. على هؤلاء ينصبُّ التركيز، وعلى هذه النخبة المعوَّل في خلق الوعي في الأمة.

    حتى لا ينتحلها الأدعياء، يسرقها حيدري قم وصنوه في بغداد، هذا زيدي ينادي بأن الدين عند الله الخامنئي، وذاك ملحد يحسبه عند سقراط… يرسم العلماء المستقلون، الولائيون الأحرار في الحوزة، وفي ساحات التبليغ والصدام والالتحام، خارطة دقيقة للحدود والخطوط الحمراء التي قحمها تيار الانحراف، وهتكها أئمة الضلال، يبيِّنون فيها مسار الحوزة ومستقبلها، ويحدِّدون مكان المرشحين للمرجعية من الموقع المختار، أو المعيار المتمثل في محاور ثلاثة: استقلالية الحوزة والمرجعية، ثم سلامة العقيدة في معرفة الأئمة والولاء لآل محمد، فالحرص على الحديث وشعائر الدين. لن يدلِّس هؤلاء المؤتمنون على الأُمة، ولن يقعوا في المجاملة والمداهنة والمحاباة… ويبقى السؤال بانتظار تفاعل المعطيات، ومنها هذا الرافد الخطير، فهو ملاذنا من وقوع المرجعية في أحضان المنحرفين أو الغافلين والمستغفلين.

    تُرى أين يقف الشيخ هادي آل راضي من منظومة تراثنا وعقائدنا وشعائرنا؟ كم يبلغ وعيه بالخطر الذي يتهدَّد استقلال الحوزة وإخضاع المرجعية للدولة، وما هو السقف عنده في هذا الشأن؟ وأين يقف السيد علي السبزواري، والشيخ حسن الجواهري والسيد محمد صادق الخرسان، والسيد محمد باقر أو السيد محمد جعفر الحكيم، من الأضلاع الثلاثة وملحقاتها؟! أين هذا وذاك من أطروحة الشيخ محمد السند؟

    أين يقف السيد أحمد المددي والسيد مرتضى المهري والطبقة الأعلى من تلاميذ السيد السيستاني، ولا سيما نجله السيد محمد رضا من هذه الخطوط؟ وهم الأقرب للتقييم بعد تجربة عملية تسنمت فيها هذه الكتلة العلمية الوازنة المرجعية العليا، فقادت الأُمة بأداء مشهود له بالنزاهة والحكمة على الصعيد السياسي والاجتماعي، والحسم والأصالة في مسألة استقلال الحوزة والمرجعية عن الدولة، بما قطع الطريق على المتآمرين، وأنقذ الطائفة من أخطار عظيمة… ليبقى أمر الشعائر والعقائد والحديث، وهنا أداء لا يخفى على أحد، يبدو أنه ناتج عن مبنى مشيَّد ومنهج مُلتزم، تراه سارياً في جميع الأفراد، وإن وجدت في بعضهم نفحات ولاء وتعلُّق بأهل البيت، أو تقديس وحرمة لأنوار حديثهم، فمردُّه مزيد ورع يتمتع به هذا، وسعادة طالت ذاك. وبعد، فأين عسى يكون موقع السيد العلوي البروجردي والسيد علي الميلاني في هذه الخارطة، بعد تحقق وانكشاف مصداقية عالية لطروحاتهم، في ظل انهيار أو انشغال الجمهورية الإسلامية، وارتخاء قبضتها على الحوزة في قم؟!

    إن مرجعية الوحيد الخراساني، والآغا تقي القمي، والسيد سعيد الحكيم المفعمة بعد العلم، بالولاء وسلامة العقيدة، والمتمتعة بالوقوف على ذرى الورع والعدالة، والآخذة بأقصى مراتب الحرص على الدين، وجوهره العقيدة والولاء، ومظاهره في المزار وشعائر العزاء… قابلة للتكرار والاستمرار. وعن بعض الأفاضل، إن الله يحفظ الأسرار المصونة عن الأغيار، ويفسح لمن شاء أن يبلغ حقائق الدين ويسرح في المعارف اللاهوتية والعلوم الملكوتية، التي جلَّت عن أن تكون شرعة لكل وارد، أو يطَّلع عليها جماعة، إلَّا واحداً بعد واحد.

    (يتبع)

  • لم يكن آخر خلفاء بني أُمية منصرفاً إلى اللهو ومنغمساً في اللذات، ولا جاهلاً أو متخلِّفاً، كما توحي الصفة التي أُلصقت به، ولكن ما جعله “حماراً” فرَّط بمُلك امتدَّ قرناً كاملاً، هو دخوله في صراعات متزامنة، وخوضه حروباً متلاحقة، عجز عن منعها، وخاب في معالجة أمرها، فالرجل مع فقد الحكمة والفطنة، وعدم سعة الصدر وحسن التدبير، كان يعيش غروراً وزهواً أقنعه بقدرة خارقة ظنَّ أنه يتمتع بها! إنَّ سقوط الدول وانهيار النظم الاجتماعية والكيانات السياسية لا يكون فجأة، ولا يأتي وليد ساعته، وإن ظهر للبسطاء كذلك، في صورة انقلاب عسكري، أو حادث فجَّر رفضاً شعبياً ثم حراكاً عارماً، إضرابات واعتصامات ومظاهرات أوهت الدولة فقوَّضتها… هناك علل وآفات ممتدة، وأمراض متأصلة، ونقائص وعيوب متراكمة، أُهمل علاجها، بل تم جحدها والتنكر لها، حذر إزعاج السلطان وغضبته، لفرط استبداده وطغيانه، فاختزنت القروح قيحها، وأعملت الجروح الملتهبة بصديدها، فسرت في باقي البدن وسممت الجسد كله.

    حتى أشهر خلت، كان المؤمنون المتدينون يصنِّفون الكاتب الناقد للسيد الخامنئي، بالخيالي الواهم، ويرون مَن يقوم بفعله مندفعاً متهوراً، يحكِّم أهواءه وعواطفه، يعيش عُقداً وأحقاداً شخصية، وتتملكه نزعة انتقام لما ناله من النظام، وإن نجا من تهمة العمالة، فلن ينجو من الانخراط في المؤامرة من حيث لا يدري! كانت الأعين عمياء والآذان صماء، والعقول في سبات… فالحقيقة المؤلمة أنَّ من يصنَّفون في النخب، من علماء ومثقفين وكتَّاب وخطباء، هم في واقعهم عوام، يحكمهم العقل الجمعي الذي يسوق الساحة، ويلقِّنهم الإعلام الشمولي الذي يرتهنها في نهج تغريري قاتل، تخضع له النخبة طواعية، مرحِّبة بما يزيح عنها التكليف، ويُبقي على أمنياتها في رحبة الأحلام وفسحة الآمال!

    قبل ثلاثة عقود ونيف، تنبأ بعض البصراء بما يجري اليوم في إيران، وتوقَّع ما يحلُّ بالجمهورية الإسلامية الآن، وصرَّح بأنَّ النهج الذي يمضي عليه النظام والطريقة التي يدير بها الخامنئي الحكم، ستجعله آخر “ولي فقيه”، ومن بعده الطوفان!.. ما زال هذا التيار البصير ينذر ويحذِّر ويلفت وينبِّه، وما برح يضع يده على الجراح، يحدِّد الأخطاء والانحرافات، ويرسم الصوَر القاتمة، ويترقب التداعيات المهلكة. لم تكن كهانة تفتح المندل وتضرب في الرمل، أو عرافة تلاحق الطوالع والأبراج، وتنظر في الجفر والأوفاق والجداول والمربعات! إنما قراءة علمية، عقلية وشرعية، ثم ذكية واعية، وفهم فطن لمجموع شواهد وقرائن ومعطيات، تنطلق من رصد موضوعي للساحة، وملاحظة دقيقة لما يجري فيها، مع معرفة بالمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها القائد، ووقوف على أُسلوبه الانفرادي الاستبدادي، ونزعة الإقصاء التي تتملكه، يجمع إلى ذلك “ولاية” بات يفرضها حيث شاء وأنَّى أراد! يلحقها إعمال اجتهاداته الخاصة في القضايا الخلافية، وتحقيق آماله وتطلعاته الشخصية، والأهداف الشاذة الخطيرة التي طالما راودته، يحسب تمام الدين في تحقيقها، ورضا الله في إعمالها، غافلاً عن شتل الضلال الذي غُرس في أعماقه على يد شريعتي، ومن قبله الأفغاني وعبده وسيد قطب، وساهياً عن بؤرة الوحي الشيطاني التي سكنته واستولت على روحه: مدرسة الحركة الإسلامية والنزعة الحداثية التنويرية، هيمنت على فكره ورسمت شخصيته وطبعت هويته.

    أخيراً، بعد ثلاثين سنة ونيف من السياسات الخرقاء، اكتشفت الجمهورية الإسلامية أنها كانت مخطئة! والمسؤولية، بطبيعة الحال، ستقع على النظام والدولة، لا السيد القائد الذي صنع الأخطاء وأرساها عبر ممارسة حزبية مقيتة، وروح تسلطية مريضة، تفرض الرؤى والاجتهادات الخاصة، وتجعلها ديناً تلتزمه الأُمة، مما ظهر جلياً في الشعائر الحسينية والعقائد الولائية والحوزة والمرجعية. وكذا التوسع في مفهوم الدفاع عن الدولة والنظام، جعل الحروب في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها، مقدمة واجبة، وقراءة استباقية تقطع الطريق على غزو إيران، ثم السياسة الاقتصادية التي نصبت الحرس الثوري عمدة التجار والمسيطر المطبق على السوق والبازار، والمالك الأكبر للمصانع والشركات والعقارات، والقابض الأول المهيمن على الاقتصاد. وبعد هذا كله، أو قبله، يأتي حلم القنبلة الذرية، وما يُلحق إيران بمنظومة الردع النووي، ويجعلها ـ بالتالي ـ في أمان من السقوط، بل يتيح لها التمدُّد وإعادة أمجاد كورش وأُسطورة سهراب، أو قل “عدالة” عمر بن عبدالعزيز والعصر الذهبي لهارون الرشيد! والخطورة والضلال هنا، عند القراءة العميقة للفكرة وتطبيقاتها، هو في ما يختزنه هذا الطموح، من جحد أو تجاهل لوجود المهدي عليه السلام، وقفز على دوره الموعود، وتقمُّص ما ادُّخر له من إصلاح العالم!.. هكذا تتلاحق المآسي والويلات، ويتحوَّل الطموح بامتلاك هذا السلاح إلى نقمة ستُبقي ايران في الحصار والتخلف الاقتصادي والعسر والضنك حياتها كلها، وباكستان ببابك.

    استولوا على المساجد، وحولوها الى مراكز حزبية ومقرَّات أمنية للبسيج (التعبئة)، وجعلوها منابر تدعو لأفكار القائد ونشر تعاليمه وتحكيم ولايته، فقاطعها المؤمنون وتركوا إعمارها، فانحسرت صفوف الجماعة وخلت المساجد من روَّادها، وهكذا فعلوا بالحسينيات والهيئات الناشطة فيها، غيَّروا ثقافتها الشعائرية وقلبوها إلى جلسات قرآنية ومحاضرات سياسية، فخسروا الزخم العاطفي الذي كان يستقطب كل شيعي، ويربطه بالدين من خلال “حرارة لا تبرد أبداً”، تقلَّصت أعداد الهيئات الحسينية في الأحياء، وأغلقت الحسينيات أبوابها، وتضاءل نشاطها لينحصر في عاشوراء، وفي أنماط رتيبة جافة، أقصت قطاعات واسعة وجماهير عريضة ارتضت التعبير عن عشقها لأهل البيت بطريقة دون سواها، فلما مُنعت، امتنعت! ولا يقف الأمر هنا، ففي الحوزة وإدارتها وتغيير مناهجها، والجامعات البديلة التي تأسست لاحتوائها وإسقاطها، وهكذا السيطرة على المرجعية وإخضاعها للدولة، محن ورزايا يطول المقام بشرحها وبيانها! وبعد كل هذا وذاك، هناك من يستغرب التعرُّض للمعممين، ويتفاجأ من خلع الحجاب، والكفر البواح الذي صار فيه بعض الإيرانيين، بين مانع من تلاوة القرآن في تشييع ابنه، ورافض لصلاة الجنازة على فقيده، ومتمرِّد على أي طقوس “عربية”!

    ثم تأتي الداهية الأدهى، والأمرُّ من هذا المرير: بطانة الخبال وعصابة الفساد، ضباع تنهش كل ناقد، وذئاب تقطع الطريق على كل ناصح، ثم خراف تثغو: “أوَ تفهم أنت أكثر من السيد القائد”؟ و”أتراك اطلعت على ما خفي على الجمهورية بعظمتها”؟! وأغبياء على الرصيف، أو مقاعد المتفرجين، يتوعَّدون مَن ينال من “الولي”، وينذرون عذاباً أليماً! وذباب يزعج كل ساع للخير، حريص على المذهب والدين. شرذمة من المرتزقة، جوقة من المطبلين المتزلفين، هذا رأى القائد في منامه يحمل راية المهدي، وذاك شهد في اليقظة كيف انتزعت شهادات واخترعت إجازات، تجعله في مصاف الوحيد البهبهاني والميرزا النائيني، وقابِلةٌ تقسم أنها سمعته يهتف باسم أميرالمؤمنين ساعة سقوطه من بطن أُمه! وآخرون اختصروا الطريق، وقالوا إنه حسين العصر وعلي الزمان، وانقطع الخطاب.

    بعد تنحية الشيخ رفسنجاني ثم موته، وإقصاء نصف رجال الثورة (روحانيون) من قبل، وطرد كل متحفظ على سياساته أو مخالف لها، والسيطرة المطلقة على البرلمان والسلطة القضائية ورئاسة الجمهوربة وجميع المؤسسات الدستورية… لم يعد للخامنئي مستشارين حقيقيين، فالقرار الأعلى يتخذ اليوم من رأسه حصراً، وينطلق من قناعاته التي تمدها “أنا” متضخمة وذات متورمة إلى حدود الالتهاب والانفجار! ولا ينفي هذا وجود وزراء وأرباب مناصب رسمية يقدمون نظرتهم ويرفعون تقاريرهم، ولكن هؤلاء جميعاً موظفون تابعون، لا ينبسون ببنت شفة، ولا يلفظون من قول إلا بما يرضي الرقيب العتيد.

    إنَّ القضية لا تعالج بتغيير الكوفية أو الوشاح الفلسطيني المرقط، واستبدالها بأُخرى من غير شكل ولون، فالبلاء في عقل يرجع علل انتفاضة الشعب وضجره وسخطه على النظام والدين، إلى حنق الاستكبار من نجاح وانتشار أُنشودة سلام فرمندة!.. في تقديري الخاص، إذا كان أمر الحراك بيد أمريكا أو القوة الخفية، الدولة العميقة التي تدير العالم، وهو كذلك، فإن الجمهورية الإسلامية لن تسقط الآن! لا أحد في التاريخ استطاع أن ينال من التشيع ويوجه له الضربات التي تلقَّاها من هذا النظام. أُمور استمات الشيطان لتحقيقها منذ ألف عام، تعاقبت عليها دول بويهية وسلاجقة ومغول وإيليخانية وصفوية وقاجارية وعثمانية، حتى ملكية هاشمية وشاهنشاهية، ثم جمهورية وقومية وبعثية… كلها سعت للقضاء على الحوزة العلمية، وإخضاع المرجعية الشيعية للدولة، ولجأت لشتى الحيل ومختلف الأساليب، فلم تنجح.. وها هو الخامنئي يحقق لها ذلك وهو يرخي ساقاً على ساق، وما ظنَّ ساعة أنه الفراق، ولا أنَّ إلى ربه المساق، ولك أن تقرأ القصة في “الفارياق” لأحمد فارس الشدياق القادم من الكثلكة عبر البروتستانتية إلى الإسلام، أحد طلائع الماسون الأخير في الشرق الأوسط، ورافد الحركة الإسلامية هنا!

    قيل أنَّ مروان الحمار، الذي صدَّرنا به المقال، لما أُحيط به، جلس وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض حضاره: ألا ترى ما نحن فيه؟ لهفي على أيدٍ ما ذُكرت، ونِعَم ما شُكرت، ودولة ما نُصرت. فقال الخادم: يا أميرالمؤمنين! من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر، وأخَّر فعل اليوم لغد، حلَّ به أكثر من هذا. فقال مروان: هذا القول أشد عليَّ من فقد الخلافة.

  • في البدايات العميقة والجذور البعيدة لفتنة البابية والبهائية، لما كان الأمر مجرَّد تيار شيعي بدأ يتبلور في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعنوان الشيخية أو الكشفية، على يد الشيخ أحمد بن زين الدين، أحد فضلاء الحوزة وأعيانها، ممن حضر ـ كما في ترجمته ـ على أعلام عصره كالوحيد البهبهاني والسيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر الكبير، وحظي بإجازات رواية وتزكيات تشهد بورعه وتقواه. ومع توجُّس جملة من العلماء وحذرهم من بذرة حزب أو تيار أو جماعة خاصة تراءت لهم في أُفق هذه الحركة، تنشق عن الطائفة، تستقطع من جسمها، تؤسِّس فرقة وتُحدث مدرسة، وأنَّ هناك مرتكزات فكرية خطيرة تُغرس في الساحة، كمقولة الركن الرابع والنيابة الخاصة، والتلقي المباشر عن الإمام، عبر  مكاشفة في يقظة أو مشافهة في منام، لن تلبث أن تحشد أنصاراً وتجمع مريدين وأتباعاً… إلا أنَّ الأمر لم يتجاوز حالة نخبوية ومواقف فردية، أبرزها للشيخ الجواهري والفاضل الدربندي والآغا رضا الهمداني. حتى إذا توفي الشيخ الأحسائي رحمه الله، وبدأ دور السيد كاظم الرشتي، عندها، قامت الحوزة جمعاء ونهض المؤمنون معها في وجهه، فهو مجهول عندهم نكرة، تحفُّه الريبة من عدَّة وجوه، ولا سيما تبشيره بقرب ظهور الموعود، وجزمه الذي بلغ التوقيت! ما أحدث خلافاً شديداً في الساحة الإيمانية. ففي حين تأثرت شريحة من عامة المؤمنين بالدعوة الجديدة، رأت فيها عرضاً متفوِّقاً لمقامات أهل البيت، وتداولاً منصفاً لمعارف ولائية راقية مهملة مهجورة.. كانت الحوزة وعلماؤها بين متهِم له بالغلو والكفر، ورامٍ بالزندقة وعدم الالتزام بالأحكام، وبين مرتاب من الغموض والباطنية التي مسحت الحركة وطبعتها. وبين متوقف يتجنب الطعن، يحمل الأُمور على ظواهرها، ويُجري الأصل الشرعي عليها، مكتفياً بادعاء المرء وإقراره على نفسه، الذي يثبت إسلامه وحرمته، يحقن دمه ويصون عرضه وماله… ولك أن تحيط بالمشهد وتنتزع الصورة مما جاء في “العبقات العنبرية” وهو يتناول جانباً من سيرة الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير:

    {وفي أيامه ظهرت الفتنة العمياء، والداهمة الدهماء، واشتهر وانتشر أمر الفرقة الشيخية، المعبَّر عنهم بالكشفية، وذلك أنَّ جماعة من فضلاء النجف عثروا على بعض رسائل السيد كاظم الرشتي القاطن بكربلاء، فرأوا بها مما ظاهره الكفر أشياء لا تحصى ولا تُعد، وشنائع أقوالٍ لم يأت بها عمر الزمان أحد، فاجتمعوا وكان رئيسهم شيخ موسى ابن الشيخ عيسى بن الشيخ خضر، وكلَّموا الشيخ علي في الحكم بكُفره، فأبى وامتنع، وقال: إنَّ أمر الدماء عندي من أعظم الأشياء، وحقن دماء المسلمين من أعظم المهمات،كيف والحدود تُدرأ بالـشبهات. فلما أيسوا منه، مضوا إلى الشيخ محمد حسن صاحب “الجواهر”، وكان قد استقلَّ بعد الشيخ موسى واستغنى عن الرجوع والحضور إلى أحد (أي بلغ الفقاهة والاجتهاد)، فأطلعوه على الرسائل وأشهدوا جماعة من الثقات أنَّ السيد كاظم يدين الله بما فيها من الأقوال. فقال الشيخ محمد حسن: إنَّ حكمي لا يفيد مع وجود مثل الشيخ علي فيكم، والناس منه أسمَع وله أطوَع. فذهبوا إلى الشيخ علي وقالوا له: إذا حكم الشيخ محمد حسن فما تصنع؟ قال: أُمضي حكومته. حكَم الشيخ محمد حسن بكفر السيد كاظم ومن اتَّبعه، وأحرق رسائله، بعد انتزاع الآيات والأحاديث والأسماء المشرَّفة منها.

    وقد استحكم الخلاف واستعر النزاع، واحتدم الأمر واشتد، حتى بلغ المحاكمة وطلب الفصل وإنهاء الفتنة عبر الحكم، إما بالبراءة وما يستتبعها من إخلاء سبيل وعدم تعرُّض، أو بالضلال وإجراء حدِّ الارتداد!… وكثر القيل في هذه المسألة وطال النزاع، حتى شدَّ الرحال السيد المطاع، ذو الحشم والأتباع، والرياسة والامتناع، السيد سعيد ثابت (كليدار كربلاء وحاكمها) فجمع الشيخ علي والشيخ محمد حسن والتمسهم وأصرَّ عليهم بالمسير إلى كربلاء والاجتماع مع السيد كاظم وتحقيق حاله، فأجابوه إلى ذلك وساروا جميعاً. وجمعهم السيد سعيد مع السيد كاظم وأتباعه في الصحن (الحسيني)، ووقف السيد سعيد وبيده سيف مسلول، وقال لهم: بيني وبينه هذا المجلس، فإن حكمتم بكفره ضربت عنقه من حينه وأخمدت نائرة هذه الفتن، وإلَّا ضربت عنق المخالف… فقال الشيخ محمد حسن للسيد كاظم: أنا أسألك عن فقرتين في رسائلك صريحة بالكفر، وهي هذه، فأخرج رسالة كانت تحت ردائه، وقال: هذه الأُولى، وهذه الثانية، فإن كنت تعتقد بهما فأنت ضال، وإلَّا فأنت مضلٌّ فتَّان. فقال السيد كاظم، وعيناه تدوران في أُم رأسه، يتوقع كلَّ حين وقوع السيف على عنقه، مخاطباً الشيخ علي (غير ملتفت إلى الشيخ محمد حسن): يا شيخنا، أنا أعتقد بهاتين الفقرتين، ولكن ليست هي كما يفهمون من ظاهرها، فإنَّ الأُولى لها تعلُّق بما قبلها، فهي كقوله تعالى: “عُزير ابن الله”، فالقائل بها ما لم يقدِّم: “قالت اليهود” يُظنُّ أنه كافر، فإذا ضمَّ إليها ما قبلها، زال ذلك الاشتباه. وكذا الثانية فإنَّ لها تعلُّقاً بما بعدها، فهي كقول القائل: “لا إله”، فإذا قال: “إلا الله”، تمَّ الكلام، وارتفع الإبهام. فلما سمع الشيخ علي ذلك نفض ثيابه وقال: يا سيد سعيد، “الحدود تُدرأ بالشبهات، وحفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات”، فاترك الناس على غفلاتهم، ولا تكشف عن سوآتهم، وإن أبيتم فاتركوني واصنعوا ما شئتم، فأنا لا ألقى الله وفي عنقي دم المدَّعي للإسلام. فتفرَّق الحاضرون، ونجا السيد كاظم}. انتهى النقل من كتاب كاشف الغطاء.

    بعد سنين لم تمتد، تطوَّرت الحركة، واستفحلت الدعوة وتفاقمت، غالت وحادت عن مقاصد مؤسسها، وانحرفت عن عقائد الإمامية، فتجاوزت دعوى السفارة والنيابة الخاصة، إلى زعم الإمامة، بل دعوى النبوة وحلولها في السيد علي محمد الشيرازي الباب، ومن بعده صبح الأزل ميرزا يحيى النوري، ثم بلغت القول بأُلوهية شقيقه بهاء الله! وكانت فتن عمياء وهرج وفوضى وشحناء، صاحبتها مطاردات واغتيالات، تآمرت فيها الابنة الملقَّبة بقُرَّة العين على قتل والدها الفقيه الصالح البرغاني، فكان الشهيد الثالث!

    كان العالم يعيش تحولاً وينتقل إلى طور جديد، والقوى العظمى تعدُّ لحرب عالمية تتنافس فيها على أقاليم الدولة العثمانية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لتتقاسمها كأسلاب… كانت بريطانيا (ومعها فرنسا) في صراع مع روسيا القيصيرية على الشرق الأوسط، وكان لا بد من إزاحة عائق الهوية الإسلامية لشعوب المنطقة، عبر صيغ جديدة تحوِّر الدين بما يسهِّل الانقلاب عليه ومن ثم التخلي عنه، على غرار ما جرى في عصر النهضة الأوروبية، التي كانت البروتستانتية من أُسس نجاحها في إسقاط الكنيسة وإنهاء دورها. وقد تحركت بريطانيا بالفعل في الجزيرة العربية، ونجحت الحركة الوهابية في الانقلاب على السلطة العثمانية، وتحركت روسيا على إيران، فاستولت على القفقاز وجرجستان (جورجيا)، وتوغلت داخل إيران…

    هناك علماء يتمتعون بذهنيات لمَّاحة وقرائح وقَّادة، قرأوا الأمر في بداياته، وقرنوه بالطموح الروسي في إسقاط التشيع، أو إسقاط البنية التي يقوم عليها المذهب، والدخول إلى ذلك من باب ”الإصلاح” وإنتاج صيغة عصرية مرنة، تواكب طموحهم ولا تعيق أو تعرقل مشروعهم… بلغ البصراء ذلك من متابعتهم للحوادث التي تجري في إيران والمنطقة، ونجاحهم في تحليلها وربطها، ثم من تظافر قرائن وشواهد التقطوها في أداء الجماعة، كوجود عناصر مريبة في تلاميذ الرشتي وحاشيته، من قبيل العنصر الروسي كينياز دالكوركي وادعائه الإسلام والاستبصار. ارتابوا بالحركة من إصرارها على التبشير بقرب الظهور، واستشرفوا عواقبها بخروجها عن السائد المألوف، وتنبَّؤوا بنتائجها ومخرجاتها من طبيعة مقدماتها، فواجهوها بما ظهر في حينه قسوة وشدَّة، وصُنِّف تطرفاً وحِدَّة. في مقابل علماء آخرين، اكتفوا بظاهر الأمر وتوقفوا عند ما يشكِّل حجة شرعية أو لا يفعل، دون تحليلات سياسية وقراءات تقفز على المعطيات الحسية الماثلة. أما معرفة أسباب هذا التفاوت في موقف العلماء وفهمهم للأُمور، هل هي السذاجة والبساطة مقابل الذكاء والفطنة والحنكة؟ ولا سيما مع افتراض العلم والعدالة في الطرفين! فهذا له مكانه ومناسبته، فنحن الآن بصدد انتزاع الأفكار واستخلاص العِبر.

    ذلك أنه ما نعيش مثيله اليوم، هناك خطر داهم ماحق، يتهدَّد أصل الدين والمذهب، ومعالم مؤامرة عظمى ترعاها “الحركة الإسلامية” بدولتها وأحزابها، ضمن محاور: ابتذال المرجعية وهتكها وجعلها في متناول القاصي والداني, إخضاع الحوزة للدولة بحجة تنظيمها وإخراجها من الفوضى، وتغيير مناهجها التي تهدر الطاقات وتضيِّع الأوقات. تبديد التراث وتضييعه بحجة تنقيته وتصحيحه. العبث بالشعائر الحسينية بذريعة إصلاحها… ومع شواهد صارخة، وخطوات تصاعدية متلاحقة، لكن قلَّ من العلماء مَن يلتفت لهذا الخطر ويقف عليه بوعي وبصيرة، والأقل من بينهم من يتصدَّى له ويواجهه. الغالبية العظمى يرون القول تكلُّفاً في التحليل ومبالغة في استشعار الخطر، فهم مأخوذون بالقدرة والقوة، وبإنجازات ظاهرية ملموسة (الحجة التي كانت دول الجَور تتشدَّق بها على مدى التاريخ لتستغفل الناس: الازدهار، التقدم العلمي، الفتوحات، حفظ الظاهر الديني، الأمن والاستقرار)! بل لعلَّ بعض العلماء الأصيلين، ممن يعارض فوضى المرجعية ويتمسَّك باستقلال الحوزة ويدعم رواج الشعائر الحسينية، تراه يمارس ما يرفد المؤامرة ويعين القوم على أهدافهم الشيطانية! فإذا حاورته وحاججته، رأيت ساذجاً بسيطاً سقيم الفهم، لا ينظر أبعد من أنفه، تحدِّثه عن الحيلة والمكيدة الكبرى، وعن استراتيجيات تمضي عليها، ستكون لها تبعات مدمرة في المستقبل القريب، فيشير إليك بثمار حصول الطلبة على شهادات جامعية (من جامعة المصطفى) تتيح لهم الالتحاق بوظائف حكومية، تؤمِّن لهم راتباً شهرياً ومعيشة هنيئة!

    يُقال أنَّ صِداماً دامياً وقع في البصرة إبان الحكم العثماني، لما أمر الوالي بمنع تقدُّم حصان لمسيرة العزاء الحسيني، يشبِّهه أهل الموكب بـ”ذي الجناح”، فرفض صاحب الموكب إزاحته، وأصرَّ على وجوده، فالتحم العسكر بالموكب، وكانت فاجعة ومأساة، لام بعدها بعض الوجهاء صاحب الموكب: وما خطر الحصان وأهميته، هلَّا طاوعتهم وأطفأت الفتنة؟! أجاب: يبدأون بالحصان، ثم الرايات، ثم الطبول والدمامات، ثم كوكبة القامات، فجوقات اللطامة، وهكذا حتى ينكفئ العزاء ويختفي!

    في بداية محاولات الدولة تغيير مناهج الحوزة، هدَّد السيد الكلبيكاني قدس سره، بالخروج إلى الطريق العام وشقِّ جيبه في الملأ، فكفَّت الدولة، حتى رحيله… ليت بعض العلماء الكرام، ورجال الحوزة الأعلام، يتمتعون بشجاعة الكلبيكاني وغيرته، فإن عزَّ ذلك فبحسِّ ووعي وغيرة صاحب ذلك الموكب، فيحافظون على المكاسب والرسائل والكفاية كما حافظ هو على الحصان!

  • الجولة الأخيرة من حرب صفين، كانت تسعة أيام طاحنة، لم يرَ العرب لها نظيراً، خطَّت ملحمة هي الأعنف والأشرس في تاريخ الإسلام، قتل فيها نحو سبعين ألفاً، ثلثاهم من جيش الشام، وثلث من جيش العراق، فيهم الصحابيان الجليلان عمار بن ياسر وخزيمة ذو الشهادتين. في اليوم التاسع، حين بلغ القتال ذروته، وصار في أوجه وقمته، بدأ جيش الشام بالانهيار، تفككت ألويته، وسقطت خطوطه، وتداخلت صفوفه، وعمَّه التقهقر والانكسار، ألقى كثير من جنده أسلحتهم وضربوا في البيداء، مدبرين فارِّين، لا متحفِّزين ولا مناورين. ظهرت بشائر النصر، ولاح الفتح، ولم تكن إلا سويعات، عبَّر عنها مالك الأشتر وهو يقرِّع المتخاذلين: “أمهلوني فوَاق ناقة”، أو “عدوة فرس” (وثبة)… عندها عمد جند الشام لمكيدة رفع المصاحف، جعلوها على الأسنَّة وهم يصيحون: “يا أهل العراق، بيننا وبينكم كتاب الله”! أقعت الذئاب، وكفَّت عن العواء، وراحت تطلب الحوار للنجاة، والمصاحف لفوز البغاة!

    انطلت الحيلة، اهتز الحمقى وتقلقل السذَّج، أمسك المتشرِّعون الورعون، ذوو الجباه السود، وتوقفوا عن القتال لينظروا في أمر عسكر الشام، فقد “جنحوا للسلم” ونزلوا على حكم الله!… بحَّت من أميرالمؤمنين وأصحابه وشيعته الأصوات وهم يبيِّنون لهم المكيدة، ويعرُّون الخديعة، والمهتبَلون يردُّون بحرمة كتاب الله ووجوب حقن الدماء، و”ظاهر” حسبوه حجة تمَّت، فألزمتهم التفاوض والسعي إلى الصلح! كانوا غلاظ أذهان بُلداء، لم يسعفهم ذكاؤهم التفطن لما وراء “الظاهر”، وعجزوا عن إدراك أن العدو يتجنَّب بالحيلة هزيمة ماحقة حالَّة به لا محالة. وقد تمادوا في المكابرة والعناد، حتى أنزلوا الإمام على التحكيم، ثم لم يكتفوا حتى أصروا أن يكون أبو موسى الأشعري اللين الهيِّن، المرن المعتدل، هو من يمثلهم، لا ابن عباس المتطرِّف المتشدِّد، والحادِّ القاطع، فهذا يتهدَّد المفاوضات بالفشل!

    على مدى التاريخ، كان هؤلاء المغفَّلون السذَّج، هم الذين يخذلون الحق ويقصمون ظهر أهله وحمَلَته، ولا سيما روَّاده وقادته، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين: “قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك”، والجهل له وجوه، منها تردِّي الوعي وتخلُّف النباهة، وافتقاد الفطنة وانعدام الحصافة. وقد لا يُدرج هؤلاء في طبقة العوام وشريحة الجهلة، حين ترى بينهم علماء ومثقفين، وذوي باع لا ينكر في بعض العلوم، ولكنَّ مخادعاً صغيراً، ومراوغاً حقيراً، يحسن رسم الصوَر وحبك القصص وتمثيل المشاهد، يمكنه أن يسيطر عليهم جميعاً ويسخِّرهم لما يريد، وهو يترنم بحدائه أو يعزفه بمزماره وينفخ في نايِه! وإذا رأيت كيف يقود صبي في التاسعة قافلة مقطورة بأحمالها ومحاملها، تعرف كيف تُدرج الرجال في البغال والجِمال!

    تعال اليوم وانظر في مصاحف مرفوعة، وأباعر باركة أمامها، مخدَّرة سكراً باستبصار مُخالفٍ ودخوله في مذهب الحق، ومنتشية طرباً بمعزوفة شيطانية، تحسبها مزامير داوود عليه السلام! يحتجون على أهل البصائر: كيف لنا الحكم على كلمة حق، أنَّ ما يراد منها باطل؟ فلا صدراً شققنا، ولا قلباً كشفنا؟!

    بعد تدخلات فجَّة في صميم العقيدة والدين، واقتحام جريء لأخصِّ خصوصيات المذهب، من قبيل الشعائر الحسينية والتطبير، وسيَر المقاتل، وفرحة الزهراء، ومزارات الأولياء، ونقد لاذع لكتب فحول العلماء ونتاجات أساطين المذهب! وما إلى ذلك من قضايا حساسة يتجنبها أغلب المؤمنين، ويحذرها أكثر المغامرين، لما يكتنفها من خفر ويحفُّها من خطر، وكلُّها مما يفتقد الوقوف على الحق فيها ويتطلَّب إدراك حقائقها، مؤونة وباعاً، وتخصصاً واجتهاداً، لا يملك الرجل أدناه ولا يتوفر على أقلِّه… عمد هذا الطائش مؤخراً، فقحم ساحة الصراع السياسي في إيران، وهي في ذروة التأزم والاحتقان!

    الحقيقة أنه أمر يستحق التوقف عنده، بل البحث والدراسة فيه وحوله، أن يُسمح لغريب بالتطاول على السيد العلوي البروجردي، وهو شخصية علمية وروحية، تحظى بمكانة كبيرة ومنزلة متميزة، ويهتكه علانية! هل هو مؤشر على تطوُّر الأداء الإيراني وارتقائه، وكأنه تفوَّق على العصبية القومية وقهر النزعة الوطنية الضيقة، حتى صار ينظر إلى اللاجئ الفلسطيني، نظرته إلى الكرماني والأصفهاني؟ هل الأُممية الدينية بلغت عهدها الذهبي وجمهوريتها الأفلاطونية الفاضلة، حتى سمحت للمسلم العربي، من “الحفاة وأكلَة الجراد”، أو المؤمن الأجنبي المقيم في البلاد، بالتدخل والخوض في أدقِّ خصوصيات المجتمع الإيراني؟ ولم تمانع أن يدسَّ الدخيل أنفه في الواقع السياسي للنظام، ما يبلغ ثلب أحد أبرز الأعلام؟ لا لشيء إلا لنصح أسداه السيد الجليل للسلطة، ونقد وجهه إليها؟! هل تجاوَز الإيرانيون العصبية القومية ومقولة تفوُّق العرق الفارسي؟ هل تخلوا عن النظرة الدونية للعرب وبقية الأُمم غير الآرية؟!.. هذه تساؤلات تفرض نفسها في تحليل الواقعة، اللهم إلا أن ينتهي البحث ويخلص إلى أنَّه يندرج في تحريش الرعاع، وإرسال الأوباش، لمنابزة الأعيان ومشاكسة الأشراف! يعرِّض بهم لكعٌ، يرمي السيد الجليل بالسفه! فيترفَّع العلوي عن الرد ويأنف الانحدار، ثم لا يملك إلا الشكوى، أن كفُّوا أراذلكم وصبيانكم!

    لست معاتباً هذا المتطفِّل، ولا العُصبة الحزبية التي تسوقه، والخلية الأمنية التي توجِّهه وتقوده، فهؤلاء مكلَّفون، وتلك وظيفتهم ومهمتهم، ولا أنا ممن ينخدع بالظواهر ويؤخذ بالمظاهر… إنما العتب على الحاضنة الغبية التي تنصره، والزمرة المستغفَلة التي تبرِّر له وتدافع عنه بسذاجة قاتلة وأفن!

    وهؤلاء ـ نوعاً ـ من المؤمنين الأخيار، لكنهم يفتقدون الخبرة، لم يشتركوا في أي نشاط حركي، ولم يخوضوا أي تجربة على هذا الصعيد، لا سياسية ولا اجتماعية ولا أمنية، ولعلهم ممن يفتقد الحس والاستعداد الأوَّلي لذلك، فنحن هنا أمام ذهنية سطحية بليدة، أُحادية الأداء، تعجز عن تركيب أكثر من عنصر في تلقي الحوادث وفهمها، ولا سيما إذا كانت عِللاً متعارضة ومظاهر متناقضة، فالمصلي الملتزم يُستبعد من دائرة الظنة أو التهمة في تحقيق يباشره أحدهم حول سرقة، والموت والفقد حزن وخسارة، لا يجتمع معها التبريك والتهنئة، كما تفعل بعض الشعوب في الشهيد، وما إلى ذلك من قضايا عميقة وحوادث مركَّبة ومتداخلة في عللها، وحالات متقاطعة مع أُخرى، معارضة لها ومضادة، يواجهونها بسذاجة ويتلقونها بسخف ويتعاطون بخمول، وهي تتطلب حِذقاً وفطنة وحصافة. طالما ابتلت الأُمة بهذه النوعية… يتعاطى مع القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية جملة بالمنطق الرياضي، فحاصل جمع العدد 2 إلى مثيله، هو دائماً وأبداً 4، فيحسب أنَّ الأحكام الشرعية والمواقف الإسلامية والحركة الإنسانية تحكمها معادلات رياضية، ويرفض التحليل والتتبع، ويصر على الوقوف الأوَّلي عند المعطيات الظاهرية والحمل على الصحة… هذا هو ما حمل الخوارج على قبول التحكيم، وهو ما يحمل خلَفهم على السقوط في هذه المهالك اليوم، يحسبون أنهم التزموا الدين ونصروا الحق، وكانوا في سلامة من الوقوع في المحاذير ومخالفة الحدود الشرعية!

    ومما لا ينبغي إغفاله، أنَّ عنوان “الأخيار السذَّج” هذا، لا يبقى ليلازم هؤلاء أبداً، فإنَّ الحجة تتم عليهم بنحو وآخر، حتى ليجحد أحدهم الحق وقد ركن إليه وسكن في نفسه واستيقن به! فأنت تراه لا يلتزم هذا الجمود والتخشُّب في قضاياه الخاصة وأحواله الشخصية، فهو لا يأتمن ماله أو يشارك تجارته أحداً بناء على حسن ظاهره، ولا يكتفي بحسن الظاهر وعدم صدور المنافي، ليزوج ابنته من خاطبٍ، حتى يتحقَّق من صدق سلوكه وحسن خلقه، ويتثبت من مدَّعياته في عمله ومعيشته، فلا تُخدع ابنته وتنتقل إلى بيت فقير مسكين كان يتظاهر بالثراء مثلاً. ستتم الحجة على هؤلاء في سرائرهم، فيقفون في وجدانهم على أنَّ ما منعهم من اتخاذ الموقف والاصطفاف ضد هذا المنحرف وذاك المبتدع، ليس قصور الأدلة والعجز عن إدراك فساد ما يضمر أولئك وخطر ما ينتظر الدين والمذهب من ضلالاتهم، بل هي المصالح والمحافظة على العلاقات، والأثمان والكلفة التي لا يريدون دفعها وتحملها… لقد وقفوا على أدلة قضايا أُخرى، تثبتوا منها وفرغوا من ثبوتها، كبطلان بعض المرجعيات، لكنهم مع ذلك التزموا الصمت ولم يحركوا ساكناً تجاهها، ولم يفعلوا شيئاً لتنبيه العوام الغافلين عنها، بل لعلَّ كثيراً منهم انخرط في مؤسساتها، فتراه يدرس أو يدرِّس في جامعة المصطفى! إنها الكلفة والثمن، وهم يدارون هذا بذاك، وأحياناً يتحايلون على وخز الضمير وتأنيب الذات، فيمن يتنزه عن المصالح والحاجات!

    لعمري، كيف يؤخذ الكيِّس بالظواهر في زمن التظاهر؟ ويصدِّق الفطن الدعاوى في عصر الخداع والدجل؟ وقضايا فضل الله وانخداع سيد جعفر به ودفاعه عنه حتى حين، والحيدري الذي حظي بنصرة الملايين.. حاضرة ماثلة أمامهم، أ فلا يتَّعِظون؟! إنَّ الطعنة تأتينا من غافلين جاهلين لا يدرون كيف يدار العمل الأمني والمخابراتي والسياسي في حوزة قم، ولا سيما مع الطلاب الأجانب والحوزة العربية، ما هو دور “السربرستي” ومن هو المدير الفعلي هناك، ما هو موقع “بيت رهبري” وغرف العمل التي تتبعه، يحسبون أنَّ الفضاء (الافتراضي قبل الواقعي) في قم، مفتوح على مصراعيه، مشرعة أبوابه للولوج متى شئت والخروج متى اشتهيت!.. والحال أن هناك قبضة أمنية تحسب الأنفاس، وترصد اللفتات وتحصي أدنى الحركات، والسفه كل السفه، تصوُّر بعضهم أن ينطلق أحدهم بحُريَّة مطلقة، يصول ويجول، حتى يتطاول على رموز الحوزة وأحد أبرز مرشحي المرجعية القادمة، دون أوامر عمليات، وتكاليف ومهمات، وغطاء ووقاء!

    إنَّ مسيرة الحق ماضية في طريقها، والركب يتقدَّم نحو النصر والظفر، لا يعيقه شيء، لا يتوقف في محطة، ولا ينتظر أحداً، والأسماء أُدرجت في ديوان من انتصر لظلامة الزهراء، ودافع عن الشعائر الحسينية، وانتفض على تشويه التراث، وقاوم تضييع أحاديث آل محمد، وردَّ عن الحوزة العلمية والمرجعية هجمات التطويع والهيمنة الحكومية… وصفحات السجل تُطوى على عنوان “اللهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري”، والفرص تمر مرَّ السحاب، والمغفَّل الهُجعة يحسب أنه نجا بالسكوت وسلم بالوقوف على التل، متفرِّجاً، لا يبالي بما يقع ولا يكترث بما يكون، والغيث ينهمر في غير مكان، والغنائم تُجمع وتدَّخر ليوم لا ينفع مال ولا بنون!

    ليتنح الأغبياء، وليصمت من عُدِم الخبرة، لم يعش التجربة ولا خاض في الميدان، ويكفَّ عن بثِّ جهله وسذاجته، وتعميمها ثقافة ينخدع بها العوام… ولا نامت أعين الجبناء!

  • مشاريع سياسية، خطط حزبية، تدابير حكومية، تظهر في شخصيات تزرعها الأنظمة والأحزاب السياسية في الأوساط العلمية والساحات الثقافية. يقرأ الحزب أو ترصد الدولة أهمية الحقل العلمي وخطر الميدان الثقافي، فتقرِّر أن يكون لها حضورها الفاعل ووجودها العامل فيه، بما يبسط يدها ويمكِّنها من الحركة والتأثير، وسحب البساط من تحت المثقفين والعلماء الحقيقيين، فلا يكون بينهم رافض أو معارض يحمل فكراً وعقيدة تشكِّل تهديداً للحزب والنظام. يتأكَّد ذلك في الأنظمة القائمة على أيديولوجيات أو أُسس دينية، لها مرتكزات علمية، عقائدية وفقهية، كما الجمهورية الإسلامية، فإنَّ أهمية الحقل العلمي والثقافي وخطره عندها يتأكَّد ويتضاعف، وبالتالي حرصها على ضبطه وإحكام قبضتها عليه. ومن السذاجة بمكان تصوُّر أو افتراض إهمالها الأمر وتركه للأعداء أو للأقدار، تسوقه إلى ما ينال من الدولة ويتهدَّدها، ينخر أُسسها ويخلي الأرض من تحتها لتهوي وتسقط بعد حين.

    ولما كانت الجمهورية تفتقد العلماء والمثقفين، أو أنهم شحُّوا في رجالاتها وندروا بين أتباعها، فالعالم الحقيقي والمثقف الواقعي قلَّ أن يرتضي لنفسه دور عميل السلطة وخادم النظام، فإن قبِلَه أَنصاف العلماء ورضي به أشباه المثقفين، عسر عليهم تكلُّف الذرائع وشقَّ التماس المبرِّرات، اللهم إلا مَن قبع في حضيض الوضاعة وبلغ أرذل الخسَّة والصغار كالحيدري وحب الله، ومن قبلهم هبل الأكبر فضل الله، ممن عُدم فيهم الورع وزوي الحياء… عمدت السلطة لخلق بدائل وصنع أدعياء، تغرسهم في المحافل العلمية وتزرعهم في الأوساط الثقافية، وهم يأتون على شاكلتها والكيفية التي هي عليها، من الهزال العلمي والضعف الفكري، المسحة التي تصبغهم من القمة إلى القاع ومن الباب إلى المحراب! ثم تكتفي بصخب الإعلام، وتستغني بطنين الذباب، يروِّج ويهرِّج، ما يغلب الفضاء والأجواء، فكأنها حققت المطلوب وبلغت الغاية والمراد، فالحقيقة لا تعنيها ما دامت الأكاذيب تنطلي، والواقع لا يشكِّل خطراً ما دام الزيف يُشترى ويباع.

    يجمع أحدهم ثقافة متواضعة من قراءات سطحية مبعثرة، وشتات مطالعات عابرة، يُلحقها بدراسة أو شهادة جامعية في مرتبة دنيا بالكاد تتيح له وظيفة تدرُّ راتباً ومعاشاً، أو يكسب من التحصيل العلمي في الحوزة نزراً ويجني لمماً لا يسمن ولا يغني من جوع… ثم تراه يخوض في أُمور الدين ويلج ساحة الإرشاد، كأنه ابن بجدتها وأمهر فرسانها، يُسقط الثوابت والمسلَّمات، من راسخات المذهب ويقينياته، كمراتب المعصومين ومناقب الأئمة الأطهار، وشعائر العزاء والمزار، ويثبِّت المتقلقل المتزعزع، والضعيف المشكوك كالولاية المطلقة للفقيه، ويزرع المختَرع المبتَدع، فيعلو بالقدس ويجعل الأقصى القضية الأُولى، ويهمل العتبات المقدسة ويتجاهلها، أو يسخِّرها لطريقه والنهج الذي اختار. يقول برأي الزيدية في الجهاد، ويصوِّر النهوض به من أُصول الإمامية، ويدعو للمجاهرة بعداء القوى العظمى والتصدِّي للحكومات الموالية لها، ضمن نهج ما يسميه “الممانعة” أو “المقاومة”، يجعلها من أركان الدين، ليخرج من لا يقول بها ويلتزمها من ربقة الإيمان! يخوض في الرجال والأسانيد، فيضعِّف ما شاء من الأحاديث ويهمل ما لم يطب له من الروايات، وينتزع وجوهاً ما أنزل الله بها من سلطان في التفسير وتأويل الآيات!

    يتصدَّى للتحقيق والتأليف، وكأنه أُستاذ ضليع ومتخصِّص رفيع، ولربما قدَّم دراسة ونظَّر لفكرة وأسس لموضوع، فيحسبه الغافل باحثاً جاداً، وجهبذاً بلغ الاجتهاد، فيخبط بما يطال المذهب ومسلَّماته بالتشكيك، وأحياناً بالنقض والهدم، يأتيه من داء سكنه بهوس “فتحٍ غير مسبوق”، والظهور بجديدٍ غير مطروق! والعوام يلحقونه ويتبعونه، يتركون الكليني والمفيد والطوسي والصدوق والعلامة والمحقق والمجلسي والحر العاملي، والفحول من أعلام الطائفة وأفذاذها، والأساطين من علمائها ورجالها، من فقهاء وأصوليين ومحدِّثين ومفسرين وفلاسفة ومتكلمين، ويستبدلون بهم غرّاً مبتدئاً أو متطفلاً طارئاً ولصيقاً لاحقاً!.. فإذا جمعت المستوى الثقافي المتواضع والتحصيل العلمي الأدنى، إلى النشاط العريض وحجم الفعل والحركة، والمزمار الذي يعزف في كل عرس ووليمة ختان، إلى النتاج والمخرجات، وقرنت ذلك إلى العمر وما بلغه الفتى أو الرجل منهم! تقف على أحد أمرين: إما عبقرية معجزة، أو مهزلة مضجرة! وكمثال عابر يسلِّط الضوء على السائد المتصدِّر من اللغو والحشو، والرجال الذين أعدَّتهم الدولة وأحزابها، الذين سينهضون بـ ”جهاد التبيين” وينفِّذون أوامر القائد… تأمَّل في قضية كتاب “التمحيص”، وهو كتاب تم الفراغ من تحقيقه منذ سنوات خلت، على يد أحد أفذاذ المحققين، وأبرز العلماء المتخصصين، هو السيد محمد باقر الأبطحي، أنجزه وفق الضوابط العلمية والأُصول الفنية المرعية، من البناء على نُسَخ مخطوطة، ومقابلات وتطبيقات، ومعالجات تامة، حتى طُبع ونشر… ثم تفاجأت الأوساط العلمية بالأمس القريب بطبعة ثانية له، صدرت باسمٍ جديد يُنسب إليه “التحقيق”! وكل “جهد” صاحبنا هذا وإنجازه ينحصر في إرجاع الكتاب إلى ابن شعبة الحراني بعد أن نسبته الطبعة الأولى للإسكافي، الأمر الذي كان السيد الأبطحي قد سبق ونوَّه إليه في مقدمة طبعته على نحو الاحتمال! فكان ترجيح أحد الاحتمالين هو “الفتح المبين”، الذي حمل “المحقق الجديد” على بساط انتشله من ربوع العمالة للنظام، وطار به إلى فضاء الأصيلين الأخيار!

    ما الأمر هنا، وفي عشرات الموارد المشابهة، التي تبرق فيها نجوم في وسائل التواصل، وتسطع كواكب تجتذب المتابعين والملاحقين، تكرِّس رموزاً قادمين، إلا مشروع سياسي يحظى بدعم إعلامي خرافي، يصنع أبطالاً في شتى الفروع والوجهات، حتى الساحة الإيمانية الولائية، لهم أرقامهم الذين يظهرونهم قامات، وإن كانوا أقزاماً أو أحداثاً كهذا الذي يزعم التحقيق… والملفت المؤلم، أنَّ بعض المثقفين الحقيقيين، انطلت عليهم الحيلة ودخلوا في الصفقة، ورقصوا تحت الراية، فكانوا والمستغفَلين العوام سواء!

    لا يعنينا من يتبع العمائم الحكومية والمثقفين الحزبيين، من متجاهرين لا يخفون هويتهم، ومعلنين لا يدارون ولا يتوارون، فهذا خيار الأتباع وتلك قناعاتهم، “ومن يضلل الله فما له من هاد”، و”وأولئك هم الخاسرون”… إنما الحسرة على المغرَّر بهم، ومَن أغواهم ظاهر مزيَّف وانطلى عليهم زخرف الإعلام وغلبهم زخمه، فلحق عناوين: “المربي الفاضل” الذي يمحور الدين حول شخصه الشاخص ونفسه النفيسة، و”بخاري الشيعة” الذي لا يأتي أتباعه إلا بالصحيح ويطرح الأحاديث الضعيفة! و”الثعلب المراوغ”، الإشكوَري الذي يفاكه النساء ويمازحهن، ويستملح سماجته بتجاذب اللطائف، ودعوتهن للجرأة وترك الحياء، يؤسس جامعة نسوية، مغرِّراً بآلاف المؤمنات، يزعم أنها تابعة للمرجع الأعلى، فينتسبن إليها فرحين ويلتحقن بها واثقين معتمدين، والسيد السيستاني منها على براءة يوسف الصديق من السوء! والصفيق الوقح يمضي في سياسة الأمر الواقع، والسبق للمبادر! وكذا ”الذئب العاوي”، ”پناهيان”، الحمَل الوديع، الإلهي المحلِّق، العرفاني الخلوق، المهذب البشوش، الذي تغلبه من فرط سماحته الابتسامة.. ثم ينقلب في ساعة، ليشتم ويلعن، وينادي بالويل والثبور على عالم من أعلام الحوزة وواحد من كبار فقهائها، كلُّ ذنبه أن انتقد أداء الدولة وعجزها عن احتواء المتظاهرين، وتمام جرمه أن حذَّر من نتائج كارثية لهذا الحراك والصراع (وإن تمَّ إنهاؤه والقضاء عليه)، أخطرها الاصطفاف ضد الدين، عندها كشف “پناهيان” عن وجهه الآخر، وقفز إلى الواجهة يعضُّ لا يعِظ، وينهش لا يهش ويبش، وظهرت أسنانه الباسمة، أنياباً تقطر دماً! فعاد لما حسبه بعضهم زلة كانت منه، حين لحق باصطفاف حزبي مفضوح في معركة الانتخابات النيابية، فبان أنَّ هذا هو الأصل فيه، وما الظاهر إلا قبعة إخفاء، وجلد حمَل يسمح له بالرعي مع القطيع وسط الخرفان!.. وما زال العوام يلاحقون أفلام وتمثيليات أستاذ الأخلاق، ومربي الأجيال! يتوهمون فيه وفي أضرابه الأصالة الحوزوية والاستقلال، وما هم إلا مشاريع تتحرك تحت راية الجمهورية أو الحزبية وما يمثل الحركة الإسلامية، أصل الضلال والانحراف… قد يمطر بعض غمام هؤلاء، فيسقي العطاشى ويرويهم، ويخدع العوام ويعميهم، لكن الريع والعائد، سيكون دائماً للزارع، والمتعهد بالرعاية والمتكفِّل بالتسويق والدعاية، وتتفاوت هنا نسبته وتختلف حصَّته، باختلاف قوة الغيمة وحجمها ومكانتها، ودرجة إسهام النظام أو الحزب في صنعها وتكوينها، ليعود له الكل أو النصف أو الربع، وفي الأقل الأدنى سيحظى بالخمس ومعه مداليله الفقهية!

    هذه عينة من رجال “جهاد التبيين” الذي ندب القوم إليه مؤخراً كصيغة حركية، تفرغ الشحنات الثورية التي طالما زُرعت في هذا التيار، وباتت لا تنسجم مع المرحلة القادمة من الاستسلام! وهناك الأسوأ والأكثر انحطاطاً.. هؤلاء جميعاً سينخرطون ببدعة التبيين في طورهم القادم (ولولا أن دهمهم الحراك لقطعوا فيه شوطاً وصاروا اليوم في غير مرحلة)، ومن نافلة القول أنَّ هذا الجهاد عندهم يصبُّ في الحث على القيم الثورية والشعارات السياسية كالقدس والوحدة الإسلامية (كما صرَّح المسكين الذي انتقص من بصيرة الشيخ الوحيد!)، وما إلى ذلك من هراء سياسي باتوا يسحقونه في صفقات تبيع الأوطان، وتتبادل مناطق النفوذ بين العراق ولبنان!

    مع كل شواهد الانهيار السياسي والاقتصادي (وإن نجا النظام من كبوته الحالية)، والإفلاس الفكري، والخيانة العقائدية، وقد ظهرت للأعمى وأسمعت الأصم، في أداء هدم الحوزة وأزرى بالمرجعية، وزرع ورعى عناصر الضلال، وفَّر لهم الغطاء وزودهم بالمال، ومنحهم الحماية السياسية والاجتماعية… ما زال بعض الحمقى والبُلْه يبرِّئ النظام، ويمضي بجمود الخشب المسنَّدة، وبرود الموتى، وغفلة الشياه، تسقى في المسلخ الماء! فيلتمس للحزب والجمهورية الإسلامية الأعذار، ولا يرى شيئاً من كل الذي يعصف بالدين وإيران… ثم يعيب على الصحاف، ويسخر من وزير إعلام صدام!

  • قحم مغامرة طائشة بامتياز، وأدار ثورة بمنتهى الحمق والغباء، وقاد شعبه في البحرين بتدبير يتنزَّه عنه أسفه السفهاء، ثم تراه ينظِّر للوعي ويحاضر في البصيرة!.. إنه تيار ولاية الفقيه، الذي يرمي الوحيد الخراساني، شيخ الفقهاء وزعيم الحوزة العلمية في قم، بافتقاد البصيرة، وعدم الكفاية لإدارة الساحة! ويأخذ عليه اضطراب الأولويات، والعجز عن إدراك الموارد المحقَّة التي يجب أن ينشغل بها المرجع، ذلك أنه يتحسَّس مما يطال المذهب ويمس العقيدة وينال من الولاء، ولا يبالي ـ كما يدعون أو يفترون ـ بالقدس وفلسطين والوحدة الإسلامية. وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، تتجدَّد بين الفينة والأُخرى على غير لسان، وتصدر بحق غير واحد من مراجعنا العظام. والغريب أنها جاءت هذه المرة، والعالم يشهد واحدة من فضائح الإدارة ومهازل التدبير السياسي، وأجلى صوَر العمى وافتقاد البصيرة لقائد الجمهورية الإسلامية!.. ما يدعونا للنظر في وعي السيد القائد، ويحملنا على تقييم أدائه وأحوال دولته.

    الأرجح أنَّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران سوف يصمد ولن تسقطه الانتفاضة القائمة، لكنه سيخرج منهكاً مثقلاً، جريحاً مضعضعاً، يجر أقدامه وكأنه يقتلعها بعد وَتْد وارتكاز، من فرط الصمود، وإحاطة العدو والاحتواش، وتلاحق الضربات وإثخان الإصابات. فهي حلقة في سلسلة انتفاضات ممتدة، ولعلَّ الحراك القائم اليوم، هو الأقوى والأشد فيها، وقد فاق ـ في قراءة المحللين ـ الانتفاضة الخضراء عام 2009. والأهم الأخطر هنا، أنَّ الحراك وجَّه ضربة قاسية للفكر الديني، على الصعيد العقائدي والثقافي، وخلق أزمة عميقة في الساحة الإيمانية، نزلت بالحداثوي المغامر، كما طالت الأصيل الملتزم، وخلَّفت معضلة في الخطاب الديني، حلَّت بالحركي الضلالي، كما شملت التقليدي الوقور، النائي بنفسه عن لوث السياسة والمتحرِّز من ظلمة دهاليزها… مفادها أنَّ الشعب أو الأُمة ما عادت تريد الدين، وأنها باتت عازفة عنه، ضائقة ذرعاً بعقائده وأحكامه، لا تميِّز بين حمَلته من العلماء الأتقياء، وأدعيائه من الحكَّام القساة والولاة الأشقياء!

    فالحراك الذي يبدو أنَّ السلطات عاجزة عن كبح جماحه، ناهيك بوقفه وإنهائه، وفي ضوء إصرارها على توصيفه حراكاً يستهدف الإسلام وشعائره، لا النظام وسياساته، وفشله وإخفاقاته، وتصويرها المتظاهرين المحتجين معادين للدين، يريدون إسقاط الهوية المذهبية عن المجتمع والوطن، وأخذ إيران إلى انحلال الغرب وإباحيته، ومحاربة شعائر الإسلام على خطى رضا خان ونهج كمال أتاتورك… يفرز وضعاً خطيراً، ويخلق صدعاً غائراً، يعمِّق معضلة الخطاب الديني، ويعقِّد الأزمة المعاصرة له، التي صنعتها التيارات المتطرفة، ولا سيما العنيفة وفي رأسها الإرهابية التكفيرية.

    الأزمة والمعضلة التي عمل السيد السيستاني طويلاً وما زال يعمل على معالجتها، ومنع إصابتها الساحة الشيعية. وقد بذل ـ دام ظله الشريف ـ في هذا السبيل وثابر، وعانى الأمرَّين ليقدِّم الإسلام في إطار السلم والسماحة، وصورة الاعتدال والوسطية، النهج البعيد عن العنف والتطرف، المؤثر للحوار والتفاهم والحلول التوافقية، دون المواجهة والصدام. فكان الأداء الهادئ الجامع، الذي نجح في تحييد الشعب العراقي وعموم الشيعة في العالم عن الصراع العبثي الذي تخوضه الجمهورية الإسلامية مع أعدائها، وصدِّ الامتداد الإيراني وحصره في دوائر النفوذ المخابراتي، ونطاقات ضيقة من الأحزاب الموالية، دون شعوب البلاد وعموم المؤمنين. وقد ضرب سماحته في هذا السبيل أروع أمثلة النجاح، وأثبت بالوجدان، أنَّ ما يُنتزع بالحكمة والموعظة الحسنة، ويُكتسب بالهوادة والمداراة، هو أضعاف ما يُنال بالعنف والقوة، أو بالعناد والمكابرة، مردوداً، وكذا كُلفة وثمناً. وفي هذا السياق انتهى الاحتلال الأمريكي وأُقر الدستور العراقي وقامت الدولة الجديدة بديمقراطية محسودة، وتعددية لم يطقها الجوار! وما زالت المسيرة تمضي بنجاح، على الرغم من عوائق كبيرة، في رأسها فساد السياسيين من أبناء الحركة الإسلامية التي تقود الدولة (وجلُّهم من أتباع إيران ونهجها!)، بعد إعصار الإرهاب التكفيري، والمجازر والفجائع والدمار الذي أنزله. نجحت المرجعية في احتواء جميع الأزمات والأخطار، وقادت سفينة الطائفة والمذهب نحو برِّ الأمان، ووفِّقت في عرض نموذج عملي للفصل بين الدين والدولة، والنأي التام للحوزة العلمية عن شؤون الحكم والإدارة، وحصر التدخل في موارد إنقاذية تنزل عليها الأطراف المتنازعة، تتسوَّل وتتوسَّل المرجعية أن تفصل في الخصام، أو تُمضي وتبارك الوفاق!

    وهلى هذا النسق والمبنى عالجت المرجعية العليا “الحراك” في العراق!… ولم يعد خافياً أنَّ “الحراك الشعبي”، الثورات البيضاء والخضراء، الانتفاضات السلمية والمخملية، من تونس ومصر إلى لبنان والسودان، فالعراق وإيران، وغيرها من مواقع هبوب نسمات الربيع العربي، كلها مقولة واحدة، تحركها المخابرات وتديرها السفارات، وإذا كانت بعض الدُّمى التي تدِّعي البصيرة، قد استُغفلت واندفعت في بدايات الحراك، أو ارتبكت واضطربت وأسقط في يدها فلم تحر موقفاً وجواباً يفسِّر الظاهرة، فإنَّ الأمر الآن بات واضحاً، ولا ريب في أنه أداة التغيير الأمريكي. ونحن في الساحة الشيعية أمام نماذج أربعة للحراك الشعبي، بحريني ولبناني وعراقي وإيراني، ذهب الأول الذي كان التشيُّع الحركي فيه بموقع الفعل الجماهيري ووقود الحراك، أدراج الرياح، وكذا راح الثاني باصطفاف مفتضح مع النظام الطائفي! وبقي النموذجان العراقي والإيراني، وهما حالتان حريتان بالدراسة والبحث، للنظر في كيفية إدارة الأزمة، وأداء القيادة المتصدية في البلدين، المرجعية في العراق، وولي الفقيه في إيران، وآليات عمل كلٍّ منهما في معالجة القضية، ثم الوقوف على النتائج وانتزاع المعطيات.

    في العراق، ذهلت الجماهير والأحزاب والسلطة والعالم بأسره، من طريقة عمل المرجعية، وكيف امتنعت عن أي فتوى أو بيان يدين الحراك، وهو العلماني الإلحادي العميل! الذي يهتف ضد الدين، ويحرِّض على الأشقاء الشيعة الإيرانيين!.. ولم يقف الأمر عند السكوت وعدم المواجهة، بل بلغ الدعم الصريح، حين أمَّنت العتبات المقدسة للمتظاهرين حافلات تنقلهم، وبعض النقليات كانت لحراك مفتعل يخدم حشد الجماهير ونقلهم من مدينة لتسد النقص والعجز في أُخرى! ولم تكتف بذلك حتى وفَّرت للمعتصمين وجبات الطعام والمياه والمشروبات، ضمن مقولة أن هؤلاء يبقون من أبناء العراق، لهم حق التظاهر والاعتراض، وقد أغرقت السلطة في الفشل والفساد، وأنَّ المطالبة بإسقاطها حق مشروع، فلتذهب الحكومة ويسقط رئيس الجمهورية وليأت آخر غير هذا وذاك، أما شعاراتهم، فهي جهالة وخلط بين المبدأ والتطبيق، ونقمة على الظلم الذي يقاسون، لا الدين الذي يؤمنون… هكذا احتوت المرجعية الحراك، وأطفأته وأنهته، دون خسائر تذكر ولا فتنة تتهدد الدستور والاستقرار وأصل هوية النظام!

    هذا هو أداء تسعيني، مثقل بالأمراض وآلام الشيخوخة، لا يملك من أسباب وعناصر رفد القيادة، وأوليات العمل السياسي، عشر معشار ما لدى قائد الجمهورية.

    أما في إيران، التي تجاوز القوم فيها عن شرط الفقاهة، وقدَّموا المفضول على الفاضل، طلباً للحنكة السياسية والقدرة الإدارية التي يفترض أن يتفوَّق السيد القائد أو يتميَّز بها عن الفقهاء الحقيقيين والمراجع العظام، من الشيوخ المنقطعين في بيوتهم، الشيَبة المنزوين، المفتقدين لأي سابقة، والمفتقرين لأي خبرة، فترى أداءً تدميرياً وكأنه انتحاري!.. بدل أن يصطف مع الشعب، أو يتخذ موقف الحكم بينه وبين الحكومة، فيدينها ويغيِّرها إرضاءً للشعب ونزولاً على إرادته فيحتوي الأزمة، غضب وتعصَّب وجعل المعركة بين الشعب وأصل النظام، بل بينه وبين أصل الدين والإسلام!.. وراح يحدوه الجشع والشره في بسط نفوذه ووضع يده على جميع مواقع السلطة، دفع لإجراء انتخابات نيابية، في ظروف تعطيل عالمي بسبب الكورونا، وحتى يستحوذ أنصاره على السلطة التشريعية، لم يكترث أن يتفشَّى الوباء! ثم عمد لانتخابات رئاسية إقصائية، دفع فيها السيد رئيسي وحمل الأرض والسماء على تنصيبه، ومضى في ضيق أُفق وحسد لنجاحات رجال الدولة من غير تياره، جعله يشنُّ حملة شعواء على دولة روحاني وشخص وزير خارجيته ظريف، حتى علَّق الاتفاق النووي التاريخي الذي حققه وأنجزه، وها هو فريقه المفاوض يتسوَّل نفس الاتفاق، بل يخضع ويقدِّم المزيد من التنازلات، والغربيون يذلُّونه ويأبون التوقيع! هذا إلى جانب أداء اقتصادي أخذ البلاد والعباد إلى حافة الانهيار، فإذا انتفض الشعب وثار، عمد للطرق البوليسية في القمع، والحيل المخابراتية التي ملأت المعتقلات، وما زال في تخبُّط وتعثُّر، لا يدري كيف يصنع ويخرج؟! الرجل مستغرق في دنيا “سلام فرمانده” وما ينسجه الخيال ويسطره من فتوحات في شرق الأرض وغربها، ويحلل ثورة الشعب ويفسرها نقمة على نجاح الأنشودة!

    تُرى من هو السياسي المحنك، والحكيم الخبير، وأين “البصيرة”؟ هل هي في الشيبة المقدسة الذي يدير العالم وهو خال اليد إلا من الفقه وصلاة الليل؟ أم الذي يملك سابع قوة عسكرية في العالم وأقوى مخابرات في المنطقة، ومنظومة خرافية تزوده بالمعلومات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسلاح إعلامي جبار، سيل جارف من القنوات الفضائية والمواقع والجيوش الإلكترونية، ومئات آلاف الموظفين والأعوان؟!.. وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ، إذا احتاج النهارُ إلى دليل.

  • بعد الإرادة والنوازع النفسية، هناك عوامل خارجية، تربوية وبيئية واجتماعية وسياسية، تؤثر في حركة القيَم الدينية والحالة الإيمانية للفرد والمجتمع، والقراءة العميقة لمفهوم التقوى والورع، بمختلف مراتبه ومراحله، تأخذه إلى فضاء ما يحول دون الجنوح إلى الضلال والوقوع في المعصية، مع بذل أسباب الأخذ بالحق، والعمل بما يورث الالتزام السلوكي والارتقاء الروحي. وإذا كان أثر البيئة ومعطياتها في النفس الإنسانية مشهوداً ملموساً، فسكَّان الجبال يتميَّزون عن قاطني السهول، والرحَّل في البوادي يختلفون عن المستقرِّين في المدن، ومن يعيش في القرى والأرياف، مجاوراً الأنهار ومنابع المياه، لن يكون مثل الضاربين في الصحاري القاحلة، وأن هذا التفاوت يورث ـ في النوع ـ صفات ويودع طبائع القسوة والجلافة أو الرقة والشاعرية، البأس والقوة أو الضعف والوداعة، الشجاعة والإقدام أو الضراعة والاستسلام، وغيرها من صفات تسري وتعم لتبلغ الرحمة والعطف، مقابل الغلظة والخشونة، والرغبة في العلم والمعرفة مقابل الخمود والبلادة، والجود والكرم مقابل الحرص والشح… وهكذا فإنَّ دور العامل الاجتماعي والسياسي في الحركة الروحية، وموقع الدين ومكانه في حياة الفرد والمجتمع، من الأوْلى أن لا ينكر. فمن الطبيعي أن يكون للحكومات والأنظمة السياسية وما تخلقه من أجواء وفضاءات، تأثيرها على المجتمعات، وهي تصبغ البلاد بطابعها، فالناس على دين ملوكهم، كما أن الملوك أو الولاة هم من نتاج الناس وعلى شاكلتهم، وقد يبلغ الأمر في بعض الحالات، ضرباً من النفوذ الروحي والهيمنة المعنوية، فتجد بلداً ومجتمعاً بأسره يصبح بعيداً عن الفكاهة والمرح، تبعاً لملِكه أو سلطانه المتجهم العابس، أو امبراطوره الجاد! حتى ترى الدراما في الأعمال الفنية لهذا البلد، تغلب على الكوميديا، فإذا أنتج الفنانون مسرحية فكاهية، رأيتها تُبكي المشاهدين، لا تضحكهم!

    إنَّ إيران تعيش منذ ثلاث عقود ونيف، حقبة في منتهى الخطورة، إذا قدِّر لها الدوام والاستمرار، فهي ذاهبة لتقويض البنية العقائدية وتعطيل الشعائرية وإلغاء الهوية الشيعية (الحقيقية) في هذا البلد، وآخذة في تأسيس بديل مرتكزه “اللامذهبية”. ولو نظر المراقب في تاريخ تشيُّع إيران، وقرأ الحقبة التي انتقلت بالإيرانيين (الفرس منهم والأتراك) من التسنن إلى التشيُّع، لعَلِم أن لا إغراق في هذه الدعوى، ولا تهويل في التوجُّس من هذا الخطر، ولوقف على أن الانتقال إلى مذهب جديد، والانقلاب على القائم، ممكن مُستطاع ومبذول متاح، وأنَّه في المحتمل المرجوِّ لأهله، بل المرجَّح المؤمَّل لأربابه! إننا نعيش في فضاء متلبِّد وأُفق مكفهر، استولت فيه الحركة الإسلامية على الساحة الشيعية، حكمت سياستها، وراجت ثقافتها، حتى طبعت أبناء الطائفة بهويتها المتميعة وصبغتها الباهتة. وذهبت بها في الشأن السياسي، واستغرقت في مقولات “الجهاد” و”المقاومة”، كما أمعنت ـ على نحو موازٍ ـ في التمسك بمبدأ وشعار الوحدة الإسلامية والتزام مقتضياته. إنَّ الأداء السياسي للتشيُّع، وإصرار الأحزاب على خلع هذا الثوب عليه، وإقحامه في تعريفه وقوامه، بما ينفي الشيعة الآخرين، الرافضين لولاية الفقيه وحمل السلاح والانخراط في المشاريع السياسية… سوف يقتل المذهب ويقضي عليه، لا كمدرسة فقهية ومذهب عقائدي فحسب، بل كوجود اجتماعي، وطائفة مستقلَّة وأُمة قائمة!

    في ساحة مكتظَّة مزدحمة، وميدان غاصٍّ بالنشاط والحراك على جميع الأصعدة، يضيع العاملون المستغرقون في مهامهم، ويغفل الناهضون المنشغلون بوظائفهم، عن خطر  داهم يحدق بالمذهب، وتهديد خطير عظيم يتوجه للطائفة، أنَّ جلَّ أبنائها ما عادوا يعيشون هاجس الحفاظ عليها، وما عاد دوام مذهبهم وبقاؤه، بمعالمه العقائدية وخصوصياته الفقهية، يشكِّل قضية مُلحَّة عندهم، بل صاروا يميلون للاندماج في مجتمعهم الكبير “السني” أو”المسيحي الغربي” أو “المدني” في العموم، فيتخلصون من عقدة الأقلية، ويتحرَّرون من ضغوط التمييز الطائفي، وما يستتبعه من اضطهاد وسطوة، وأحياناً بغي وتنكيل.

    إنَّ الرهان على السير التاريخي الذي مضى عليه المذهب حتى الآن، وبدا فيه عصياً على التغيير والتحويل، ناهيك بالزوال والاندثار، وقد قاوم مختلف الظروف، وصمد أمام صنوف العلل والنكبات… والتعويل عليه، يبدو مغامرة خطيرة غير مأمونة الجانب، ولا سليمة العواقب. وإذا كان الشاه إسماعيل الصفوي أعمَل القوة والضغط الأمني، في إحداث التغيير المذهبي، فإنَّ النقلة النوعية في وسائل الاتصال وطرق الإعلام، ماضية في فرض نمط غير معهود من خلق العقل الجمعي، وسبيل غير معروف في بناء التيارات والمدارس الفكرية، فنحن نشهد اليوم، بالحسِّ والوجدان، تغيُّر العادات والتقاليد وأنماط العيش المعهودة والمأثورة لأجيال سابقة وغابرة، كانت في الثوابت الراسخة، والأصول التي لا يمكن تصوُِّر تغيُّرها… لم يسبق للبشرية أن عهدت ظاهرة ـ من قبيل ـ اجتماع حشدٍ في محفل، دون أن يتبادلوا الحديث فيما بينهم، يمضون لساعات في صمت، وكلٌّ مستغرق في هاتفه النقال، يتواصل عبره مع قرين له في أقصى البلاد أو أدناها! إننا أمام مفاهيم جديدة ومحدثة لمعنى الخروج من البيت، والتزام الحجاب، والعفة والشرف، وكذا مظاهر البغض والعداء والحرب، كل هذا قد يجري بين اثنين يمضيان معاً في قاعة واحدة، يشنَّان حرباً شعواء على بعضهما من خلال وسائل التواصل، أو يتبادلان رسائل الغرام! هذه الحالة سوف تستتبع في قادم الأيام ما يهدم أسوار الهوية المذهبية والحمية الدينية، ويجعل كلَّ شيء ممكناً وقابلًا للتنفيذ والسريان، سوف يتغيَّر التحسس من الأُمور، والغضب على الوقائع والحوادث، وبعد أن زال مفهوم الحزن على القطيعة والسفر، فالإْبن منقطع عن أبيه في الحضر، قد يزول الحزن على موت عزيز، ويختفي مفهوم الحداد ويزول معناه!… لن يعود ما يثير الحفيظة مثيراً، ولا شيء في عالم المعاني والقيم يعدُّ خطباً أو طامة أو كارثة.

    إنَّ أبناء البادية اليوم يأكلون السوشي، والباريسيون الأقحاح صار إفطارهم الحمص والفول، والعراقي في الناصرية ما عاد يطيب له الكرواسان إلا بالزبدة الهولندية، وفي الكويت صفوف طويلة لا ينتظر المنتظمون فيها تلقي إعاشة، أو التصويت لانتخابات نيابية، بل مقعداً في ستاربكس، فإن عزَّ فكوباً أو قدحاً من قهوتها! وهذه لبنان تخرج بهدوء من الفرانكوفونية، وهي تتخلى عن الفرنسية، فالعولمة تقتضي الإنجليزية، فلتذهب الأم الحنون حيث تشاء… ما كان منعطفاً تاريخياً عصيباً في التصنيف والتبويب العلمي، صار يُطوى كطيِّ السجل، أو تقليب صفحات جريدة! مَن الذي سيضمن أنَّ الولاء لأهل البيت، هذه العقيدة الموغلة في الاستيحاش، ستمضي على حالها لا ينالها تغيير وتبديل؟ هناك واقع عصري يلتهم أبناء المذهب ويبتلع الشيعة ابتلاعاً… والبلاء الأعظم أنَّ النخبة الواعية والطليعة الرائدة من أبناء المذهب، لا يلمسون هذا الخطر ولا يعيشونه! وهم يمضون في خدرهم (ولك أن تفتح الخاء وبعدها الدال، أو تكسرها ثم تسكن ما بعدها!)، وادعين فاكهين، بين الرهان على التاريخ، دون لحظ لسُننه وفهم لنواميسه، ولا مراقبة لحركته، ولا اعتبار من سوابقه، وبين معزٍّ نفسه ومُسليها بـ “للبيت رب يحميه”! ثم لا يكتفي القاعد المتخاذل، حتى تثور حميته، وتنهض غيرته للوقوف في وجه فتية أقامهم وعيهم، ونهضت بهم بصيرتهم، فيثبِّطون هممهم، ويُعرقلون مسيرتهم…!

    لم ينحسر المشهد بعد عن أجيال ما زالت في الابتدائية والمتوسطة والثانوية، فتحت أعينها على صورة السيد القائد، وخضعت لتلقينٍ نفسي ومنهج تربوي وإعلامي مُحكم، وردَّدت دعاء الفرج كنشيد طابور الصباح، ثم عقدته وربطته بـ “سلام فرمنده”!

    إنَّ تفكيك زيارة الأربعين، وتمييع هذه الشعيرة الحسينية الأعظم في زماننا، بالتوغل الهادئ للنشاط السياسي والجهادي، أو قُل الحركي: مؤتمرات تدسُّ القدس في طريق كربلاء، وتستضيف أيتام صدام، وترفع صوَر الشهداء (الذين لا خلاف عليهم ولا توقُّف في ضرورة تكريمهم)، وأعمال فنية استعراضية (لموكب أولاد عامر) تشكِّل لوحات بين الحرمين، على غرار ما تقوم به الفرق الكشفية أو المدرسية في الملاعب الرياضية والمهرجانات الوطنية، وقد سبق ذلك ضرب المعازف في نفس المكان المقدَّس قبيل محرم، حتى تختم المسيرة على أعتاب الدخول لكربلاء، بالترخيص لمدينة ملاهٍ للأطفال، تتوهج ليلة أربعين الحسين بالأنوار، وقافلة الأسرى تحمل الرؤوس، تتهيأ لموافاة المزار، وإقامة المناحة وتجديد الأحزان على الفاجعة العظمى!

    إنَّ هذا غزو فكري، احتلال وإحلال، لن يعوزهم معه محاربة الشعائر، ولا استفزاز المشاعر، وخلق ردود الأفعال والصراعات، التي رأوا نتائجها وشهدوا خسائرهم فيها! إنهم يسحبون البساط، أو قل يحفرون الأرض تحت أنماط الجزع، ويتركونها لتهوي من تلقائها، أو أنها ستتراجع حكماً وفق قانون الإزاحة!.. ليست القضية أحمد الإشكوري أو عبدالمهدي الكربلائي أو غيرهما من المشاركين في هذه المؤامرة، عن علم وعمد، أم جهل وغفلة… البلاء في مفردات تتسرب، وثقافة تسود، وإعلام يهيمن، يخلق العقل الجمعي الذي يريده الشيطان، تلحق قناة العتبة الحسينية بقنوات العالم والميادين والمنار والصراط والكوثر، وتنساق في منظومة الحداثة والتطوير والحركة الإسلامية، تسبقها أجواء مريضة شاعت، فحكمت، وأتاحت إسقاط الشهادة الثالثة من الأذان في منارة حرم سيد الشهداء… سهواً!

    هذا قرع منبِّه لناقوس الخطر، ونداء في آذان القادة الولائيين، والمسؤولين في الحوزات والحسينيات والمساجد، والطلائع من الناشطين في وسائل التواصل، وكافة العاملين لنصرة الدين… لم يبلغ الصرخة ولا الإزعاج بالنفير، فإن سمعوه ووعوه فبها، وإلا سيظهر الفتية لهؤلاء بين سطور المكاسب والكفاية، وسينتصبون أمام عمائمهم وهم يتوجون بها رؤوسهم قبل الخروج من دورهم، وسيتمثلون أمامهم وهم يعتلون المنابر وينتصبون وراء المنصات، حتى يستفيقوا، ويخرجوا من السبات. “ألم تر أن المرء تدوي يمينه، فيقطعها عمداً ليسلم سائرهْ”..

  • على الرغم من براءته من خلفيات حركية، ونزاهته من سوابق تنظيمية، ومع التسالم على طهارته من لوث حزب الدعوة والإخوان المسلمين، إلا أن انخراط الأمين العام للعتبة الحسينية في النشاط “الحركي”، وتصاعد جهده ومثابرته على هذا الصعيد، بات واضحاً ومشهوداً للقاصي والداني. وبعد تمكين الحزبيين والإفساح للحداثويين، وتحكيمهم في المفاصل الإدارية والمواقع القيادية، وبسط أيديهم في الفعاليات الثقافية، مما طغت مظاهره ولم تعد خافية على المراقبين، البصراء الواعين منهم والغافلين، ابتداء من تعظيم الوائلي وانتهاء بمنح التبليغ الديني للإشكوري، مروراً بتسويق شخصيات حزبية وعمائم حداثوية، لسنا الآن في وارد إحصائها، ولا رصد الخرق الواسع للعتبات المقدَّسة… يستجدُّ اليوم طارئ خطير عرض مؤخراً، وشكَّل رقماً في انتقال إدارة العتبة، من طور الخضوع للنفوذ الحداثوي والتأثُّر بالتوغل الحركي، إلى مرحلة السيطرة والتحكُّم، والمباشرة والمبادرة، حتى بات العامل الفاعل في الأداء والسلطة الحقيقية، ولا سيما في القضايا الخطيرة والمواقف الحاسمة، هي للتيار الحركي الثوري، وما الواجهة العراقية أو عنوان المرجعية، إلا لافتة لا تغيِّر من الواقع الحاكم والمعادلة النافذة شيئاً… إنه إقحام العتبة الحسينية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي! الذي انقلب مؤخراً ليصبح الإيراني ـ الإسرائيلي، بعد موجة التطبيع العربي، وما يُنتظر من موجة أخرى قادمة، بل موجات متلاحقة!

    ماذا يعني إقامة مؤتمر “نداء الأقصى الدولي” في كربلاء على هامش زيارة الأربعين المليونية؟ وماذا وراء الربط الذي أخذ عنوان “مبادئ النهضة الحسينية ودورها في تحرير القدس وثورة الشعب الفلسطيني”؟ ما هي دلالات دعوة جمال الدرة، الذي تدرَّع بطفله محمد، فأرداه الرصاص الإسرائيلي وصرعه، وراح السفهاء يشبهونه ويقرنونه برضيع الحسين! وهذا الاستقبال المميز الذي لاقاه به أمين العتبة شخصياً؟! ومن نافلة القول أن النقد والتحسس هنا، لا يطال أصل الزيارة والوفود على حرم سيد الشهداء، فالزائر مرحَّب به من أي ملَّة وطائفة كان، هو ضيف عزيز نحمله على رؤوسنا ونبسط له أشفار عيوننا. إنما التوقف في احتضان القضية الفلسطينية وتبني مشاريع المقاومة والتحرير (على تعددها، مما ظهر وتمثل في الشخصيات المدعوَّة وتنوع انتمائهم) من موقع العتبة الحسينية. وقبل ذلك، النظر في أصل الأمر، بعد الفراغ من الحق والظلامة، هل هو من تكاليفنا وواجباتنا، أم هو من القضايا العظمى المنوطة بالإمام المنتظر أرواحنا فداه؟

    تُرى، هل من نية لتحويل الحرم الحسيني المقدَّس إلى ثكنة عسكرية (ولو تعبويَّة)؟ هل من عزم على جعل كربلاء منطلقاً للمقاومة الفلسطينية بعد احتراق أوراق طهران، وتعثُّر مشروعها المصنَّف عالمياً في الإرهاب، والمدرج على لوائحه؟.. قد يرى كثيرون للأمر وجهاً وجيهاً، ويذهب الحركيون إلى ضرورته وحتميته، ويباركون دوره في سوْق الصراع وأخذه نحو محورية منشودة، ما برحت حلماً يراودهم منذ أمد بعيد… لهم ذلك، ولكن عليهم أن يحملوه إلى أي مكان وموقع غير العتبة الحسينية. لينهض به مَن شاء بعيداً عن مقدساتنا، ويمارسه بمنأى عن شعائرنا، فلا يقدَّم للعدو الذرائع المجانية لجعلها جبهة مستهدفة، بعد أن تحوَّلت إيران بأسرها إلى جبهة (بما فيها العتبة الرضوية التي طالتها العقوبات الأمريكية)، ولحقتها لبنان وسوريا واليمن، وكلها تئن وتقاسي، وتكاد تختنق وتموت!

    هل من المصلحة زجُّ العتبة الحسينية ودخولها في هذا الصراع؟ هل من الحكمة أن تنجرَّ مقدساتنا إلى الساحة السياسية، وتدخل في هذه اللعبة المعقَّدة والقذرة؟ بعد تاريخ ثابت راسخ وأداء وقور متوازن من الحياد والوسطية، والنأي بالنفس عن هذا الخوض واللوث؟! هل يخفى على أحد قوة اللوبي الصهيوني في العالم وخطر مواجهته وسلبيات استعدائه؟ وأنه المتحكِّم ـ كما يقال ـ بالقرار الأمريكي والغربي؟! هل من منفعة وخير في تحدِّي المسيطر الفعلي على الاقتصاد العالمي، ومجابهة المالك الحقيقي للمصارف والنقد وحركة العملات؟ هل نريد استنساخ وتكرار التجربة المريرة للجمهورية الإسلامية التي دفعت، وما زالت تدفع منذ أربعة عقود ونيف، ثمن هذا الاستعداء: حروباً وحصاراً وتجويعاً وبطالة، وتعطيلاً للتجارة والصناعة والاقتصاد، وانهياراً للعملة، وما أشرف بها على النزع والاحتضار؟! ثم ما هي الثمرة والنتيجة؟ هل سيُسقط هذا المؤتمر إسرائيل الغاصبة، يقتلعها من جذورها ويمحوها من الخارطة ويلقيها في البحر؟ وإذا قيل أنها مجرد حركة إعلامية، فهل تستحق هذه الفرقعة الثمن الباهظ الذي سوف ندفعه ونتكلَّفه؟!

    إنَّ العتبات المقدسة، والحرم الحسيني على الخصوص، لم يتعرَّض في تاريخه الممتد للهجوم والتخريب، وتعطيل المزار، إلا على أيدٍ عربية وإسلامية، من خلفاء الدولة العباسية ولا سيما المتوكل، إلى غارات الوهابية، وحملات العثمانية، ثم ما عاصرناه من الهجمة الصدامية… لا يخفى على أحد الدور الاستعماري أو اليد الماسونية في تحريك هؤلاء، ولكن الرصد الظاهري والتسجيل والمراقبة المشهودة والمحسوسة، تقرِّر أنَّ الغربيين، أمريكان ومن قبل إنكليز، لا يتعرَّضون للمقدسات الدينية بشكل مباشر، ولا يستهدفونها، ولا تعنيهم ما دامت لا تتدخل في شؤونهم، وما ينال من مشاريعهم.. فهل من الحكمة والصواب، أخذها إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً، وإقحامها في معضلة مستحكمة أعجزت العرب جميعاً، وأعيت المسلمين قاطبة، وأزرت بالأمم المتحدة وجعلت قراراتها طعاماً لسلال المهملات والنفايات؟!

    لا يطعن المراقب المؤمن بالشعب الفلسطيني ولا يسمح لنفسه بتغليب أوصاف سلبية عليه، ولكنه يفعل ذلك مع الحركات السياسية الفلسطينية، العلمانية منها والإسلامية، هؤلاء لا يؤتمنون، والأصل فيهم الخيانة، إن لم نقل النصب والعداوة، وقد شهدنا نموذجاً لها في الزرقاوي، وفيهم عملاء يتعاونون مع الموساد ويخدمون الدولة الصهيونية، وتطويق الأعناق بالكوفية المرقطة، لا يكلِّف شيئاً ولا يعني بالضرورة اصطفافاً وتخندقاً حقيقياً. علينا أن لا نغفل ولا نسمح بتكرار التجارب الخاطئة بل القاتلة، ومنها ما جرى إبان ثورة العشرين، بينما كان الشيعة يواجهون الاستعمار الإنجليزي، يقاتلون المدفع (الطوب) بالمقوار (الهراوة)، راح إخوانهم في الدين والوطن في مفاوضة العدو، والدخول معه في صفقة، ارتسم على إثرها شكل الدولة العراقية الحديثة، ومُنح فيها الحكم للأقلية السنية!

    دعك عن القائلين بنظرية المؤامرة، الذين يرون أن الأيدي والنفوذ الإيراني في النجف والعراق، لن يسمح ببقاء موقع المرجعية وما صارت فيه من زعامة الشيعة في العالم، ومما يفعلونه لتقويض هذا الموقع، هو استدراج المؤسسات التابعة للمرجعية لمصادمات ومواجهة مع الغرب، والدخول أو السقوط في نشاط سياسي يدرجها في لائحة المغضوب عليهم، فلا يعود للمرجع القادم هذا الدور ولا المكانة… هناك رؤية أخرى ترى أن أمين العتبة يحسب لمستقبله، ويعيش واقعية نفوذ الجمهورية وسطوتها العسكرية والأمنية عبر فصائل وميليشيات خارج الدولة وقواتها المسلحة؟ فيعمد لما يرضي القوم ويتزلف إليهم، بإجراءات تتناغم مع سياساتهم وطموحهم وآمالهم؟

    إن أي واع بصير يسمع ناقوس الخطر يقرع، وجرس الإنذار يدق، وصوت الحكمة يهمس اليوم، ولربما صرخ غداً في كل أُذن واعية، وهتف بالقادة والمسؤولين والطلائع وكافة العاملين، أن يتيقظوا، ويقرأوا الاستراتيجيات لا الحوادث المقطعية، وأن ينهضوا ليقطعوا الطريق على هذا التسيب والانحراف.