• هناك كتاب سيلقاه الإنسان يوم القيامة، يؤتاه بيمينه، أو يتناوله بشماله ومن وراء ظهره، أو منشوراً أمامه، يوافي الأبرار في عليين، ويلحق الفجَّار في سجين، مرقوم يلزم عنقه، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، سُجِّلت فيه النوايا وسُطرت الأفعال، الحسنات منها والسيئات، لتظهر النتائج، ولو لمثقال ذرة من خير أو شر، حتى العود أو العصا عبث بها، ستسأل: لم نكتَّ بي الأرض؟ والحصاة: لم طرحتني في النهر؟!.. وهنا، في الحياة الدنيا، كُتبٌ على هذا الغرار، تسجِّل الحوادث وتضبط الوقائع وتدوِّن التاريخ، تخبر الغائب وتعلم الجاهل، توقظ المهمِل وتنبِّه الغافل، تقدِّم العبرة وتبني النموذج القدوة. كُتب تذكر أخبار البلاد وأحوال العباد، وسير الملوك والرؤساء، عدلاً أفشوا في مجتمعاتهم ورخاء، أم ظلماً عاثوا وجوراً أسسوا وأشاعوا الفساد، تنقل إنجازات الأعلام والعظماء، إعماراً وإصلاحاً كانت، أو هدماً وخراباً خلَّفت، تجازي كلّاً بما حقَّق وقدَّم أو فرَّط وأهدر، مدحاً وتبجيلاً أو قدحاً وإدانة. هذا في المأمول المفترض، لكن الواقع من سير البشر وأداء الإنسان، وما كان حتى الآن وبان، يظهر أن “التاريخ” لم يكتب بأمانة، وكثيراً ما سجَّلته أقلام أجيرة، داهنت السلطة، وجبنت عن الحق، فجانبت الإنصاف والعدالة، وأخلَّت بالموضوعية وخانت الأمانة، وأزرت بالحقيقة وجانبت الصواب. والأكثر خفاء هنا وظلامة، هو ما وراء الظاهر، العلل غير المرئية للحوادث، والأسباب غير المعلَنة للوقائع، المعضلة المتكرِّرة في مواقع ضياع الحق، من خلال العوامل والعناصر التي تدبِّر الأمر من وراء الستار، وتحكم دون أن تظهر في المشهد، فلا تلتقطها مدوَّنات المراقبين وتسجيلات المؤرخين ومؤلفات الكتَّاب، اللهم إلا الأكياس الفطنين، وقلَّة هم.

    وحتى لا ينزل بالحاضر ويناله ما حلَّ بالغابر وأصابه، ويطال واقعنا ما أزرى بماضينا، يسعى العلماء، والباحثون الأمناء، لتدوين وقائع الأيام وتحليلها بما يزيح الستار ويكشف الخفايا ويوضح خلفيات كل مشهد، وتبعات كل موقف، هكذا يلحق بحكمة التدوين أمر آخر، هو الإسهام في إتمام الحجة بعد جلاء الحقيقة، ووضع النقاط على الحروف، وقطع الطريق على “المعذِّرين من الأعراب” وتبكيت المرتزقة الوصوليين!

    في مدرسة “الحركة الإسلامية الشيعية”، منبع الانحراف وجذر الضلال المعاصر، ومن بين “العلماء” في هذا التيار (وهم قلة نادرة، فالعمائم هنا ملاءة مطوية ونسيج ملفوف!)… تتميز شخصية السيد محمود الهاشمي بسجايا وخصال قلَّ أن تجدها في غيره، يشقُّ معها ويعزُّ على أي باحث يتحرَّى الموضوعية ويلتزم الإنصاف أن ينال منه! فإذا اضطرَّ لسبب وآخر، كان الأمر مرهقاً مزعجاً. فمن مجموع قرائن مشهودة، يظهر أنَّ الرجل كان يتمتع بصفات لا تتوفر في أقرانه وأصحابه، استتبعتها مواقف لم نرَ شيئاً منها في غيره، منها موقفه من كمال الحبتري، والبيان القاطع الذي أصدره في تفنيد نهجه وأفكاره، وتعاطيه في الشعائر الحسينية، فقد كان ينتصب واقفاً لأكثر من ساعة في العزاء، يواكب هيئة اللطم! وعلاقته بالفقيد العزيز السيد علي أكبر الحائري، الرجل العقائدي الصلب، الذي أبى مصافحة البطريق الغريفي، وغادر مجلساً دخله وكيل فضلة الشيطان الأكبر! وقد أسرَّ لي شخصياً، لما عاتبته على توليه رئاسة مكتب السيد محمود الهاشمي، بأن الرجل سليم العقيدة، وبعد جدال، تنزَّل إلى أنه ليس أكثر سوءاً من المتصدِّين!

    إلا أننا من جهة أُخرى نقف على مآسٍ وويلات، ورزايا ونكبات، تبدأ في شهادات الزور التي لفَّقها لفقاهة السيد الخامنئي، والفذلكة التي أخرج بها مهزلة أعلميته، ولا تنتهي بمساعيه لتعويم فضلة الشيطان وتخليصه من المأزق الذي وقع فيه بعد أن حكمت الحوزة والمراجع العظام بضلاله، حتى إذا هلك كان ممن نعاه ورثاه، وتجاهل إطباق الشيعة، وأبَّنه تبعاً للحركة الإسلامية التي إليها ينتميان!.. لكن هذه وتلك ليست جريمة السيد محمود الهاشمي الكبرى! فهناك الأنكى والأشنع، والأخطر الأفظع، إنه الغرس الآثم الذي زرع حيدر حب الله في جسم الحوزة العلمية، والمناصب التي عهد بها إليه في المؤسسات العريضة تحت ظل الدولة وسلطة الحكومة، والإمكانيات الهائلة والميزانيات الخيالية التي توفرت له جراء ذلك، ما أتاح له جمع لفيف من أرباع الفضلاء وأنصاف المحققين، وأطلق يده لتأليف عصابة انصرف للبحث فيما وجهها إليه، وإعداد “دراسات” كانت في رسالتها، وتفاصيل مادتها، معاول هدم في العقيدة والتراث! السيد محمود الهاشمي هو الذي زرع حيدر حب الله في الحديقة الخلفية لبيته، ليترعرع هناك آمناً محمياً مكفيّاً، ثم أتاح له أن ينطلق ليصول ويجول، يعيث فساداً في الحوزة، وينشر أخطر الأفكار التي تقوِّض المذهب وتهدم الدين! بدأ من “مرفأ الكلمة”، وانتهى بالإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه في الحوزة وجامعة المصطفى، وجامعة الأديان، وكلية أُصول الدين! في فضاء استعرت فيه حمَّى الرتب والدرجات الجامعية، وسياق من تدجين الحوزة وإقامتها على نسق أكاديمي أزرى بعمقها العلمي، وذهب باستقلالها فباتت تابعة للدولة، مرتهنة للسلطة، وراح طلابها يلاحقون الشهادات ويجاهدون لنيلها، فينتهي بهم المطاف عند حيدر حب الله، يتزلفون ويتملقون عسى أن يمنَّ بها عليهم، فيأبى حتى يقف على بصيص ضلال في الرسالة، أو يعمد لتوجيهات تُلحِق ذلك بها وتدسُّه فيها، هذا لمن لم يحظ بتوصيات مخابراتية ملزمة لحب الله وكره الله على السواء! الهاشمي الشاهرودي هو الذي أوكل لحب الله رئاسة القسم الشيعي الإمامي في مؤسسة خدمة علوم القرآن والسنة الشريفة في القاهرة، المكلَّفة كتابة موسوعة الحديث النبوي الصحيح عند المسلمين (الفريقين)، فكان أبوموسى الأشعري لزماننا، خلع خاتمه وأسقط أحاديث الشيعة، وفي المقابل ثبَّت عمرو بن عاصهم أحاديث القوم وأحكم ترسيخها! فكانت مكافأته على هذه الطامة أن ألحقه السيد محمود بالمجموعة البحثية لدائرة معارف الفقه الإسلامي، المكلَّفة تدوين أكبر دائرة معارف للفقه الشيعي الإمامي، والتي يشرف هو عليها بتكليف من الخامنئي، حتى تولَّى في عام 2009م مسؤولية المعاون العلمي له في الإشراف على الدائرة، ورئاسة الهيئة العلمية في المؤسسة! إن النوائب والفجائع التي ارتكبها ويرتكبها هذا الحمار بما يحمل من أسفار، تعد سوابق لم يقع فيها ضال، ولا تقدَّم عليه منحرف بطَّال! إنه يرمح فيسقط برفسة واحدة ما تبقى من “البحار”، بعد أن انحسرت “مشرعة آصف محسني” عن أقل من ثلث، ليغرق ثلثاه ويعود إلى الأعماق، ويسكن من جديد الأصداف، فتطيب النواصب نفساً، وتلقي الحداثوية عصاها ويستقر بها النوى، فقد طمرت اللآلئ والدرر، وما عادت في التداول ولا التناول، ناهيك بأن تزيَّن عقود المعارف الدينية وقلائد الولاء لآل محمد! إن الفظائع التي يرتكبها هذا الزنديق، ويبثها لتسمم أفكار شبابنا وتلوث الفضاء الإيماني للمثقف الشيعي، هو حصاد آثم لما بذره سيد محمود الهاشمي، وثمر فاسد من جني ما زرع وغرس، وطعام زنخ عفن من الذي قدَّمه للمجتمع والأُمة!

    وهذه حالة متكررة، تكاد تكون ظاهرة، فقد سبق أن زُرع الأشكوري في بطانة الشيخ الإيرواني، حين شرعوا في مؤامرة تغيير مناهج الحوزة، فوقف لهم المرحوم السيد الگلبيگاني قدس سره، قارئاً حصيفاً للمستقبل، ومستطلعاً متنبئاً لأهداف القوم، ورائداً بصيراً للحوزة، وراعياً أميناً للمذهب، فكأنه استشرف أقاصي غاياتهم ونهايات أهدافهم، فوقف بحزم وأبى أن يسمح بالخطوة الأُولى، حتى إذا رحل إلى ربه ولحقه أقرانه من الشيبات المقدسة التي كان النظام يخشاهم، عرضوا تغيير المناهج على أساتذة الحوزة العربية، فهم الحلقة الأضعف في قم، فأبى آل راضي والجواهري وغيرهم، عندها بدأ أو ظهر دور الأشكوري، الذي استطاع إقناع الشيخ باقر الإيرواني، فكُسرت القارورة الأولى بضربة فنية سحبت البساط من تحت أقدام المعارضين، فلا سبيل للنيل من فضل الإيرواني وأصالته وبعض استقلاله، وكانت مؤونة كشف بساطته وسذاجته كبيرة باهظة، خاف معها المعارضون أن تكون المفسدة أعظم من المنفعة، فآثروا السكوت! ثم أُعطيت الهراوة من بعدُ للحبتري وحيدر حب الله وأضرابهما، يخبطون ويخضمون، ومضت المسيرة لتصل إلى الشقاء والجدب الذي أضحت فيه اليوم.

    هناك مآثر وإنجازات مشهودة لبعض أعلام عصرنا، فضائل وبطولات، تجعل الجرائم المعاصرة التي تنال من ديننا ومقدساتنا وشعائرنا، تمرُّ على عامة الناس، وحتى على النخب والخاصة، مرور الكرام… ولكن التاريخ سيدوِّن بأقلام تخط مداداً داكناً لا يمحى وكلمات قاسية لا تزول، ويسجِّل مَن يقف وراء التلوث العمراني لأقدس مدن الشيعة، ما حجب القبة الشريفة لحرم أميرالمؤمنين ومنع أن تلوح للمقبلين، فتتلقاهم البنايات الشاهقة المحيطة، وصفائح “الچينكو” تغطي المخالفات وتداري المخلَّفات على الأسطح، فتزيد المنظر تشويهاً وبشاعة! وكذا مَن سمح بالغناء والعزف بآلات اللهو والطرب بين الحرمين الشريفين في كربلاء، ومَن سوَّق لنرجسيين قدَّمهم لإمامة حشود الزوَّار يوم العيد وأعان على التلبيس والإغواء، ويسجِّل أيضاً، على رأس الصفحة وبعنوان عريض، مَن مكَّن النظام الإيراني من اختراق الحوزة في النجف الأشرف، ولم يتعظ بالسابقة التي وقعت في قم المقدَّسة، فأفسح للسوسة أحمد الأشكوري، بالتوغل في أروقة الصرح والتسلل إلى دهاليز البيت، وسكنى الأعمدة التي ترفع البناء، كما أتاح سيد محمود الهاشمي للأرَضة حيدر حب الله النفوذ والنخر ما يشاء!

    لم يبقَ في الناس إلا المكرُ والمَلَقُ، شوكٌ إِذا لَمَسوا زهرٌ إِذا رمقوا. فإِن دعتكَ ضروراتٌ لِعِشرتهم، فكُن جحيماً لعلَّ الشوك يحترق.

  • كانوا يقولون إنه الخراساني، جاء ذكره في خبر “يخرج شاب من بني هاشم، بكفِّه اليمنى خال، يأتي من خراسان برايات سود. بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم”… تداعت المقولة سريعاً وسقطت، فالثابت من تطبيقات الحديث لم يتعدَّ مفردة واحدة تنطبق على ملايين، هي أنه من بني هاشم، أما الخال بكفِّه، الذي أوَّلوه بعلامة هي الخلل، العطب أو الإعاقة، فتعسُّفٌ جلي وتكلُّف مرهق، وأما شعيب بن صالح الذي طُبِّق على أحمدي نجاد يتقدَّم بين يديه، فقد بات يتقدم عليه، فانقلبوا ضده وأخذوا يلعنونه! كما أن كون “السيد” من خراسان أو مشهد، مردود مدفوع، فهو آذري من خامنه، في محافظة تبريز، أي الطرف المقابل في الغرب، والحد المعاكس لخراسان في الشرق!..

    إنَّ قيادة الثورة و”الولاية” في نظام الجمهورية الإسلامية، أمر وجودي مصيري، لا يحتمل الفشل ولا يطيق الإخفاق، لا بدَّ من غطاء ديني يحقِّقه وبساط شرعي يؤمِّنه، والسيد الخامنئي الذي يفتقد إجازة فقاهة حقيقية تؤهله للقيادة والمرجعية، ولا يحظى باعتراف الحوزة العلمية ولا يتمتع بتزكيتها، لن يتمكن من منحها وخلعها على غيره، ليضمن استمرار ودوام مشروعيتها، ففاقد الشيء لا يعطيه… من هنا كان التوجُّه نحو صيغة جديدة تعالج القضية، ولا سيما أنها تعقَّدت، وبات مستقبل القيادة بعد الخامنئي، واحدة من المعضلات التي تواجه النظام، فالسيد الذي بلغ الثالثة والثمانين، ميت لا محالة، المسألة لن تطول لأشهر أو سنين، هي دون العقد، فإذا بلغته أو تجاوزته، لن يكون الرجل بكامل قواه، الجسمية أو العقلية… ومنشأ المعضلة أنَّ الخامنئي بنى النظام في سِنِي حكمه الثلاثين، على قياسه، ورسمه على شاكلته، ما زال يضيِّق الخناق ويحصر الدائرة والنطاق، حتى بات قالباً لا يحتمل غيره، وإطاراً لا يحيط إلا بصورته، أو مستنسَخ عنه، قد يكون ابنه السيد مجتبى. كان يعدُّ للسيد محمود الهاشمي، لكن الموت عاجله، ثم لم يلبث الخيار التالي، الشيخ مصباح يزدي، أن لحقه، وها قد ارتكس السيد رئيسي في وحول وعوده الجوفاء، وسقط في أدائه المزري كرئيس، فكيف بولي فقيه!

    هكذا حكمت الضرورة لفذلكة مُحكمة ـ هذه المرة ـ تخرج النظام من عنق الزجاجة، أو تجتاز به هذه العقبة الكؤود… تتوكأ هي الأُخرى، كما سابقتها التي سقطت (مقولة الخراساني)، على إقحام السيد الخامنئي ودسِّه في نطاق الدائرة المهدوية الأُولى، وأنه أحد أفراد الحلقة اللصيقة بالإمام عليه السلام، يتلقَّى منه التكاليف، سواء مباشرة ومشافهة، أو غير ذلك، فالمقولة هنا تحوم في أُفق يتخطَّى حساسيات أو جدليات النيابة العامة والخاصة! ترتكز على معطيات عقائدية مُحدثة، عمل عليها الإعلام باحتراف، وتقوم على ثقافة رسخها الخطاب الإسلامي الحداثوي بدهاء، عبثت بمفهوم “المقدَّس”، كونه مجرد فكرة ومحض صورة ذهنية مغرقة في الغيب والخيال، لصالح الحركي الثائر، الحاضر الفاعل، أو “العقلي” المنطقي، على حساب الموروث “الجامد”، و”الأصيل” الساكن الخامد، وأبطلت العقائد الإمامية وأخذتها تارة إلى الزيدية، وأُخرى نحو الوهابية المبطَّنة، وثالثة تجاه المادية الحسية! ثقافة ما زالت تغرس في الأجيال الناشئة، وتكرِّس الرمز السياسي “علياً” للعصر، والقائد الحزبي “حُسيناً” للزمان. وقد بلغ توغل الحداثوية في الجسم الإيماني، وشيوع هذه الفاحشة في الذين آمنوا، أن تنظِّم العتبة المقدسة للعسكريين عليهما السلام، التي ترعى دار الحجة ومنزل أبيه وجدِّه، حفلاً لإنشاد “سلام فرمنده”! ويقيم الشيخ حبيب الكاظمي صلاة العيد بين حرمي العباس والحسين!

    ومن الغريب الملفت، بل المؤلم، أنَّ هذا المخطط الشيطاني المدروس أخذ الساحة أو الشريحة المتمسكة بالغيب، المتفانية في التزام الموروث العقائدي، نحو “بديل” في المصداق، ينتهي إليه النهج وتفضي إليه الطريق! وراحت تضخ زخماً غيبوياً قلب الأُصول والبديهيات والمسلَّمات في القضية المهدوية، لصالح جديد مُحدث، ومُبتدع ملفَّق! وقد جاءت الخطوة وكأنها توطئة لقفزة ـ في الهروب إلى الأمام ـ ستتقدَّم بالسيد الخامنئي ليكون في المستقبل القريب، هو المهدي المنتظر، لا نائبه ولا ممثله!؟ هكذا تمضي المسيرة على خطىً نظيرةٍ لها من القرن الثاني عشر، في أداء يشبه، إلى حدٍّ كبير، النقلة التي أخذت البابية بعد انشقاقها عن الشيخية، إلى البهائية، وساقت البهائية من دعوى نيابة البهاء عن الإمام، إلى حلول الإمام في شخص البهاء، وتحوله نبياً برسالة جديدة، ثم الكفر البواح بدعوى حلول الله جل وعلا فيه!

    إنَّ الكيد الشيطاني الأخبث، والدغل الإبليسي الأخطر، الذي غلب أداء الفئة “الحداثوية” المتسلِّطة في إيران، وعموم الساحات الإيمانية الممتدة في المنطقة، هو النيل من العقيدة المهدوية بعد المرجعية الدينية والشعائر الحسينية، والسعي في مسخها إلى صورة شوهاء بكماء عمياء، باطلة عاطلة، تتغنى بالاسم وتلوِّح بالرسم، لتصرف الأنظار وتأخذ العقول وتذهب بالقلوب بعيداً عن الحقيقة، تُغيِّب “الإمام” وتمعن في إقصائه، وتقطع سبل الارتباط به عبر الدعاء والمزار، ما ينتهي ـ بعد حين ـ إلى جحده وإنكاره. هذه هي المعركة الأصلية ومرتكز الحرب الخفية، وما السلطة والحكم والنفوذ السياسي، والمال والاقتصاد، والنفط والطاقة، والغذاء والصحة، والأسلحة والأوبئة، والتسيُّب والإباحية، إلا معارك هامشية تشغل الساحة، وحروب جانبية تصرف الأنظار عن الجبهة الحقيقية.

    في هذا السياق أطلقت القوى الظلامية المهيمنة على العالم والمدبِّرة لهذه المؤامرة الأخطر، بالونات الاختبار الأولى، ورمت الساحة الشيعية بحجارة الصرخية الوهابية، وحركة “جند السماء”، جماعة الساحر المشعوذ ضياء الگرعاوي، وأحمد گاطع، الذي زعم أنه ابن الحسن اليماني… تزامناً معها، أُطلقت المرجعيات المزيفة ومواقع الإعلام اللندني الفضائي والافتراضي، اليعقوبي والمالكي والحيدري وحب الله والبديري والبغدادي والطائي والغزي والحبيب واللهياري والعسر، وخذ ما شئت من الهراء والفوضى والعبث الذي يكدِّر صفو المشرب ويشوِّه نقاء الصورة، هذا يجتذب الباعة بالمجاهرة في المطاعن، وذاك يسوِّق بضاعته بالمزايدة على الولائيات، وثالث يتَّجر بالتسيُّب والإباحيات، ورابع وخامس… مجتمعين ـ مع اختلافهم ـ على محور واحد هو إسقاط الحوزة والمرجعية!

    وما زالت العربة تدرج، والصخور تتدحرج، حتى وصل الأمر ودخل في نقلة نوعية ومنعطف يبدو تاريخياً من خلال التغني بأُنشودة “سلام فرمنده”، بالزخم النوعي والكمي الذي ترى، من صوَر الانفعال والإجهاش في البكاء، والإخراج الفني لبعض المشاهد، الذي يعكس الصدق ويصبُّ في العفوية ويغلق أبواب الشك والتمثيلية، إلى الحشد الكمي الذي لم يوفر مدرسة في إيران، ولا حزباً وهيئة كشفية وشبيبة ناشطة خارجها… ويبقى السؤال المدوِّي بصمت!: من هو “الفرمنده” الذي تؤدى له التحية؟ من هو القائد الآمر الذي يمتثل أمامه الجند ويعلنون استعدادهم لتلقي تعاليمه؟ جنود مَن هؤلاء الذين يردِّدون النشيد، كلٌّ بلغته وعلى طريقته، ولكن بلحن واحد جامع؟! تُرى، هل وقع الخلط عفواً في تحديد المراد المقصود بين الخامنئي والمهدي؟ أم قُصد الإبهام كصيغة بديعية في التمويه؟ أم هو إجراء أمني وسياسي يحمي الأتباع ويدفع عن الأنصار؟ لا شك أنَّ الأمر يتبع خطة حزبية غاية في التنظيم والدقة، والضبط والربط، وقد بلغ من ذلك أنَّ “النُسَخ” كانت تراعي ظروف وخصوصيات كل بلد وإقليم، ففي البحرين والخليج، حيث الدول قوية وخطر الملاحقة الأمنية، أغرق النشيد في ذكر وتعظيم “المهدي”، ولم يقرب من الخامنئي وسليماني وأي رمز سياسي، بينما في لبنان أخذ الشوط انبساطه، فتغنى بالإضافة لأولئك، بروح الله وعباس وراغب وعماد (لا ذو الفقار!)، ومزج الأصل الفارسي بالعربي، وخرج بملمَّع قهر أزمة الوقود, وراح ينقل الأفواج ويحمل الوفود، من هذه المدينة إلى ذاك الملعب والساحة، والزهرات يلبسن أثوابهن البيضاء، ويؤدين التحية العسكرية بأيديهن الصغيرة، أمام صور آلهة باتوا عليها عاكفين!

    ترى من هو صادق الوعد؟ هل هو الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، أم السيد حسن نصرالله؟ أم هما واحد في المفهوم، فلا يضر المصداق وانطباقه، ولا تشاح في المسميات ما دام المعنى منطبقاً!؟ إنَّ الجواب مبذول في الفكر الحقيقي لهذا التيار، والرسالة الخفية لهذه المدرسة، وخير من يحملها شيخ حقَّ أن يُدعى “يزيد شين الدين”، منطاد نُفخ بغازاتهم السامة، تخرج منه فرقعات إعلامية بنتن الكبريت وعفن الكعكة الصفراء، يعلن الزنديق وينادي جهاراً أنَّ المهدي الغائب ليس إمام زمانه، وأنَّ: “الإمام هو مَن تقتدي به لا مَن تعتقد به”! السيناريو، أو التراتبية المنظورة، أنَّ موت الخامنئي ستعقبه “فترة”، يزعم فيها “اتصال” ما بالمهدي، ثم يُلقَّن القطيع أنَّ الأمر قد فوِّض إلى مجتبى، أو لجنة صورية يقودها… إنهم بصدد فذلكة، تجمع العقيدة الإثني عشرية بالمهدي المنتظر، مع الفكرة الخامنئية أو الحركية بقائد حاضر فاعل، يستمد مشروعيته من السماء، لا من أزقة النجف، والأتربة المتصاعدة من أكبر مقبرة في العالم!

    إن الزخم العاطفي، وشواهد الصدق، والمظاهر الملتبسة بين الحق والباطل، المرتسمة في مشهد الأطفال الباكين، المنفعلين بفطرتهم شوقاً لإمامهم، والتوظيف البارع لاسم وعنوان المهدي، وكيف باتوا يحملونه بعد عهود متمادية من الهجر والجفاء، والتجاهل والإقصاء… هو الأزمة الجديدة التي ستعاني منها الطلائع الواعية، والمعضلة القادمة التي على البصراء تفكيك تركيبها المعقَّد، وإرجاع كل رقم إلى جذره، وإعادة كل عدد إلى أصله ومحله. وهنا معركة محتدمة مع السذاجة، وجولة ستطول مع سحر الأجواء والانبهار، وعناء شديد في تبديد البريق المتلألئ من بعيد، وكيف لهم أن يثبتوا للظماء الراحلين صوبه، والقاصدين بل اللاهثين المندفعين نحوه… أنه سراب، بل حميم وغساق، ومهل، من الرصاص المذاب! قد يرى بعض السذج أنَّ المقالة ذهبت بعيداً، وبالغت في سوء مقاصد القوم وخبث غاياتهم، ولكن هؤلاء هم أنفسهم الذين أنكروا وجود الحرب في جبهات الشعائر والحوزة والمرجعية، ثم عادوا معترفين، بعد أن خدموا ترسيخ المؤامرة والمنظومة المباشرة لها بسكوتهم، وأعانوا على الظلم والعدوان بالتشكيك الذي أفسح للقوم ومنع مواجهتهم!

    كما أرى “البهرة” في حرم سيد الشهداء وأميرالمؤمنين، رأيت “أبوذر روحي”، المداح الإيراني صاحب “سلام فرمنده”، في حرم العسكريين، قابضاً على شباك الضريح الشريف، ولكنه لم يكن يتلو نصوص الناحية المقدسة ودعاء الندبة، ولا مرويات الأئمة الأطهار في المزار، ولا يلتزم آدابهم في خطاب أجدادهم عند المثول في حضرتهم… كان يردد كلمات “مهدي لنگرودي” ويترنم بألحان “مهيار طالبي”، ويغني “سلام فرمانده”! ومعه جمع يتمايل طرباً. والحق أنني لم أرَ أحداً يفرد ذراعيه ويدور حول نفسه، ويرقص من الوجد… حتى الآن! إن الذين كانوا يقبِّحون البكاء ويستخفُّون بالتضرع والدعاء، يرون ذلك حيلة العاجز، و”أفيوناً يخدِّر الشعوب”، باتوا يحسبون الفرج والظهور ويرجون إقامة دولة العدل الإلهي المنتظر، عبر الغناء والمعازف، وأوتار العود والطنبور!

    وصدق مصطفى صادق الرافعي إذ قال: إذا انحرفَ القطارُ براكبيهِ، فقد وجدوا المحطةَ في اللحودِ. وسيَّانَ البصيرُ وكلُّ أعمى، إذا نظرَا إلى شيءٍ بعيدِ.

  • على فراش المرض الذي مات فيه، دنا منه أحد المقربين وحدَّثه في شبه همس: تعال لنقطع الطريق على القيل والقال، نسقط في أيدي أعدائك، بكتابة متن صريح واضح، لا لبس فيه ولا ريب، لا يحتمل وجهاً للتهرُّب ولا ذريعة للتملُّص، ينفي كل ما نسب إليك في قضية الزهراء عليها السلام، مما يبرِّئ أعداءها ويخدم خصماء آل محمد، يكون خاتمة خير وحسن عاقبة! ضحك بمجون، وراح يغالب صعوبة تردُّد أنفاسه، وخوف احتباسها، من قهقهة عرضت، استحالت سعالاً زاد في سرعة نبضه، تدخَّل على إثره الفريق الطبي الحاضر على مدار الساعة، فالرجل يرقد في مشفى يملكه، هو الأغلى كُلفة في الضاحية الجنوبية، على الرغم من أنه رُخِّص كمشروع خيري لعلاج الفقراء، وصُرف على بنائه من الحقوق الشرعية وأموال الصدقات! لما استقر وضعه وتجاوز نوبة الضحك القاتل، التفت إلى الشيخ السائل: حتى أنت تؤمن بهذه الخرافات وصرت مثل هؤلاء العوام؟ عن أية قضية تحكون، وأي باب وأي جدار؟! أي حطب وحرق ونار؟! أي سِقط وأي مسمار؟! وراح يعيد ما يعتقده في الحادثة، فهي عنده قصة على غرار أفلام هوليوود، من إخراج “الروزخونيه”!

    كانت قناعاته هي دينه، ومعبوده هو فكره، الذي يطلق عليه: عقله! الحقيقة الصادمة أنَّ فضل الله كان دهرياً ملحداً، لا يؤمن بغير الحسِّ و”العقل”، لا يرى شيئاً وراء هذا وبعد ذاك، حتى وجود الخالق، كان يشك فيه: هو قانون طبيعي، الزمن وتقادمه، الدهر الذي يفرض سُننه، نواميس تحكم البيئة وتضبط النبات وتقهر الحيوان، وتغلب الإنسان وترسم حركة الحياة. كان يرى البرهان الذي يُبطل الدوْر والتسلسل، ويثبت واجب الوجود، ضرباً من التلاعب بالألفاظ، والتحايل على الواقع، والهروب إلى الأمام، ويعيش في نفسه أن الإذعان بالفكرة واستقرار المعتقد في القلب، أمرٌ يتجاوز الأدلَّة والبراهين النظرية، هو حالة وجدانية، وهو في وجدانه كان يرى أنَّ الطبيعة هي كل شيء، ولا شيء وراءها! هي المبدأ الذي تنقلب عنده قطعة من اللحم، مودعة في وعاء مغلق، وتستحيل دوداً، فتبدأ الحياة، كذلك تكون بداية كلِّ كائن، ولكن بكيفية تناسب رتبته الوجودية ومدى تعقيد كيانه العضوي والحسي، وقد تلقَّى “الاستنساخ” واعتبره أعظم دليل على ما يسكن قلبه، وأنهم لو أطلقوا الحرية للعلم، ولم تعد السلطة الخفية أو “الكنيسة الداخلية”، كما كان يحسبها، لسابق دورها في القرون والوسطى، وممارسة إرهابها الفكري ومحاكم التفتيش، لسقطت نظرية الدين في بدء الخلق. إنه الوجل النفسي الذي يسكن الضعفاء من مواجهة الحقيقة، يختبئون وراء منظومة القيم والمبادئ والأخلاق… وبعد، فإن الرجل لم يكن يؤمن بالقيامة والمعاد، كان يحسب أنَّ الموت هو النهاية، فناء، ليس وراءه شيء!

    وبطبيعة الحال، لم يكن يصرِّح بهذا أو يعلنه، بل كان يقول بخلافه ويجاهر بضده وعكسه، يكتب في الدين والإسلام، ويتغنى بالتوحيد والإيمان، ويعظ بالفضيلة والأخلاق! يروِّج بضاعة متجره، ويسوِّق سلعة حانوته، ولولا ذلك لما تنامى وكبر ليكون سوقاً مركزية، وشركة تجارية عالمية، يجد فيها المتبضع الساذج والمشتري الغبي ما يريد، من المطاعم والفنادق والنشاط السياحي، حتى المستشفيات والخدمات الطبية العلاجية، ومن قبلها المدارس والفعاليات التعليمية، والأنشطة الاجتماعية كرعاية المسنين وتكفل الأيتام، إلى محطات الوقود، فالمباني والعقارات، والأسهم والسندات…

    وبعد هذا الدور الدنيوي الهابط، فإن فضل الله ليس كما يحسبه كثيرون شيخاً وهابياً مقنَّعاً، ولا هو موبذان مجوسي ولا حتى مزدكي، ولا قسٌّ مسيحي أو حاخام يهودي، ولا كاهن وثني، ولا راهب بوذي أو بانديت هندوسي… إنه أقرب إلى نيتشه وفرويد وسارتر، دون اطلاع على الفلسفة، وخوض بحوث فكرية معمقة، بل بسطحية المتكبِّر وسُخف المتغطرس، مع فساد باطن وخبث سريرة بمرتبة منحطة ودرجة دنيئة، تنافس الأجدع وعزازيل، إن لم يكن أحدهم، سكن هذا البدن وحلَّ فيه، بعد مسخ هذه الروح!

    في مثل هذا اليوم عام 2010، انخمد بيت للنار كانت ترتفع منه ألسنة اللهب، وتستعر شُعَل الفتن، وتنشأ الحرائق والكوارث.

    كان يستل الخيط الأبيض الذي يجمع النسيج من الثوب الأسود، ليسقط الرداء ويهتك الحياء، فتغشى الظلمة ويلتبس الفجر على المتسترين، وتضيع ساعته على المصلين! هذا هو الدور الذي أُنيط به، والمهمة التي أُوكلت إليه، والشأن الذي نهض به وسار، لا يقول كفراً بواحاً ولا يعلن بالزندقة، كما لا يدنو من الحق الصريح الخالص، بل يلبث ويكمن في المساحة الضيقة والحدود الفاصلة بينهما، يجول في هذا النطاق الحرج ليبث الاضطراب، ويزرع الشك والريبة، ويورث الإحراج، يتحرك مطلِقاً يداً هنا تتناول ضغثاً من الباطل المسموم، وأُخرى هناك تعود بقبضة من أثر الرسول، يتضمَّخ بها، وينثرها على بدنه، فيخور العجل، لينبهر الطغام ويفتتن العوام!

    كان من دعاة تعظيم الفكر لا الشخص، حتى في الأئمة الأطهار، كان يرى أن ترويج أفكارهم ومبادئهم، وتعظيم القضية التي عاشوا لها، وهي الإسلام وقيَمه السامية، هو النهج الصحيح الذي ينبغي أن يُتَّبع، لا الاستغراق في أشخاصهم وسيرهم الذاتية وخصوصيات كلٍّ منهم، ألقابه وكُناه، متى ولد ومات، وما اسم خادمه وحاجبه، وبغلته وفرسه، وناقته ودابته، وسيفه ودرعه؟ وما هو نقش خاتمه؟ ومن هن زوجاته؟ وعدد أولاده وأسمائهم؟… كان يكرر دعونا من هذا كله إلى سيرة الإمام ونتاجه، وعطائه في سبيل تحقيق أهدافه! لذا لم يُقِم مسجده يوماً حفلاً لميلاد إمام، أو يعقد مجلساً لاستشهاده! اللهم إلا ما يضطر إليه من ضغوط الساحة، ويُحمَّله مرغماً من أعراف سائدة. والمفارقة اليوم أنَّ أتباعه جعلوا من قبره مزاراً، وأعلنوه “روضة”، وما زالوا يحتفلون في الرابع من كل تموز بموته، يحيون ذكراه ويكرِّسون شخصه، يملأون الطرقات، ومن بعدُ المزابل وحاويات النفايات، بصوَره ولافتات تحمل كلماته، ويخلدونه عبر البقاء على تقليده، بل يحملون الأجيال الجديدة على تقليد الميت ابتداءً، في بدعة لم يسبقهم إليها أحد، نسجوا لها فذلكة من أكاذيب، وتلفيقاً من افتراءات نسبوها لهذا وذاك، هم منها براء.

    من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

    لا يحتاج المرء لكثير فطنة وذكاء ليدرك، أن صاحبه أو جاره أو زميله في العمل، من الأثرياء الميسورين، أو من متوسطي الدخل، أو من الفقراء المعدَمين؟ هل هو من المثقفين أم الجهلة الأُميين؟ هل هو منخرط في العمل السياسي، ينصر المعارضة ويصطف معها ضد الدولة، أم لا؟! يجري كل هذا وذاك، ويسكن القلوب وتنطوي عليه القناعات، دون أن تقام بينة شرعية، من شاهدين عدلين، أو اعتراف صريح يسمح بهذا الحكم ويجيز الإطلاق… هكذا يمكن تمييز المؤمنين الملتزمين عن غير الملتزمين، والتعرُّف على الفساق غير المتشرعين… إنَّ المقالة هنا لا تمتشق سيفاً لتقيم الحدَّ الشرعي على مرتد فطري، ولا سوطاً لتجلد فاسقاً يشيع أبشع الفاحشة في الذين آمنوا، إنما هو انتزاع يتجاوز الألاعيب السياسية، ويفوِّت على أربابها، الدهاة المخادعين، ما ينطلي على السذج والمتقدِّسين، الذين لا يتورعون عن السكوت على هتك حرمات الدين، ثم يُمسكون أن يقعوا في مبتدع ضال مضل فيبخسوه حقه أو يبهتوه!

    من هنا، يمكن لأي باحث فاحص أن يقف على هوية فضل الله ودينه الحقيقي بيُسر وسهولة. فمن مجموع حركته، والأهداف التي عمل لها طيلة حياته، والمحصلة التي تُنتزع من بواعث وخلفيات مواقفه، سيستشرف الحقيقة، فلا يغتر بالقول ولا بالفعل، دون تحري القصد ومعرفة النوايا الخفية، ولا يحمل الظاهر على الباطن، والمصرَّح به على المضمر المكنون… وهذا في مجموعه وتفصيله يخرج الرجل عن المذهب الحق، وهو ما حكم به المراجع العظام، أما غيره، فأنت وحسن ظنك بهذا الضال!

  • كما يمكن تشخيص المنافقين، فتعرفهم بسيماهم، ومن لحن القول، تكشف مكنونات نفوسهم من صفحات وجوههم، وتلتقطها من فلتات ألسنتهم، تلحظ أغراض أسئلتهم وما وراء استفساراتهم، فلا تجدها مرة استفهاماً حقيقياً، وطلباً للعلم وما ينفي الجهل، محض تحسُّس وتجسس، وسعي لجمع المعلومات واستطلاع الآراء، تشخِّصهم من تحرياتهم وطبيعة متابعاتهم، وشغفهم بتقصِّي الأخبار والإحاطة بالأوضاع. تُميزهم بحركاتهم ولفتاتهم، ومقاعدهم من المحافل، مواقع الرصد أو الظهور التي يتخذونها (حسب الغرض والهدف). تتفطَّن إليهم من ابتعادهم وتجنبهم أُموراً، وتجاهلهم قضايا خطيرة مُلحَّة، يتعمَّدون إهمالها ويكافحون تصدُّرها، مقابل توغلهم في أُخرى عارضة تافهة، يحرصون على تداولها، لترويج تحليل بعينه وقراءة دون سواها، مما يرون أنها ترسِّخ واقعاً يريدون تحكيمه، ويروِّج مقولات يحملونها، وكل ما يوحي بارتفاع راية الضلال، وثبات دولة الباطل واستحالة زوالها، ويبعث في الناس اليأس من تقويضها.

    ويمكن تشخيص “محدثي النعمة” أو الأثرياء الجدد، من تعاطيهم المتخلِّف، وتردِّي سلوكهم الاجتماعي، الملحوظ في الملبس والمأكل والمسكن، الذي يطبع بيوتهم والمتاع الذي يتخذون، إلى التكلُّف والمبالغة في كلِّ ما يفعلون، بذخ في غير محله، وبطر بلا داع ولا عائد، يدعو أحدهم شخصاً أو اثنين، فيقيم وليمة ويبسط مائدة لعشرين أو ثلاثين! تعرفه من ميول إلى الفاقع الصارخ، وولع بالغريب الشاذ وبالنشاز، من ثياب وأزياء أو أثاث، وقد تراه مولعاً بتصاميم وقطع تعالج عُقد نقصٍ من قديمٍ لم يحظَ به أيام فقره، يستدرك الحسرة على فوته، فإن سلم أحدهم منها، سقط في جديد لا يناسب عمره ولا طبيعة عمله، ولا يراعي الساعة والمناسبة التي يظهر فيها… وفي المجموع السمة الملحوظة في هؤلاء هي الزهو والتكبُّر والمبالغة في التفاخر بالثراء والمباهاة بالغنى، لا يحسنون إليه سبيلاً إلا بالتصنُّع والتكلُّف والإفراط! مع افتقار لقيم وأخلاق النبلاء، ولا أُريد الطبقة والأرستقراطية، بل الذين أُشبعت نفوسهم لا بطونهم، وامتلأت عيونهم لا جيوبهم.

    كما عرفت هؤلاء وشخَّصت أولئك، يمكنك أن تعرف وتشخِّص المتطفلين على الساحة الدينية والساعين لقيادة الحركة الإيمانية، من “مُحدثي نعمة الولاء” و”الملتزمين الجدد”، أو الطارئين على العلم والحوزة، وفي الضفة الأُخرى من الساحة الإيمانية: المتطفلين على الجهاد والثورة! فـ ”محدثو النعمة” ظاهرة سارية في كل حقل وميدان، بتعدُّد النعَم وتكثُّرها، فالنعمة ليست مالاً فحسب، هي صحة وأمان وعلم ودين وغير ذلك.

    إنَّ الساحة في الحوزة ونطاق “علماء الدين” تعاني من “مُحدَثي النعمة” هؤلاء، سواء من أدعياء الصفة ومنتحلي العنوان، أو بالغيه حقاً ومدركيه صدقاً، وهو مشاع مبذول لمن بذل جهده وصرف جِدَّه، وإن لم ينحدر من بيوتات علمية، متقدِّمة في خدمة العلم والانخراط في الحوزة، وسابقة في تبوُّء الرئاسة والزعامة الدينية. ولا عيب في مُحدَث نعمة العلم، فجميع البيوتات العلمية الحالية، كانت يوماً، عند جدِّها الأعلى المؤسس للأُسرة، مبتدئة وطارئة و”محدَثة نعمة”، تعيش غربة الأجواء والفضاء، وتُرمى بالتسلُّق والتطفُّل! فلا منقصة ولا غضاضة في الملتحقين الجدد، إذ لا وصاية في الحوزة ولا حصرية ولا احتكار.

    إنما الوقفة عند نوعيات خاصة، تجد طباع “مُحدَثي النعمة” السلبية غالبة فيهم وحاكمة عليهم، من قبيل التهوُّر والإفراط، والمبالغة والإسراف، الجنوح إلى الغريب الشاذ، وتحرِّي الإثارة وملاحقة الأضواء، وما يعالج خمول الذكر بين الفضلاء. تجده يطفر متمرداً على الواقع، وينهض جامحاً على السائد، حين يرى ـ بمحدود اجتهاده ـ فساده، ويقدِّر ـ بمتواضع خبرته ـ ضرورة تغييره! ولعلَّه في “الأنا الخفية”، يتطلَّع إلى عنوان “المصلح” و”المجدِّد”، ما يداري كونه طارئاً على الساحة، ويدفع النظرة إليه كدخيل دعيٍّ، وعابر طارف، غير أصيل أثيل، ولا عريق تليد، لا من اللحمة القريبة ولا من العصبة اللصيقة… والفارق المشهود هنا، أنَّ سليل البيت المعتَّق، الحسيب في خدمة الدين ونصرة المذهب، إذا زلَّ وشطح، أو عثر وجنح، فإنَّ موقفاً زاجراً من كبار أُسرته، وكلمة واحدة من عِلية قومه، تكفي لردعه ولجمه، وترويض شَموسه وتطويع حِرانه، وحمله على الكفِّ والإمساك، بينما “مُحدث النعمة”، لا يصغي لناصح مشفق، ولا يسمع لواعظ مرشد، يمضي على ما يهوى، ويصرُّ على ما يركب، يتمادى ويبالغ، يحسب أنه جمع العلم من أطرافه، لا في أُصوله وكلِّياته، بل حتى في مصاديقه وتطبيقاته، وقرأ ما خفي على غيره. لا مشير يردعه ولا حصيف يقنعه، فيمضي إما إلى عطبه وهلاكه، أو إفساد الدين وتمزيق صفِّه وجبهته. قد يصعب على كثيرين تفهُّم ما يكون من بعض العلماء، ولا سيما مَن عُرف بالإخلاص وتميَّز بالمعرفة والولاء، والأمر عند الفحص المعمَّق يعود إلى أنَّه مُحدَث النعمة في الفقاهة، يلاحق المواضيع بلهفة الطارئ وشغف المفتون، فما إن يقع على ما ينقض السائد، وقد حلَّت فيه الملَكة، وبات يشعر بقدرته على الاستنباط وتفوُّقه في الانتزاع، حتى راح يصول ويجول، يسرح في فضاء الأدلة ويمرح بين أشباهها، يراها طوع بنانه وكما يشتهي من لقمة بين أسنانه، وقد تكون رغبته نبيلة حميدة، لكنه في ملاحقتها وسعيه لتطويعها، وإدراجها في المنظومة المتكاملة للدين، يقع فيما يفتقد للحكمة ويجانب الوقار والرزانة. هذا لمن بلغ الفقاهة حقاً، أما منتحلها الذي يسابق مراهقته، والمتطفِّل الذي يغالب استشرافه، يُسقط نفسه ويحمِّلها ما لا تطيق، فهو خارجٌ تخصصاً، إذ لا “نعمة” هنا لتكون متأصلة، أو طارئة “مُحدثة” فيه.

    وكذا الحال مع الملتحقين بساحة إقامة العزاء، والناهضين بالمآتم والهيئات، وإحياء الشعائر الحسينية. تعرف مُحدثي النعمة هنا بصفات، وتُشخِّصهم بسلوك وأداء، يميِّز هيئاتهم المحدَثة ويفرز مآتمهم المستحدَثة، يفصلها عن مجموع المعزين وجموع الحسينيين، أداء لا تجده في حسينية قديمة وهيئة أصيلة، مضى على تأسيسها أجيال، أشرف الأبناء على ما تلقوه من الآباء، وحفظ الآباء ما ورثوه عن الأجداد، فاستمر الأحفاد على الأصالة، والتزموا الموروث من الشعائر والطقوس، ومضوا في إدارة الحسينية باتزان، وقيادة الهيئة بحكمة ورصانة… بينما ترى مُحدَث النعمة سبَّاقاً إلى كلِّ جديد، مبادراً لكلِّ مبتَدع، حريصاً على لفت الأنظار وجلب الأضواء، مفرطاً مبالغاً مزايداً ما تمكَّن، متطاولاً ممعناً ما استطاع!.. تقيم سائر الهيئات اللطم لساعة أو اثنتين، فيتمادى هو إلى ثلاث وأربع! يرتقي المنبر في الحسينيات خطيب ورادود، فيتعاقب عنده أربعة قرَّاء ومثلهم من الرواديد، يتناولون الحضور المنهك، والجمع السئم الضجِر، بما يغدو عقاباً لا عبادة وإحياءً! تكون حصة الرثاء والبكاء ربع وقت المجلس أو نصفه، حسب الأيام والمناسبات، بينما يستغرق لدى القوم المجلس كلَّه! من أوله إلى آخره، يقضونه بذكر المصيبة والافتجاع! تسلل “الشور” والخلفيات الصوتية (ما يسمونه التسبيح) إلى العزاء، واندسَّ في المجالس والهيئات، مقترناً بالتمايل والقفز، ما قلب الحسينيات وقرَّبها من المسارح والملاعب، فتلقفوه وروَّجوا له ونهضوا به، ليستقطب ويحشد، وتكبر الهيئة وتنمو الحسينية، ويشتهر الرادود ويذيع صيته.

    والشكوى هنا تطول من “محدَثي النعمة”، ولن أعبِّر بالمتطفلين، فهذه رحاب، بل جنة دُعي إليها كلُّ مؤمن، العالم منهم وغير العالم، الملتزم وغير الملتزم، الأصيل الأثيل في الميدان، والأوَّل السابق، كما الطارئ العابر، سيَّان، وما قيام وبقاء ودوام الشعائر، إلا لشعبيتها وعدم نخبويتها، ولبقاء الباب مفتوحاً لدخول المزيد، مشرَعاً أمام كلِّ ملتحق جديد، ومنتسب قريب من الحقل والميدان أو محبٍّ جاء من بعيد… ولكننا لن نغفل عن الأيدي السياسية والأذرع الحزبية التي تريد خرق الساحة الحسينية، عبر هيئات يقف خلفها “محدثو نعمة”، من غرباء مبتدعين، باعثي فوضى وناشري عبث في شعائر الدين، سنتصدى لهم ونكشفهم، ونحذِّر شبابنا من الانخراط في صفوفهم، والتأثر بزخرف مقولاتهم، وباطل تهريجاتهم! وعلى المؤمنين المنخدعين التيقظ، والوقوف في وجه من يريد “التناوش من مكان بعيد”، والتطاول إلى ما يزري بأُصول الشعائر وضوابطها الموروثة، ويطمع أن يتسنَّم قيادة هذا الحقل وإدارة هذا الميدان وأخذه حيث يريد! إنَّ ميدان الشعائر الحسينية وساحة عزاء سيد الشهداء، لا تخضع لتنظيم حزبي يجمع العاملين، ويسيطر على الخدَّام والمعزِّين، تطيب للحزب أُنشودة تمجِّد بالسلطان في طهران، فتجد الطبول تحكي رجعها والجموع الآلية في العراق والبحرين ولبنان، وأفريقيا وباكستان تكرر صداها: “سلام فرمانده”! لن نمكِّنهم من هيئاتنا وحسينياتنا وعزاء مخدومنا، لن نسمح لدولة تحكم باسم ولي الفقيه، ولا لأحزاب تدور في فلكها كثيران الطواحين، أن تسيِّس الشعائر وتمسخها، وتعمد في سبيل هذا الخطير إلى كلِّ وسيلة وحيلة، وتقحم أي باب. ولن تنطلي علينا الأكاذيب التي تتستر خلف واجهات “ضرورة التنسيق” ولافتات ”حسن التنظيم والترتيب”!

    بمقدار رحابة الساحة الحسينية وسعة صدرها للقاصي والداني والفرص المتاحة لمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، فهي في مقام القيادة والإدارة، موصدة بقوة أمام المتآمرين الأشقياء، وكذا أمام الغرباء ومحدثي النعمة من السذَّج البسطاء، الذين انطلت عليهم الحيلة وابتلعوا الطعم ووقعوا من حيث لم يشعروا في شباك الجمهورية وأحزابها، ودائرة أعداء الشعائر ومناصبي العزاء (تابع سلسلة “جنود القائد” على اليوتيوب)… هؤلاء، الذين ثبت أنهم لا يحسنون التشخيص والتدبير، وأنهم يُخدعون بمنتهى السهولة، لا يليقون بقيادة الساحة وتولي زمامها، وابتداع أنماط جديدة تنعطف بمسيرة، ما بلغتنا إلا بخوض اللجج وسفك المهج!

    ببساطة شديدة، هو “بروتوكول شرف”، أعراف متوارثة، وأنماط أصيلة، وطريقة تجاوزت التجربة والاختبار، إلى النجاح في إبلاغنا المسيرة ووصولها إلينا من الآباء والأجداد، لن يُسمح لأحد هنا بالاجتهاد. لسنا في مهرجان ولا فلكلور شعبي، لا “سلام فرمانده” ولا “خدا حافظ آغا”، هذه عبادة مقدسة، تركبنا سفينة النجاة، وتأخذنا عبر أقصر الطرق إلى عنان السماء، وتفتح لنا على الجنة أوسع الأبواب، وتتيح لنا التعبير عن عشقنا وولائنا لأهل البيت عليهم السلام، لن نغيِّر الطريق ولن نبدِّل النهج، ولا بمسِّ وتيرة واحدة في إيقاع منضبط منذ مئات السنين. ليعرف كلٌّ قدره ومكانه، ويلتزم درجته، ويقبع في رتبته، ولا يتجاوز حدَّه ودوره… قيادة الساحة الإيمانية بمختلف فروعها وتشعب نشاطاتها، من الفقاهة والمرجعية، إلى الشعائر الحسينية، حقول مقدسة وحصون منيعة، لها أربابها ورجالها، وما علينا إلا الالتحاق بركبها، لا تأسيس مواقع محدثة وقوافل جديدة، ولا اتباع طارئين على الميدان والخدمة، من “محدثي النعمة”.

    لا أشربُ الماء ما لم يَصفُ موردُهُ، ولا أقولُ لِمُعوَجِّ الوِصال صِلِ ولك أن تتمثل: لكُلِّ أُناسٍ سيِّدٌ يَعرِفونَهُ، وسيِّدُنا حتى الممات ربيعُ.

  • بون شاسع بين أن يقرأ “رادود” وينشد ليقيم المأتم والعزاء على سيد الشهداء، يحيي الذكرى بالتفجُّع، ويعظِّم الشعيرة بالجزع، وبين أن يقرأ للتصوير والتسجيل التلفزيوني والبث في العالم الافتراضي، سواء لأغراض تجارية أو غير تجارية، يتحرَّى كسب المتابعين والملاحقين، ويرجو زيادة أعداد المعجبين، يجعل المجلس الحسيني “استيديو” أو مسرحاً مفتوحاً لإنتاجه القادم وإصداره المرتقب، يكون اللطم فيه ضرباً من المؤثرات الصوتية وضبط الإيقاع، وعذوبة الصوت في الزفرات والآهات ومدِّ الأنين على مدى النفَس، حركة فنية لإبراز طبقته واستعراض قوته، ونوبات البكاء وصدق الافتجاع، آلية للتسويق وأداة للترويج. فرق كبير بين أن تحضر مجلساً وتشارك في لطمية لتمارس نمطاً من صوَر الجزع الذي تواسي به خاتم النبيين وأميرالمؤمنين وسيدة نساء العالمين، وبين أن تترقب رادوداً مشهوراً، تحسبه نجماً في سماء الخدمة الحسينية، فإذا لم يوافك، تركت المجلس وأخليته!

    و”الرادود” هنا عنوان مشير، يراد به كل موقع ديني ينشط صاحبه في ساحة التبليغ، ويخوض في المعترك الإعلامي، خطيباً كان أو محاضراً، إمام جماعة أو كاتباً، أو واعظاً خلع عليه أتباعه عنوان “المربي الفاضل”، يتحرَّك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر في الفضائيات، حتى صار له حضوره في قنواتها، ومكانه في مواقعها، وذكره وصيته في عالمها… هؤلاء جميعاً معرَّضون للخطر في جبهة الجهاد الأكبر، ومحكومون بمعطيات السقوط والهلاك حتف أهوائهم وتطلُّعاتهم! يتلهَّف أحدهم للأضواء، ويسيل لعابه للمدح والإطراء، ويهش حتى يسبح ويهيم، وتخاله سيحلِّق في الفضاء ويطير… يذهب في سبيل تحقيق أهدافه وبلوغ آماله كل مذهب، ويلتمس كلَّ حجة، ويعمد لكل مغالطة وحيلة.

    فما قد يكون من الرواديد وحلقات اللطم، قد تجده في الخطباء ومجالس الرثاء، حين يفرِّط الخطيب بالمسؤولية الشرعية (بالمعنى الأخص)، يضيع أصالة الصنعة، ويعبث بضوابط المهنة والحِرفة، فيوظِّف مصيبة “المصرع” وهول “المقتل” وما إليه من “الذِّكر الخاص”، المنوط بمناسبته والمتعلِّق بموعده وساعته، ليبلغ من مستمعه التفاعل الذي يطمح، ويطيب نفساً بما بلغ، يحقِّق ضجَّة وصرخة ودمعة، عجزت محفوظاته المتواضعة، وقصُر المتداول الشائع من المراثي والأشعار عن استدرارها، فيلجأ إلى الذخائر، ويوظِّف “رأس المال” بدل أن يتحمَّل الخسائر! عجز عن إيقاد جمرة اللوعة في القلوب المؤمنة بأعواد الثقاب المبذولة، فعمد إلى البروق والصواعق وإشعال الحرائق! ولجَّ في الإلحاح وأغرق في الإصرار، غافلاً أن للأنفس إقبالاً وإدباراً، وللأرواح في تفاعلاتها حالات صعود وهبوط وارتفاع وانخفاض، وأنَّ هناك اضطراباً كونياً يعتري الوجود في عشرة عاشوراء، هو الذي يُخضع قلوب المؤمنين، لو دام مدى العام لمات العشاق وهلك الناس… يطمس ذلك كله، ويصر على تطويع المستمع وإرغامه، وأخذه إلى ما يريده من “إنجاح” مجلسه، وما يحول دون رقم أو سابقة في الإخلال بقدراته والطعن بكفايته! فيهتك في طريقه خفر المصيبة وخصوصيات تناولها وذكرها، وظروف إلقائها ونشرها، وأسباب كتمانها وطيِّها، غير مكترث ولا مبال. وما برح الداء مقيماً والبلاء ملازماً مجالس الطارئين من “مُحدثي نعمة الولاء والخدمة”، حتى تبدَّد وقْع عاشوراء وذهبت وطأتها بما يتناولون في العوائد الأُسبوعية، وضاع خفر محرم وتوزَّع على باقي العام وتشتت في سائر الأيام، فصارت المئة المدَّخرة لعاشوراء، يوم انطباق الأرض على السماء، عشرة أو عشريناً ذهبت بقيتها أقساطاً دفعت مُسبقاً، على يد هؤلاء “العوام”! والأهم الأخطر، زوال التأثُّر بالفجعة، وذهاب النفوس إلى الغلظة والقسوة، من فرط التكرار، ومعاودة استذكار الصوَر واستحضارها شعراً ونثراً، فلم تعد القلوب ترقُّ ولا الأدمع تنهمر!؟ ولا أدَّى الخطيب الدخيل والراثي المتطفِّل، ولا بلغ المجلس المبتلى به، من حقِّ المصائب التي يذكرها والفجائع التي يعدِّدها، عُشر معشار! وقد ذكر خطيبٌ في محضر عالم جملة: “دخلت زينب مجلس يزيد”، فضجَّ بالنحيب، وأمره أن يكفَّ حتى يؤدَّى حق هذا القول وواجب هذه المصيبة!

    لا أحد يقف على إحصاءات غيبية تستطلع الأغراض والنوايا وتكشف الضمائر والخبايا، لكن الظواهر والشواهد تحكي أنَّ أعداداً متزايدة من الرواديد، ولا سيما من الجيل الجديد، لم يخضعوا لأي نوع من الإعداد التربوي الأخلاقي، ولا مارسوا أي سير في تهذيب النفس، وسلوك في الرياضة الروحية، بما يقف بهم على خطر الشهرة، بل لم يطالع أكثرهم في “جامع السعادات” ليقرأ: [اعلم أنَّ حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وطالبهما طالب الآفات الدنيوية والأُخروية، ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته لا يكاد أن تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهرَه الله لنشر دينه من غير تكلُّف طلبٍ للشهرة منه. ولذا ورد في ذمِّهما ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار… ولكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء وأعاظم الأتقياء يفرون منهما فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أنَّ بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم يبكي لأجل أن اسمه بلغ المسجد الجامع، وبعضهم إذا تبعه أُناس من عقبه التفت إليهم وقال: “على مَ تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي، ما تبعني منكم رجلان”. وبعضهم يقول: “لا أعرف رجلاً أحبَّ أن يُعرَف، إلا ذهب دينه وافتُضح”. وآخر يقول: “لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس”. ومن فساد حب الجاه أنَّ من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظِّم منزلته عندهم، وذلك بذْر النفاق وأصل الفساد، ويجرُّ لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب].

    من الجلي الذي لا يخفى، أنَّ جُلَّهم لم يحصِّل حتى ثقافة عامة تؤهله لخوض هذا الميدان بنزاهة، وتمكِّنه من العمل بإخلاص، لم يحضر درساً ويعرف أستاذاً، فلا تعجب من طالب مقدمات على أعتاب العشرين، ينشر صورته تحت عنوان: “يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم درجات”! وآخر يجعل نفسه مصداقاً لحديث: “إنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطلبة العلم”! وثالث يلحق صورته بحديث: “الناس موتى وأهل العلم أحياء”!.. قد لا يُسجَّل الأمر على هؤلاء كضلال وانحراف، إذ الأرجح أنهم سيندمون بعد حين، ويتراجعون ويصححون ما وقعوا فيه حين يتقدَّم بهم العمر وتنضج منهم الأفهام، لكنه شاهد أنَّ ليس لأحد منهم شيخاً يأخذ عنه الرزانة والوقار، ولا أُستاذاً يعلِّمه الأدب ويفهِّمه الأُصول، ولا كبيراً يلجأ إليه ويراجعه ليستنصحه فيرشده، فلا يصدر منه ويكون هذا الشطط، وإذا كان لبعضهم شيخ يلقِّنه هذا الزهو، وأُستاذ يحمله على هذا الطيش وينفخ فيه هذا الكبر، حتى تورَّم المسكين وانتفخ، فطار شكيراً، لم ينبت له ريش ولا اشتد له جناح… فإنَّ البلاء مستحكم والمصيبة أعظم!

    إنَّ المسيرة تمضي اليوم ـ مع الأسف الشديد ـ بمنتهى الهوان والاستخفاف، يحسب الماضون فيها أنَّ الصنعة من الوهي والبخس ما يمكن التقاطه من قارعة الطريق، وأخذه بلا تعليم وتدريس، وأنَّ الحرفة متوفرة مبذولة بلا إجازة وشهادة، والسبيل أمام وسام “خادم الحسين”، مشرع بلا مقدمة ودون أساس ومقياس! فيأخذ الصنعة عن أي رفيق وزميل، ويتناولها من أي دخيل وغريب، ويكسبها من غير أهلها وأربابها، يتلقاها من أشرطة مسجَّلة، يحاكيها ويؤدي ما فيها، يمثِّل ويكرِّر… فيُستنسَخ العبث، وتروج الفوضى، وتشيع البدع!

    لفتني أحد الإخوة ونحن نتداول الأمر، ونبثُّ هذي الهموم ونتبادل الشكوى منها، أنَّ الشيخ عباس القمي طيب الله ثراه سبق إلى تناول الموضوع في “نفس المهموم”، ضمن جملة وصاياه للخطباء، قال: “ينبغي أن يراعي في ذكر المصائب، لا سيَّما في غير أيام عاشوراء، ما لا تقسى به القلوب، ولا تهون به الخطوب، كالمصائب الموجعة الفادحة”. ثم ساق شاهداً من رؤيا نقلها عن المحدِّث الفاضل المؤرخ المتبحِّر الميرزا هادي الخراساني النجفي أيده الله، أنه رأى في عالم الرؤيا أميرالمؤمنين عليه السلام كأنه في حجرة من حجرات صحن حرمه الشريف، يرافقه الأئمة من ولده، أو بعضهم، وقد اجتمعوا لعقد مجلس حسيني، وكان أحد الخطباء يقرأ لهم التعزية وهم يستمعون، حتى إذا قال: “قال شمر لسكينة يا بنت الخارجي”! ظهر الامتعاض والاشمئزاز في وجه أميرالمؤمنين، وقد اكفهرَّ وانقبض أشد انقباض. فبادر ميرزا هادي للإشارة إلى الراثي أن يكفَّ ويصمت! وهنا التفت إليه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال: لم يكن الذي قلت بالأمس، أقل من هذا! فتذكَّر أنه قرأ مصيبة رأس أبي الفضل، عند تعليقه على لبان الفرس! فاعتذر إلى المولى وتاب.

    من المؤكد أنَّ هذه الحالة طفرة ستزول وأزمة ستنقضي، وموجة عاتية ستركد، وعاصفة هوجاء ستسكن، كما قطعت أُخريات سبقتها، وستكون قادمات تلحقها… إنما الحسرة على طاقات مخلصة من شباب الشيعة، وإمكانيات كبيرة من عموم المؤمنين، هي من ذخائر وكنوز أهل البيت، ما برحت تُبدَّد وتُهدر في عبث رغبات طائشة واجتهادات جهولة، تعيش الجولة، وتحسب أن لها الصولة، تنتعش بالصيت والسمعة، وتلتذ بالتفاف الجمهور، وتسكر وتترنح من طلبات “السيلفي”!

    إنَّ وصف الطبيب للدواء، لا يعني تناوله بأي مقدار وفي كل آن وحال، إنَّ تجاوز الجرعة المقررة، قد يفقد الدواء فاعليته ويودي بأثره وفائدته، بل قد يخلِّف آثاراً جانبية ويفضي على المدى البعيد إلى مضاعفات وانتكاسات، يستفحل فيها الداء ويتمكَّن المرض ويعضل على الشفاء. فمجرَّد ظهور الأثر الإيجابي السريع لجرعة كبيرة في غير الوقت المقرر، لا يعني صحة الخطوة التي اتخذها مريض متهوِّر يعمل باجتهاده.

    حتى تعود لنا الأصالة، ويتأدب عليها شبابنا، فلا ينبري للخطابة مَن لم يلبث “صانعاً” لخمس أو عشر سنين، لا يتجاوز المرقاة الثانية لمنبر أُستاذه، ولا يتصدَّى لقيادة اللطم مَن لم ينظِّم الحلقات والدوائر لأستاذه وهو يردِّد: “آ يا حسين ومصابه”… دعونا نسأل كل رادود وخطيب: من هو معلمك وكم تلمَّذت عليه؟

  • من المعضلات المستعصية في الساحة الإيمانية، والأزمات الماثلة في غير نطاق، تطال أفراداً لا يستهان بهم من العاملين المخلصين، وتعمُّ شخصيات مرموقة في الحوزات العلمية، لها موقعها من الأصالة ومكانتها من العراقة: العجز عن تشخيص الموضوعات السياسية والاجتماعية بشكل صحيح، أو قُل الإخفاق في إصابة الحق على هذا الصعيد. وطالما أُشير إلى أعلام بالسذاجة ونُعتوا بالبساطة! بل نُسبت بيوتات من رأسها إلى هذه الصفة!.. يقع الاختلاف في تمييز الحدِّ الفاصل الذي يقلب الحكم تبعاً لتغيُّر الموضوع، ويقوم اللغط حول رسم التكليف الشرعي لما يطرأ من حوادث، هل الإمساك والإحجام فيها يرجع إلى الجبن والخرَع، أم إلى الحنكة والحكمة؟ هل الإقدام يأتي من الغيرة والشجاعة، أم من الطيش والتهوُّر؟ أتراها من موارد الصبر والتقية، أم من مواقع إباء الضيم وعدم الركون إلى الظلم والظالمين؟! هل القدرة متوفرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يُحتَمل التأثير، فيرتدع العاصي ويكفُّ، أم سيحمله ذلك على العناد والمكابرة، فيتفاقم السوء ويفشى بدل أن ينحسر ويزول؟! هل هذه البدعة من الباطل الذي يموت بتركه، أم مما ينبغي مواجهته وقمعه؟ هل هذا المنحرف المندس، والضال المتوغل في الجسم الإيماني، حتى صار علماً يُشار إليه، ورمزاً يُؤخذ عنه ويُقتدى به، ممن ينبغي الإضاءة عليه والتشهير به حتى ينقطع دابره، ويأمن العوام والخواص شرَّه، أم علينا تحمُّله لدرء مفاسد أُخرى ستترتب على فضحه؟

    إنَّ العجز عن التقييم الصحيح، والحيرة في عملية الموازنة والترجيح، هي ـ إلى حدٍّ ما ـ نتيجة طبيعية لفقد أدوات البناء، بناء الرأي واتخاذ القرار، وضيق ذات اليد من المعلومات، وخلو الوفاض من عناصر تكوين الرؤية وكسب الوعي والبصيرة، والعجز عن أسباب الرشد والسداد… فلا دراسات ميدانية تقدِّم صورة واقعية، أو قريبة من الواقع، ولا استبيانات وإحصاءات تكشف عن حيثياتٍ أساسٍ في تشخيص الحالة ومعرفة القضية، ولا إحاطة بالمعطيات الأُخرى، كالخلفية التاريخية، وعلم الاجتماع وسنن الحركة والتغيير، والحالة الاقتصادية، والمداخلات الإعلامية، ناهيك بدوْر المخابرات وشبكات العملاء التي تعمل ليل نهار، تحوك وتغزل، لينفذ عنصر لها هنا فيستحكم، ويتوغل آخر هناك ينخر ويهدم…

    وبعد، فإنَّ هذا العجز والإخفاق يبقى هو النصف الأهون من البلاء، والجانب الأقل سوءاً من المأساة، إذ يذهب الآخر إلى التردد في أصل معرفة الخطر والاعتناء بالضرر! قبل تشخيص مصداقه وتعيين مورده، فيعجز بعضهم، عن فهم حديث الرضا عليه السلام: “إنَّ ممن يتَّخذ مودَّتنا أهل البيت، لَمن هو أشدُّ فتنة على شيعتنا من الدجال”! فيسأل الراوي: يا بن رسول الله بماذا؟ قال: “بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل، واشتبه الأمر فلم يُعرف مؤمن من منافق”… يتحرَّك “عالم دين” في علاقاته وارتباطاته، مُعرضاً عن هذا الحديث الشريف، وطائفة من قبيله، لا يرى غضاضة في تقريب منافقين وجعلهم حاشية، ولا بأساً في اتخاذ حزبيين منحرفين بطانة ووليجة، يتجاهل ما يضمرون لثقل المذهب وحصنه المتمثل بالحوزة، ويتغافل عما يكيدون بمحور الطائفة ورأسها الناهض بالمرجعية! فيعين ـ أراد أم لم يُرِد ـ على اللبس، ويشترك في الإغواء، ويُخفي على الشيعة الدجل والدجالين، ويخلط عليهم الحق بالباطل، فلا يُعرف المؤمن من المنافق! عندما يعجز “عالم دين” عن تشخيص خطر الضلال المندس في الحوزة، المتوغل وراء أسوارها، المنتحل هويتها، المرتدي ثوبها، ويقدِّم مصالحه الشخصية أو العائلية، وكذا الأعراف الاجتماعية، فيوقِّر المبتدع ومَن يلحق به، ولا يحسب في الترويج لكتب فضل الله وحب الله والحيدري والخشن، ومن لفَّ لفهم، خطراً أو تهديداً، بل يعمد لتعويمهم وإعادة تسويقهم، بعد أن بذل المؤمنون المجاهدون، وأساتذة الحوزة، ومراجعنا العظام، جهوداً مضنية، وتحمَّلوا كُلفة باهظة، في سبيل تعريتهم، فنبذهم وإسقاطهم… فهذا يعني أننا أمام معضلة كبرى تتطلب وقفة قد تطول، ومعالجة قد تؤلم.

    فمن غريب الأمر وعجيب الحال، درجة الثقة بالنفس، والجزم والبت الذي ينطلق منه هؤلاء في قراراتهم ومواقفهم، سواء من الحوادث أو الأشخاص، وما يفضي إلى التموضع الخاطئ، وفي أحسن الأحوال إلى السلبية المريضة والحياد القاتل… ينطلقون في آرائهم ويمضون في قراراتهم وكأن نافذة قد فتحت لهم على الغيب، فانكشفت لهم الحقائق واطلعوا على الوقائع، تحسب أنهم يستمدون من اللوح المحفوظ، ويقرؤون في مصحف فاطمة عليها السلام! والحال أنه يتلقى من كبر وغرور، ونرجسية يعيشها المبتلى، ما زالت ـ مع كل قرار خاطئ وتشخيص ظالم ـ تأخذ صاحبها إلى دركات جديدة وهوَّات أكثر عمقاً وأشد ظُلمة، وإلَّا فهو التهتك والمجون الخفي، الذي يستخف بالدين ويزدري خطْبه، فتهون عنده حرُماته ومقدَّساته وحدوده، وتراه يعيش قشرية وضحالة تحفظ ظاهره فحسب!

    في مقابل هؤلاء المندفعين المتشيطنين، أعرف، على سبيل المثال، عالماً جليلاً من آل الحكيم، يذكر أنَّ دعاءه الدائم، وحاجته الحاضرة الملحَّة، هي أن يكفيه الله الانخداع بالدجالين، ويكشف له خبيئة المخادعين، ويصرف عنه المنافقين الذين يتظاهرون بالورع وسلامة النهج، ويزعمون العمل للمذهب والدين، وهم في واقعهم أشرار خبثاء، يلاحقون مصالحهم ويتبعون منافعهم. ولفرط إخلاص الرجل وصدقه، وشديد معاناته بعد إدراكه الخطر، ثم لوقوفه على عجزه وخلو ذات يده عن أسباب معرفة الحوادث والرجال، تراه يقع موقع الإجابة من الدعاء، قد جعل الله له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، فتراه يتمتع بسداد قلَّ أن تجده في أقرانه، ووهبه رؤية واضحة للفتن والبدع التي تعصف بالساحة، ووفَّقه لمواقف صلبة من أربابها، لا يسمح لنفسه ومكانته أن تكون مطية لهم، ولا لاسمه وعنوانه جسراً يعبرون عليه إلى مآربهم. وهناك ـ بطبيعة الحال، غير هذا السيد الجليل ـ شريحة عريضة من ذوي البصائر، وإن غلبهم العجز عن التأثير في القرارات العامة والمواقف المصيرية للأُمة، إلا أنهم رجال الله وجنود الحجة وحصون الإسلام الحق، القائمون بالدفاع والرد، والعاملون على استنقاذ أيتام آل محمد عليهم السلام وإرشادهم.

    بعيداً عن العموميات والخطابيات، وما يراعي الاعتباريات، ويخضع للمجاملات ويلتزم الأعراف (وبعضها جاهلية!)، فإنَّ الهوية التي تميز الفقيد السعيد السيد محمد سعيد عن غيره من الأعلام والأعاظم، واضحة جليَّة، بيِّنة الحدود والمعالم، رسمها الرجل في حياته نموذجاً فريداً من نوعه، جمع الصمود والجهاد بأقصى درجاته وأتمِّ مراتبه التي سطرت ملاحم مقاساة التعذيب والارتهان في السجون، إلى جانب مقولة رفض الثورة ومنع القيام قبل الظهور الشريف! وجمع الأصالة والنهج التقليدي إلى مواكبة العصر في طرح مؤلفات قـيِّمة بلغة سلسة تخاطب عامة المؤمنين، ولا سيما الطبقة المثقفة، ومضى في المعلم الثالث بعزم وصلابة سعت إلى إعادة مكانة الحديث، وإحياء دوره في بناء المعارف الدينية، مع نبذ الفلسفة والأخذ من غير المعدن الصافي والعين الكافية الوافية لآل محمد عليهم السلام.

    والسيد الأشكوَري، بما يعنيه ويعمل له في الخفاء والعلن، من ترويج للفلسفة ومناداة بالحداثة ودعوة إلى “الحركية الإسلامية”، وتبنٍّ لمختلف سياسات ومفردات المشروع الإيراني الداعم للضلال والقائم على المضلين، يمثل الجبهة المقابلة لهوية السيد الحكيم، والصورة المعاكسة للعناصر التي تكوِّن شخصيته العلمية وسيرته العملية. وهو ملتحق بمعسكر ومنخرط في جبهة، تكافح بكل ما وسعها من مكر وبأس وسلطة، لتسقط الحوزة العلمية الحرَّة المستقلة، وتلحق النجف الأشرف بالمعتقل الذي ترتهن فيه قم المقدسة!.. ثم تراه متربِّعاً على المقاعد المتصدِّرة في مؤتمر تكريم السيد محمد سعيد الحكيم، وتجده فاعلاً في الغرف الجانبية لأعمال المؤتمر! حتى يصدر البيان أو التقرير النهائي لأعمال المؤتمر باللغة الفارسية، بما يظلم السيد الفقيد ويبخسه حقه، ويسلبه أهم معالم هويته، وليس المراد القومية بطبيعة الحال، ولكن الحوزوية الأصيلة مقابل السياسية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية!

    لست أدري من الذي دعا هذا اللوث، وصنع ما يشكِّل استخفافاً بشخصية السيد الحكيم ورسالته… هل هي سذاجة بعضهم، والدخول في لعبة الكسب والإرضاء على حساب السيد الفقيد، أم هو جري على ما سبق من بسط يده على أخطر موقع للتبليغ الديني في العراق، الذي يواكب زيارة الأربعين، بأعداد تبلغ آلاف المبلغين، وميزانية خيالية من أموال الخمس أو الوقف؟! ترى أين هو الخرق والخلل، في المرجعية أم إدارة العتبة الحسينية؟ إن قوة المرجعية وعزتها وشرفها هو في رضا المولى صلوات الله عليه عنها، الذي يكون بأداء دورها في ردِّ الأباطيل وكشف الزيف وتبصرة أيتام آل محمد، وفيهم مَن تغويه زيارة عائلية، وتطمس عليه الحقيقة مجاملةٌ اجتماعية… وكان الجدير بالعتبة الحسينية أن تقتدي بالعباسية التي تعيش وعياً متميزاً تجاه النفوذ الإيراني، وتبدي تحسساً أصيلاً صنع حاجز صدٍّ حال دون كثير من التوغل والاختراق، بينما بقيت العتبة الحسينية مسرحاً للنشاط الإيراني، عبر حزب الدعوة وغيره!

    لا أحد ينادي بحمل هراوة يخبط فيها المرء كل من يقف في طريقه، ولا سوط يلسع كلَّ من يريد أن ينمي علاقاته وارتباطاته ويحسِّن وضعه الاجتماعي ويؤمن مستقبله السياسي، ويرفع رصيده لدى هذه الدولة وتلك، ويتقرَّب من هذا الحزب وذاك التيار، أو عند الحمل على الصحة، يعمد لما يأمن كيدهم ويكف عن نفسه شرهم… ولكن ليدفع لهذا الاستثمار ويبني هذا الوجود من حُرِّ ماله، وخالص طاقاته وإمكانياته، لا من العتبات المقدسة والمرجعية المعظمة، فهذه “أملاك” المذهب والطائفة، لا الشخص والعائلة.

  • تعني السلام عليك أيها القائد، الآمر… وفي الاصطلاح العسكري، هي تحية و”تتميم”، إعلان حضور وجاهزية، واستعداد لتلقي الأوامر وتنفيذها، قد يقابلها بالعربية: “لبيك”، أو كما في العسكرية الدارجة: “نعم سيدي”. وهو عنوان شاع مؤخراً في إيران، وراج في مختلف شرائح المجتمع وقطاعاته، وبلغ في الخامس والعشرين من شوال، ذكرى وفاة الإمام الصادق عليه السلام، الذروة والقمة، التي تحققت في حشدٍ بلغ مئة ألف نسمة ملؤوا مدرجات ملعب آزادي في طهران، تداعى لإقامته تلاميذ المدارس من مختلف المدن والمحافظات، تقاطروا في حافلات أعدَّتها الحكومة لنقلهم. والعنوان التحية، والنداء التلبية: “سلام فرمانده”، هو عمل فني من إنتاج فريق التعبئة الطلابية التابع لقوات حرس الثورة (الطلائع)، جاء على لسان جيل التسعينات (حسب التقويم الفارسي، وهم الأطفال أو الفتيان والفتيات الذين يبلغون سن المراهقة اليوم)، بعد أن تجاهل النظام أجيال الستينات والسبعينات، فتلقفهم الإعلام الغربي، واحتضنتهم الثقافة المعادية للجمهورية الإسلامية، فكانوا وقود المعارضة وعناصرها الفاعلة، سواء في جبهة التواصل الاجتماعي والنطاق الافتراضي، أو في المظاهرات والاضطرابات الميدانية. ما حمل النظام على إعادة النظر في استراتيجيته الإقصائية، وعمل على تغييرٍ يستدرك انحسار الغطاء الشعبي وتراجعه إلى أدنى حدود منذ انتصار الثورة. فكانت إجراءات وخطوات، ذهبت أُولاها في اتجاه لمِّ الشمل ورأب الصدع وترميم البيت الديني، الذي هتكه النظام من قبل بأفكاره الحداثوية، فشنَّ حرباً شعواء على الشعائر الحسينية، وأخضع الحوزة والمرجعية للدولة، وصيرها مؤسسة حكومية، وغيَّر المناهج فيها بما حوَّلها إلى أكاديمية، يريد أن يقطع الطريق على تربية علماء مستقلِّين، وظهور فقهاء حقيقيين ينافسون الفقيه الولي، أو يشكِّلون، بمحض وجودهم، تحدياً يتهدده!

    بدأ القوم باستمالة البيت الإيماني، واحتواء النشاط الولائي، وقُل إن شئت الركوب على صهوات جياده… شرع في حركته بابتداع ما عُرف بـ”عزاء الشور”، وإنشاء هيئات حسينية تنافس التقليدية الموروثة، وتصادر مواقعها لصالح هذه التجديدية المُحدثة التي تموِّلها وتديرها، من قريب أو بعيد، عناصر خفية تابعة للنظام (بدأ بعضها يسفر عن وجهه، ويكشف هويته ويجاهر بدوره)، وراحت تغالب الهيئات التقليدية في دعواها، وتقطع عليها سبيل الاحتجاج، فهي تقيم الشعائر وتمارسها بتركيز أشد وإغراق تقصر عنه المنافسة! فظهروا في الجزع ومظاهره “ملكيين أكثر من الملك”، ومجيدين أكثر من أرباب الصنعة المتمرسين، والخبراء الضليعين، والسابقين الأولين!.. وها هو النظام يُتبِع خطوته الأُولى بثانية تطال العقيدة المهدوية، فكانت “سلام فرمانده”. وهي أُنشودة تستنهض الإمام المهدي عجل الله فرجه، تدعوه وترجوه، أن يُنهي غيبته، تحمل خطاباً دينياً سياسياً، يمرُّ على “الخامنئية” بذكاء، ويأخذ المؤمنين إلى المهدوية عن طريق الجمهورية الإسلامية، يسوقهم بلطف لينتهوا إليها، كعتبة وبوابة ـ كما هو المفترض والظاهر من الأمر ـ تفتح على العهد الموعود والفرج المنتظر. وخلافاً لما عُرف من إعلام القوم، والسائد في أدوات الثقافة التي يروِّجون، تتحرَّك الأنشودة ـ هذه المرَّة ـ بمضامينها، بعيداً عن التعسف والإملاء المعهود، نائية عن الزهو والاعتداد المشهود، فلا حدَّة وغلظة تنبذ غير الموالين للجمهورية، وترتاب في غير المنخرطين في أحزابها، ولا كبر وطغيان يتبجَّح بالسلطة ويستعلي بالقوة! وبعد هذا وذاك، وعلى أي حال كان تقدير أداء الأُنشودة وواقع رواجها، فهي جرعة مركَّزة، ولغة لمادة ولائية أصيلة (المهدوية)، طالما كانت مغيَّبة عن أدبيات “الخامنئية”، وغريبة في فضائها، ما زواها عن الدور العقائدي الفاعل، لصالح الانخراط في النهج الثوري، وأقصاها عن الحضور الوجداني، حذر النيل من مكانة القائد الميداني! وفي العموم، فإن الخطاب والفكر الخامنئي، المستمد من علي شريعتي و”الإخوان”، الغارق في الإسلام العام، المتَّخذ سمته من القرآن والأحكام، المتنكِّب رداء الجهاد، العامل على ترسيخه كهوية مقابل الولائيين المهدويين أو “الحجتيين”، لم يكن ليلتفت يوماً إلى “غائب عن الساحة”، ولا ليرسم موقعاً لمقام غيبي “غير حاضر أو فاعل” في الشأن العام!

    الأنشودة ناجحة بامتياز، وقد جمعت إلى لحنها السلس السائغ، وكلماتها العميقة البليغة، مسحة بساطة وعفوية، لعلها أتت من لسان حال صغار السن، وهي تحكي حالهم في الشكوى والدعاء، وتحمل خطابهم في الاستعداد للتضحية والفداء… وقد صبَّ النظام طاقاته وجهوده لأقصى استغلال، ووظَّف مؤسساته الإعلامية والتثقيفية والتعليمية، ليصنع منها حالة شعبية، عبأ لها عشرات آلاف الأطفال في مختلف المدن، ينتظمون في صفوف شبه عسكرية، تحوم من فوقهم “درونات” التصوير، تلتقط المشاهد الانفعالية العاطفية، وتسلط الأنظار على طفلة تجهش في البكاء وهي تتضرَّع لربها وتتوسَّل بإمامها، وأُخرى ترمق الأُفق بنظرة حالمة، وطفل يؤدي التحية العسكرية، وتعود الأكف الصغيرة لترتفع بالدعاء والاستجداء، وتعكس كل ما في الطفولة من براءة ونقاء، يُنسي، أو يتجاهل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والتردِّي المعيشي الذي يُشعل فتيل انفجار عام، سوف يُسقط النظام.

    مع هذا وذاك، يقرأ المراقبون، ولا سيما ـ هذه المرة ـ المتديِّنون الولائيون، وتذهب تقديراتهم أنَّ النظام سيفشل هنا ويخفق كما فشل هناك في مسعاه الأول وأخفق، فهيئات “الشور” أذكت الشعائر ونشرتها في أوساط سعى النظام لتغييبه عنها، لتأتي التقليدية لتتلقفها، ويعود العزاء النمطي ليجني ويحصد، فقد ذهب العبث، وثاب الحسينيون المخلصون إلى رشدهم وطُويت الظاهرة، أو هي في طريقها، وهم في طريقهم إلى ذلك، فالشاب الغيور الذي أخذته الحمية المذهبية يوماً وغلبه العشق الحسيني حيناً، سيعود من جولته الحماسية إلى داره، ويبيت من جديد في فراشه، ولن يُخدع بتخت عريض وسرير فاره!

    هكذا سيرجع هذا المسعى المتقمِّص قضية المهدوية في عائده، ويصبُّ في مردوده لصالح الأصالة الولائية، وتكون الفكرة والعقيدة المغيبة قد توغلت في أوساط طالما حُجبت عنها، وقد خاضت بوجدانها الطاهر التجربة، وتلقَّت ما لامس النجابة فيها، وأهاج الفطرة منها، لتُبنى جسور الوصل من جديد، ويعيش المؤمنون غيبة إمامهم معايشة حقيقية، ترفعها إلى مقام القضية الأُولى في حياتهم.

    إن اقتحام النظام الإيراني الميدان الولائي وتسوُّره الساحة العقائدية للشيعة، في أخطر عناوينها، أي المهدوية، بعد محاربة الشعائر الحسينية (المباشر بحظر التقليدي ومنع الأصيل وملاحقة أبنائه بالتضييق والتنكيل، ثم إطلاق البديل عبر بدعة مستحدثة تحاكي الراب الغربي)، والاستيلاء على الحوزة العلمية وبث الفوضى في المرجعية، وكذا تمييع معالم التشيُّع عبر خلق التداخل والخلط في مفاهيم “الإمامة” و”الولاية” وغيرها… لن يعينها على أهدافها السياسية، ولن يسعفها وينقذ إفلاس خطابها الأصلي. فرفع وممارسة عناوين الجهاد ونصرة فلسطين ومقاومة إسرائيل ومواجهة الاستكبار العالمي، لم تبلغ بالفقيه المدَّعي الولاية التي ينشدها ويتطلَّع إليها، وبقي السيد القائد في إطاره السياسي، وبقيت قدرته مستمدَّة من الدولة والجيش والشرطة والمخابرات، وعموم أذرع القوة وشُعب البطش والاستبداد، ولم تبلغ يوماً المرجعية الدينية، والسلطة الروحية.

    الخامنئي القادم من غير مدرسة، من الحركة الإسلامية، من رحاب الفكر العملي الجاف، الذي ينبذ الغيب، ويقف على ضفاف الخشونة الحسية والجلافة المادية، لا يمكنه أن يعيش فضاء دعاء الندبة والعهد، ولا أن يستحضر حال المولى في زيارة الناحية! إن المهدي الذي كان في ثقافتهم غير المعلنة، المضمرة المسكوت عنها، أو حتى الصريحة في أوساط النخب السياسية والحركية، التي تسخر من الدعاء سخريتها من البكاء على سيد الشهداء، وتنظر إليه كقاعد متخاذل، يشهد الظلامات التي تقع في فلسطين، ويحضر تفرعن الاستكبار وجبروته فلا يقوم ولا ينهض، ولا يحرِّك ساكناً… هذا “المهدي” لن تغيِّر صورته أُنشودة، ولن يعود ليحتل في أرواحهم مكانته التي زوي عنها، عبر تكتيك سياسي، لسبب بسيط، هو أن القوم ليسوا أبناء الحقل والميدان، لا يحسنون حرثه ولا يجيدون زرعه، حتى إذا جاءهم الغرس من تلقائه، ووافوه من موروث تراثه، فلن يتمكنوا من رعايته… هذه تربة لا يعرفونها، كما لا نعرف نحن السياسة والتواءاتها، فالدخول في الشعائر وفي المهدوية وما إلى ذلك من ولائيات، هو توغل منهم واقتحام، لأنهم غرباء في واقعهم عن هذا الفضاء. من هنا تراهم وقعوا في خطأ فادح جعلهم في بؤرة البلاء، ذلك لما أساؤوا توقيت مهرجانهم، وجعلوه في ليلة وفاة الإمام الصادق، رئيس المذهب وعنوان الجعفرية! وبينما كان الحزن يخيم على الحوزات والمدن الإيرانية، راحت الحشود في ملعب آزادي تتغنى بالنشيد، آخذين في التصفيق والصفير، ومظاهر الفرح، والعالم الشيعي غارق في البكاء واللطم والعزاء.

    وأقتبس هنا من صفحة السيد عبدالصاحب الهاشمي، أحد الوعاظ الفضلاء: “إن إجراء أنشودة سلام فرمانده المصحوبة بالمعازف، وأجواء البهجة والسرور في ليلة استشهاد الإمام الصادق عليه السلام، هو هتك للمقدسات… تأكدوا أن عزف الموسيقى، والتصفيق والصفير والنفخ بالبوق، والتمايل في حركات موزونة على إيقاع، لن يحقق شيئاً في أمر تعجيل فرج الإمام، ولن يحظى برضاه. لا يمكن جذب الناس وربطهم بإمام الزمان عبر هذه الطرق الخاطئة”. وهذا السيد لا يُعَدُّ من أعداء النظام، ولا يصنَّف في خصوم الجمهورية الإسلامية.

    سيورق عشق المهدي في قلوب جيل التسعينات ويزهر، ثم يثمر، وعندها سينقلبون ويثورون على أدعياء الولاية ومتقمصي المهدوية، وسيعرفون من هو الآمر والقائد (فرمانده) الحقيقي.

  • الأمر في الشأن السياسي يختلف عنه في غير شأن، القضية هنا ليست أكلة تستسيغها أو تمقتها فتمجُّها، ولا لوحة فنية تُعجب بها فتنجذب إليها، أو تستقبحها فتنفر منها، ولا هي قصيدة تستعذب أبياتها وتنبهر بمعانيها، أو تنقبض من فسادها ويزعجك نشازها، ولا منظراً تهش لجماله أو تكره بشاعته وقبحه، أو أي شيء شخصيٍّ خاص من هذا القبيل، مما يعيشه المرء من معطيات حسِّه الراقي المنيف، أو السوقي المبتذل، وذائقته السوية السليمة، أو الغثة السقيمة… ففي عالم السياسة،كل فعل وقول وحتى صمت، بل كل خلجة نفس ونية وعزم، لخير أو شر، أصابت الواقع أو طاش سهمها عنه، سترفد المشهد الأُخروي لصاحبها وحاملها، وترجِّح كفة الحسنات أو السيئات في ميزانه، تدرجه في الأبرار الناجين، أو تلحقه بالفجَّار الهالكين. “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، “يا بني إنها إن تكُ مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها الله”! حتى إذا جاءت سكرة الموت، ونُفخ في الصور، ووُضع الميزان، وأوتي الشقي كتابه بشماله، أشفق مما فيه وقال: “مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها”؟ ولا ينحصر هذا بالمحرمات والنواهي الشرعية المنصوصة، من كبائر وصغائر وسائر المعاصي المعروفة فحسب، بل يطال، في ما يهمله الناس ويغفلون عنه، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، كل موقف سياسي، وفي هذه المواقف ما يبلغ أعظم الكبائر وأخطر الجرائم!

    في الحديث الشريف عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “إنَّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدْر مِحجمة من دم، فيقول: والله ما قَتلت ولا شركت في دم. قال: بلى، ذكرت عبدي فلاناً فترقَّى ذلك حتى قُتل، فأصابك من دمه”. وعن أبي عبدالله عليه السلام: “يجيئ يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب. فيقول: يا عبد الله مالي ولك؟ فيقول: أعنت على (عليَّ) يوم كذا وكذا بكلمة، فقُتِلت”. وعن النبي صلى الله عليه وآله: “لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل مسلم قيدوا (من القوَد، وهو القصاص) به”… هذا في الأقوال والوشايات، فهل يسري الأمر إلى المواقف السياسية والاصطفافات الحزبية التي تفضي إلى القتل؟ هل يشترك المرء في فعل الجاني ويتحمَّل جريرته بمحض تأييده وتشجيعه والشدِّ على يده ومباركة فعله؟ تُرى كم يشترك عامة المؤمنين في وزر الدماء المسفوكة ظلماً، حين يؤيدون مَن أسالها، ويمضون أسباب إراقتها، ويدعمون بواعث وقوع المجازر التي تجريها؟ هل في الرضا بالأداء السياسي الذي يفضي إليها إثم وعقاب؟ هل في موافقة النظام الحاكم الذي يقف خلفها، أو يتسبب في وقوعها، جهلاً منه وحماقة، أو بدائية وتخلُّفاً سياسياً، تبعة أُخروية؟ فيأتي آلاف الشهداء بمحاجم الدماء، أو يلطخون بها وجوه هؤلاء، قائلين هذا نصيبكم مما نالنا ونزل بنا؟! ولا سيما الذين يبرِّرون للمتسبِّب في قتلهم، ينهضون باحتجاجه ويدافعون عن نظامه؟!

    الموقف في عالم السياسة ضرب من الشراكة المتضامنة، المعمول بها في عالم الأعمال والتجارة، يتحمَّل الشريك المتضامن التزامات الشركة، مما يمتد لديونها، فعليه سدادها من ماله الخاص، إن لم تف حصته في الشركة!.. وهنا يلحق الأعوان والأنصار، ناهيك بالمحازبين والمنتسبين العاملين في صميم الجسم السياسي، دولة ونظام حكم كان، أو حزباً ومنظمة وجمعية، أو غير ذلك من الكيانات والتيارات والتكتلات.

    هناك تحليل سياسي وقراءة تذهب إلى أنَّ الأداء الإيراني الموغل في المكابرة والعناد، الجامد على الشعارات، والمتصلِّب في بعض المواقف، دون أُخرى، تراه يتميَّع حتى زوال الهوية في شعائر الدين ومعالم المذهب، ثم يتشدَّد في السياسة إلى درجة التجمُّد والتحجُّر، حتى بات عاجزاً عن التطوُّر، ومواكبة أي تغيُّر يعيشه العصر ويقتضيه الظرف، قاصراً عن تفهُّم أي معطيات جديدة غدت تحكم الواقع وترسم شكلاً جديداً له!،، هذا الأداء المتخلِّف، الغارق في التباهي والاستعراض، هو الذي قلب استراتيجية القوى العظمى التي تتحكَّم في العالم، وعلى رأسها أمريكا، وغير سياستها في المنطقة، من عداء القاعدة وطالبان وعموم التكفيريين (مما كان بعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر)، إلى عداء الشيعة وتضييق الخناق عليهم! والشواهد هنا كثيرة لا تخفى، آخرها الانسحاب الأمريكي “المفاجئ” من أفغانستان! بل وتسليمها البلاد والحكومة هناك لطالبان، لتعيد غرس الخنجر في خاصرة إيران، الدولة المارقة بالشغب والعصيان. ولو وسع أمريكا أن تطبق بفكيِّ الكماشة، وتلحق الجبهة الشمالية العليا بالجنوبية السفلى، فتعيد العراق للبعثيين، وترجع الحكم للأقلية السابقة، لفعلت دون ترديد، بل لما أبت أن تسلِّمه حتى لداعش والتكفيريين… لكن حكمة السيد السيستاني وعميق تدبيره، والعقلانية المشهودة في طبعه وأدائه من جهة، والدور الفاعل للشعائر الحسينية، ولا سيما الزيارة الأربعينية، وظهور دور العتبات المقدسة، في صبغ العراق بالهوية الشيعية من جهة أُخرى، فرض واقعاً لم يمكنهم تجاوزه، وحال بالتالي دون المصيبة والبلاء!

    إنَّ الإصرار على النهج الثوري الأجوف، والأداء السياسي العقيم، وسلسلة الفرص الضائعة المهدرة، والمواقف والقرارات التي شكَّلت أخطاءً قاتلة، هو الذي انتهى بإيران إلى طريق مسدود، وقاد إلى المواجهة مع أمريكا وتحدِّيها، وهو ما أفضى للحصار الذي يخنق الشيعة، ويفسح لإعادة تعويم الإرهاب التكفيري. والسؤال الكبير الذي يجب أن يقض مضاجع ساسة إيران وشركائهم، من رجال الأحزاب التابعة لولي الفقيه في البلاد العربية، أو عموم المؤمنين المنساقين مع هذه السياسة: هل سيلطخ الأطفال الهزارة، القتلى في مدارسهم غرب كابل، والمؤمنون المصلون في مساجدهم هناك، وجه الحاكم والقائد الذي رسم هذه السياسات، وخطَّ هذا النهج؟ ومعه وجوه أنصاره والمتضامنين معه في مختلف البلاد، وقد أفضت لهذه النتائج القاتلة!؟

    الإخوة الذين يدافعون عن الجمهورية الإسلامية ويبررون لها وينهضون باحتجاجها، هم أحرار في مواقفهم الآن، لهم أن ينصروا مَن يشاؤون، بالفعل والقول والبذل والدعاء، وحتى بالنيات، لكنهم سيكونون شركاء في الحساب غداً. وعلى جميع الأشخاص والشخصيات، والجماعات والأحزاب، التي تمجِّد قرارات القائد وتعظِّم شخصه، وتحول ـ بنحو  وآخر ـ دون انتقاده، وتقطع أي سبيل لنُصحه وتقويمه، تصوِّره مُلهماً مقدَّساً، ما يغرقه في الخطأ، ويركسه في الفتنة، ويغرسه في التيه، حتى صدَّق التعس كما روَّجوا وأشاعوا، أن أقواله وحي يوحى، وأفعاله تسديد إلهي لا يخطئ ولا يزل… هؤلاء جميعاً هم شركاء له، محاسَبون معه يوم القيامة.

    كل مقالة وموقف، كل استدلال وتبرير، كل مدح وإطراء، يُلحق أوراق إدانة جديدة في إضبارتهم الثقيلة، التي ستوافيهم في المحشر وهم يستلمون كتبهم بشمالهم. وبعد الدماء، سيُسألون عن الفقر والجوع والمرض والفساد، وعن مئات المليارات التي ضاعت بسبب أخطاء إدارية فاضحة، أو سياسات اقتصادية قاصمة لظهر الدولة والشعب، التي يتحملها الحاكم ويضمنها… هناك حزبيون وعمال وموظفون وأُجراء، يحظون بشيء من الغُنم، ينالون من الجمهورية الإسلامية مالاً وجاهاً وشهرة، وغير ذلك من حطام الدنيا، ما يغشيهم عن الالتفات إلى الخطر الذي صاروا فيه، والقعر الذي هووا إليه وباتوا يقبعون فيه، يصمُّهم ويعميهم، ثم يبكمهم ويخرسهم فلا ينطقون بكلمة حق، يمضون بلا هدي، مكبين على وجوههم، لا يلتفتون إلى ناصح حريص، ولا يصغون إلى مرشد شفيق، وهي حالة معروفة في النوع، منتظرة من هذا الجمع… ولكن المؤلم المحزن، والغريب العجيب، هو حال البيئة والحاضنة، التي تحتطب على ظهرها، وتتطوَّع لحمل أثقال غيرها مع أثقالها،،، تدفع الغُرم بلا أي غُنم!

    وفي قصص العرب أن فتاة زُوِّجت وهي صغيرة، فحملت، فلما ضربها المخاض، ظنت أنها تريد الخلاء! فبرزت إلى بعض الغيطان، فولدت، فصاح الوليد وبكى، فانصرفت تظن أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هناة، هل يفغر الجعر (العذرة المتيبسة) فاه؟ فقالت: نعم، ويدعو أباه.

  • بعد الذروة القصوى والمرقاة الأعلى، المتمثلة في الوحي المُنزل والقرآن الصاعد، كتاب الله وحديث أئمة الهدى، ومواضع تجليات الحق، التي تدك الجبال وتهدُّها، ويخرُّ لها الأنبياء مصعوقين… فإنَّ بعض الأقوال البشرية، من فرط ما تستلهم من الحق وتحمل الرشد والصواب، ولشدَّة ما تعيش من الكمال وتتمتع بالجمال، تلحق بتلك من طرف، وتحوم في ذلك الحمى بنحو، فيكون لها وقع عظيم ودور جليل، ولربما حاصل هائل وأثر مزلزل صاعق!

    هناك كلمات أُطلقت وأقوال أُنشئت، ما برحت تغلي في مرجل ظرفها، وتفور في وعاء زمانها، فيضيق عليها ويعجز عن احتوائها، حتى تفيض وتسري، تنبعث متخطية الزمان والمكان، تحمل المجد والسنا، وترفل في التقدير والإكبار، ما تتناقله الأجيال وتنهل منه الأعصار… ولعلها أُنشئت في ساعتها بهدوء، حتى كادت تكون نبساً وهمساً، وتمضي ركزاً، لكنها ما برحت تبعث جلبة، وتورث صعقاً صدحاً، وتُحدث زمجرة وهدَّة. قول لا يقرُّ وكلمات لا تسكن، ما زالت متفاعلة متفجِّرة، كأنها معمعة ميدان وجهجهة حرب، قد يسمع فيها واعٍ أنَّة متوجِّع وشهقة متألِّم، ويتلقَّى عالمٌ درساً عميقاً وحكمة بليغة، وينتزع فقيه حكماً ويستنبط رأياً، ولعلَّ أُذناً سمعتها هتاف استغاثة وطلب نجدة، تشكو المتطفلين على الحق، وتلعن المتسلِّقين المتَّجرين بالمذهب، وتتبرأ من المستأكلين بالدين! ولا يعني هذا فعل المعجزة وخرق العادة، فهناك ـ دائماً ـ أسماع وقرت وآذان صُمَّت، فلا وعت حكمة وأدركت رسالة، ولا شعرت بموعظة ونالت هداية!

    من هذه النصوص التاريخية الخالدة التي ما انفك وقعها يقرع أجراس الإنذار، ويدق نواقيس الحذر من التمادي والانجرار، فالهويِّ والانهيار، حوار دار بين أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وابن عمه رضي الله عنه، متوكل بن هارون ويحيى بن زيد، لما لقيه متوجهاً إلى خراسان، فسلَّم عليه وقال له: “من أين أقبلت؟ قال: من الحج. فسأله عن أهله وبني عمه بالمدينة، وأحفى السؤال عن جعفر بن محمد عليه السلام، فأخبره بخبره وخبرهم، وحزنهم على أبيه زيد بن علي. فقال زيد: قد كان عمي محمد بن علي (الباقر) أشار على أبي بترك الخروج، وعرَّفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه السلام؟ قال: نعم. قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قال: نعم. قال: بم ذكرني؟ خبِّرني. قال: جعلت فداك، ما أحبُّ أن أستقبلك بما سمعته منه. فقال: أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته. فقال: سمعته يقول: إنك تُقتل وتُصلب كما قتل أبوك وصُلب! فتغيَّر وجهه وقال: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، يا متوكل إنَّ الله عزَّ وجل، أيَّد هذا الأمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، فجُمعا لنا، وخصَّ بنو عمنا بالعلم وحده. فقال: جُعلت فداك، إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه السلام أميل منهم إليك وإلى أبيك. فقال: إن عمي محمد بن علي، وابنه جعفراً عليهما السلام دعوا الناس إلى الحياة، ونحن دعوناهم إلى الموت. فقال: يا بن رسول الله، أهم أعلم أم أنتم؟ فأطرق إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال: كلنا له علم، غير أنهم يعلمون كلَّ ما نعلم، ولا نعلم كلَّ ما يعلمون”.

    ما زال الصوت والقول يسري في كل أُفقٍ يدعو للثورة، وفضاء يستنهض الأُمة ويحثها للسعي والعمل لما ينعش حقاً ويدفع ظلماً، ناهيك بما هو أعظم، أي دعوى الرضا من آل محمد. ولكن نداء الثورة الساعة، لا يصدر من عالم رباني وفقيه صمداني، ولا يطلق من لسان ورع مثل يحيى، وقائم لله صدوق مثل زيد، الذي لو ظفر لوفى، ولا حتى من فقيه جامع للشرائط يدعو للدفاع والجهاد، أو يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تختلط من حوله الأهواء، وتتداخل بشأنه الآراء، فلا تدري الأُمة هل أخطأ في تشخيصه أم أصاب؟ هل أحسن التقدير أم أساء الحساب؟.. بل هي اليوم شُبهة ومعضلة تنعقد من نداء يطلقه تيار “الحركة الإسلامية”، وشعار يرفعه سياسيون يستأكلون بالمذهب ويتَّجرون بالدين، ظفروا وبسطت أيديهم إلى حين، فادعوا نيابة الإمام وتنكَّبوا ألقابه وخلعوا على أنفسهم أوصافه!

    وهذا ما يستعيد السؤال، ويلح في طلب الإجابة: هل أنتم أعلم أم هم؟

    وما برح القول يتكرَّر والشُّبهة تتجدَّد، والسؤال يُعاد: لماذا سكت الباقر وصمت، ونطق زيد وصدح؟ لماذا قعد الصادق وسكن، ونهض يحيى وقام؟ ثم لماذا هاج مَن هاج لحرب إسرائيل وتحرير فلسطين، وسكن أو ركد إمام الزمان عليه السلام؟! هل يفوقونه علماً، فعرفوا من أدلة القيام ووجوب الجهاد ما غاب عنه ولم يحط به خبرا؟! هل هم أشد غيْرة منه على الحق والدين؟! أم هم أكثر استشعاراً بمظالم وآلام المحرومين؟! هل تراهم أمضى عزماً وأوسع وعياً ويقظة، فغاب عنه ما عرفوا من أخطار تحيط بالدين ومؤامرات تحاك ضد الإسلام، فهبُّوا ونهضوا وأغفى هو وقعد؟! هل أربت شجاعتهم الفاعلة وفاق بأسهم الحاضر شجاعة وبأس الإمام الغائب؟! هل زهدوا في الدنيا وزخرفها، ورغب بها وطمع؟! هل غلبهم الإخلاص واستحثهم الشوق، وغرَّته هو الحياة الدنيا وأبطأت اللذات!؟ هل طاب لهم ركوب الأهوال وتجشم العناء فنفروا للقتال، وراقت له الدعة والسعة والأمن والراحة، فلحق بـ  “المعذرين” وإثاقل الى الأرض؟!.. قد لا يجرؤون على التصريح بهذا الكفر وإعلانه في منطوقهم، ولكن هذه الأسباب التي يقشعر لهول فرضها العرش، مكنونة في مفهوم رسالتهم، ومخبوءة في مُضمر دعوتهم!

    إنَّ نداء “أ هُم أعلم أم أنتم”، حاضر ماثل في كلِّ فرض وحالة، مرتسم كخلفية تملأ فضاء كلِّ مشهد، وتصرخ في وجه كل صاحب راية! و“الأعلمية” التي ينادي بها، لا تقف عند المعارف الدينية، بل تشمل العلم بفنون السياسة وأسرار الاقتصاد وأساليب الإدارة، ومعرفة التاريخ وسنن الحركة وطرُق التغيير، والإحاطة بمكائد العدو وحيَله، وكل ما يحول دون استدراج بعضهم إلى مستنقعات الطين وبؤر الرمال المتحركة، يغرق فيها ويركس، فيركل ويرمح ويرفس، ويضرب بيديه ويخبط، فلا يزداد إلا غرقاً ورسوباً! إنها إحاطة تقطع الطريق على مواجهات يُستدرج إليها القائد الغبي، تستنزفه وتأخذ طائفته إلى الفقر والحصار، والوقوف على شرف الانهيار، فينشغل السواد الأعظم من رعيته بأوليات العيش، وينصرف إلى ما يسد الرمق دون الهلاك، ويمنع التسوُّل والاستجداء، مقابل أن يستقر ويزدهر، فيتحرى سُبل الكمال، ويأخذ بأسباب التطور والرقي الروحي، وما يسمو به ويحقق الغاية الإلهية من خلقه!

    إنَّ السؤال ـ “النداء”، يستدعي وعياً يدرك خفايا الحرب الإعلامية، وكيف يغذِّي العدو نرجسية قائد مغرور، أحرق مساحة النقد من حوله، وأقصى كل مستشار ينبِّه إلى خطئه، وأحاط نفسه ببطانة تتفنن في مدحه وإطرائه… فيدخل العدو ليدغدغ فجَوات في روحه، ومركَّبات نقص في نفسه، يلعب عليها ويناور، يزرع فيه البطولة أو يوهمه بكمال يتمتَّع به! ثم يروِّج له وينفخ فيه، وإن دفع على ذلك ثمناً زهيداً لا ينال من قوته، حتى ينزل عليها الرجل ويؤمن بها المسكين، فيفخر أنَّ العدو يعترف له بها! وهو يعلم أنه يكذب، بل يعيش الأكاذيب ويغرق فيها، وأنه يسبح في جماعة ويحوم في منظومة قامت على الكذب وتمضي على الدجل!

    لا أحد هنا يريد التصدِّي لموقع تعيين التكليف الشرعي، ولا مصادرة صنعه، أو المغالطة في كيفية استنباطه ورسمه، فينفي أحكام الجهاد والدفاع، ويُيطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يرفع هذا الصوت والنداء ليدين أو يتحفظ على فقيه جامع للشرائط نهض للحق أو أفتى بالجهاد، سواء في ماضي الحوزة من أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد الحبوبي ضد الإنكليز، والشيخ كاشف الغطاء ضد الهجوم الروسي على إيران، والسيد الطباطبائي صاحب الرياض والميرزا القمي في أحداث القوقاز، أو حاضرها كثورة السيد الخميني ضد الشاه، والسيد السيستاني ضد داعش والإرهاب التكفيري. فهذه مواقف وإن تفاوت المحللون السياسيون في تقييمها، لكنها على الصعيد الشرعي والتقييم الديني، تامة صحيحة، كون من أصدرها ونهض بها فقهاء جامعون للشرائط…

    ولكن الموقف اليوم يختلف، فالراية باتت بيد تيار لقيط هجين، يستل أفكاره من علي شريعتي والإخوان المسلمين، ويكتسب مشروعيته من دعوى باطلة، تجاوز عوائقها بمكيدة وحيلة، وشهادات مزيفة، وأرساها بمناورة سياسية أشبه بالانقلاب الذي رفع هذا وأسقط ذاك!.. ليس لهؤلاء أن يقودوا الشيعة، ولا أن يمثلوا الشريعة، وهم يحملون الناس على أكتاف آل محمد، ويأخذون شيعتهم إلى مواجهة انتحارية في سبيل بطولات وهمية… فإذا توقف بصير، وامتنع حصيف، وأمسك حكيم، رُمي بالقعود، وطعن في إخلاصه، بل في حقيقة تشيعه وولائه!

    لقد تهاونت الساحة الإيمانية في دعاوى الاجتهاد والمرجعية، التي تستبطن الأعلم وتصادر موقع من يُستقى منه التكليف، جاملت في هذا وداهنت، وصانعت وضارعت، وها هي تدفع الثمن عبثاً في الدين وضلالاً عن الحق، وخراباً في الدنيا، وكوارث في الحياة الاجتماعية، وانحداراً في الأخلاق.

    ومن حديث الروح لمحمد إقبال: إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحي ديناً…