• كان الموضوع في أصله عابراً، ولم يقدّر أن تكون له تداعيات تذكر، ولا تصوّر أحد أنه سيتفاقم ويصبح كرة ثلج تتدحرج، أو قُل يتحول إلى جرثومة سريعة التكاثر والانتشار تنذر بهدم وسقوط قصر مشيد تكلّف عشرات المليارات، وتقويض جهود مضنية ومكابدات مذلة مهينة استمرت خمسين عاماً…

    هكذا بدأ:
    كوادر عليا من حزب إسلامي صغير، لكنه طموح، يتطلع ـ مستلهماً من مرجعيته ـ ليطرح نفسه كبديل عالمي عن “التشيّع الإيراني” كما يسميه الغرب، وعلى الرغم من سذاجة هذه الرؤية، وكم هي خرقاء، وطبقات الخيال التي تتقلب فيها، فالقوم في حقيقتهم مجرد حزب صغير ومرجعية عائلية متوارثة، لا تعترف بها الحوزات العلمية، ولا يتجاوز حضورها في الساحات الشيعية أكثر من ٢ ـ ٣٪ من مجموع المؤمنين الملتزمين (في تقديرات مستقاة من إحصائيات ودراسات ميدانية)…

    إلا أنهم راهنوا على الصولة الإعلامية التي يتمتعون بها، وجولة العناوين المتكثرة للمراكز والمؤسسات والفضائيات التي أسسوها وأغدقوا عليها بإسراف، وما زالت تنفخ فيهم التيه والغرور وتخلق الآفات والأورام.

    كان ذلك الوفد الحزبي يعرض خدماته على الدائرة الأمنية، أو قل المخابراتية، في وزارة خارجية دولة عظمى، ويرجو في المقابل توفير الدعم الحكومي لفروعه في مختلف البلاد، ولا يعني هذا العرض والبيان اتهام القوم بالعمالة، بل هي فكرة استغلالية وخطوة متحذلقة متشيطنة تريد أن توظف “التدافع” بين إيران والغرب، لتحقق لحزبها ومرجعيته أملاً سابقاً طالما خامرها وحلماً متقدماً كثيراً ما راودها.

    في ذلك الاجتماع المشؤوم قدمت للوفد لائحة مواصفات ومعايير (ستاندرد) وشروط ابتدائية سابقة لكل دعم، لا بُـدّ من توفرها قبل أي تبنٍّ واحتضان… مجموعة قيم ومبادئ تتعلق بالمساواة بين البشر وعدم التمييز والتفاضل من منطلق عرقي أو ديني، والموقف من الأديان الأخرى (ولا سيما اليهودية ومسألة عداء السامية)، وكذا قضية المرأة، وما إلى ذلك، (وفي هذا السياق جاءت كلمة أحد قادة الحزب في مؤتمر حوار الأديان الأخير في ديسمبر ٢٠١٤ الذي عقد في الفاتيكان وداس فيه التعس على شريعة جده وأمضى شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان!)…

    وكان مما طولبوا به وأُلزموا: نفي العنف وإدانة جميع أنواعه، والتبري منه في الفكر والممارسة على السواء، ولم تقوَ احتيالات القوم على الصمود أمام نصوص قرآنية ومسلّمات عقدية وفتاوى فقهية تناقض هذا الأصل والأساس الذي لا يسمح دونه للإدارة هناك بدعم ومساندة أية حركة تحرر في العالم.

    ومما وُوجه به الوفد أن دينكم يبث الكراهية ضد اليهود والبوذيين والهندوس ويحتقر الكفار ويراهم أدنى طبقة ودرجة من المسلمين، وكذا المرأة، وتحفظوا على بعض أحكام الحدود والقصاص، والإيمان برب من أسمائه “المنتقم”، والتبشير بإمام سيقوم بالسيف، ويؤسـس دولته على إبادة أعدائه، بل نبش قبور أسلافهم والانتقام منهم بعد إعادة الحياة إليهم وصلبهم!

    خرج الوفد من اللقاء بوعود وتعهدات، تلتزم إصلاح البنية الفكرية والعقدية للحزب، محورها نبذ العنف والقوة، وبث “الحب والحياة” شعاراً وثقافة في أوساطه، وخطاباً ينشر في مجتمعاته.

    في هذا السياق جاءت مهزلة “عبير الرحمة”، وهو كتيّب صغير في حجمه وقدره، متهافت في محتواه، هزيل في استدلاله، ركيك في احتجاجه.. لكنه مع كل هذا التردي والوهن خلص إلى ما يقلب الفهم الشيعي في أمر قيام المهدي عليه السلام إلى ما يقرب من الرؤية والعقيدة السـنّية!

    ولما كان الأمر عقائدياً، ينذر بخروج الشيعي من دائرة التسليم المطلق لإمامه، إلى وضع أُسس ومعايير يحاكِم بها المأمومُ إمامَـه، ثم يحكم عليه (هل سيقوم بالسيف وينهض بالقوة أم بالدعوة والموعظة والحسنى؟ هل هو عنيف أم مسالم؟ هل يرحم أعداءه أم ينتقم منهم؟ هل سيثخن فيهم قتلاً أم يرسلهم طلقاء كما فعل جده؟)! ويغدو ناظراً ـ والعياذ بالله ـ عليه، لا تابعاً له ومنقاداً إليه! وهي حالة حذرت منها الروايات وتنبأت بأن قوماً من أتباع المهدي عليه السلام ينكصون عن بيعته ويتخلون عن نصرته بذريعة النقمة وعدم الرحمة في سيرته… ونحن أمامنا ـ عند الظهور الشريف (القيامة الصغرى) ـ مواقف مهولة ومشاهد مرعبة وأحداثاً يهتز لها ويتزلزل كل مذبذب مُعار الإيمان لا ثابته، مستودَع العقيدة لا راسخها، ولا ينجو إلا من نشأ وترعرع على التسليم المطلق، وترسخ فيه الأمر عقيدة لا تنال منها فتنة ولا يطالها إغواء وتغرير، ممن لا يقول: لم وكيف وما بال؟! ولا يتساءل: فيمَ وعلام ولماذا؟!…

    لذلك انبرى جملة من العلماء الأجلاء، في طليعتهم السيد إمام الجزائري دام ظله والسيد هاشم الهاشمي حفظه الله لرد الشبهة وتصحيح العقيدة، وهكذا عمّ الوعي الساحة الإيمانية بحمد الله وفضله، حتى نهض المؤمنون من النخبة المثقفة الغيورة بالدفاع عن دينهم وإمام زمانهم، فصدرت أخيراً سلسلة “عبير الانتقام” للأستاذ حسن يوسف، وقد أحسن فيها وأجاد.

    لكن المأساة ما كانت لتتوقف!..

    ما زال القوم في حيلة والتفاف، يخرجون من مطب ليسقطوا في حفرة، يجتازون حاجزاً ليهووا في واد.. يزيفون الأقوال ويحرّفون الكلام، يحوّرون الآراء ويقلبون المقولات، يدسّون ويزيدون، يجتزئون ويقتطعون، يغالطون ويصادرون، ثم يعاندون ويكابرون!

    وما زال الأمر يتفاقم فيهم ومعهم، كملسوع يسرع الحراكُ سريان السم وانتشاره في بدنه، وكحافر الحفرة في عسر خروجه حتى دفنه وطمسه ورمسه!

    وإن أثبت هذا شيئاً وأكّد أمراً، فشبهة الغرض السياسي وحقيقة المرض النفسي والسقوط الروحي في القوم، وإلا فقد كان يكفي الإخوة أن يقفوا موقف إيمان وأخلاق، ويعترفوا بالخطأ دون مكابرة، ويتوبوا إلى الله دون أن تأخذهم العزة بالإثم، فمطلِـق الفكرة، إن اعتقد غافلٌ باجتهاده، وظن ساذج بفقاهته، وصدّق بسيط بأنه متخصص قادر على استنباط المفاهيم الدينية والأحكام الشرعية.. فهو ليس معصوماً لا يخطئ، ولا “أعلمَ” يجوز تقليده!
    وكان يكفيهم الاعتذار وسحب الكلام ومحوه، ليتوقف الجدال وينتهي المراء وتطوى القضية، وعفا الله عما كان وسلف.

    إن الانحراف العقائدي (خلافاً للعملي السلوكي الذي يصعب إثباته في غير المتجاهر بالفسق) هو مقصلة كل مدّع، ومقبرة كل مزيف..

    وما أضمر أحد شيئاً إلا أظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، ويبدو أن الأمر في هذا النص الشريف لا يتوقف عند الأسرار والأمور المكتومة، بل عموم السجايا والخصال المضمرة، من خبث وكيد وجهل يخفيه المرء، فتفضحه الزلات وتعرّيه السقطات.. ثم يغلبه الكبر ويودي به الإصرار ويهلكه العناد!

    لا شك بأن مقولات القوم وجهودهم ستذهب أدراج الرياح، وأنهم أعجز وأقل شأناً من أن يبدلوا معالم مذهبنا ويغيروا عقيدة شبابنا.. ولكني مشفق على بضعة نفر من المؤمنين المخلصين، يخصني بعضهم برَحم، استغفلهم القوم وأضلوهم…

    أما الشمس فلا يداريها منخل ولو كان بحجم عشر فضائيات ونيف، والحقيقة العقائدية التي صمدت أمام حرب وقمع واضطهاد وطوفان، لن تغيرها زوبعة في فنجان.
    والحمد لله رب العالمين

  • من “أسرار المهنة” وفنون اللعبة التي يمارسها الاستكبار أو القوى المهيمنة على العالم، وتجدها معتمدة كاستراتيجية ثابتة وسياسة مطردة في أدائه: خلق “عناصر قلق” و”مواقع إثارة” و”بؤر اضطراب” في كل منطقة من نطاقات نفوذه وامتدادات سلطته.

    في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، زرعت في ليبيا معمر القذافي…
    لا تدري هل كان انقلاباً عسكرياً قاده الضباط الأحرار، أم ثورة وانتفاضة شعبية على السنوسية؟ هل هي اشتراكية تمثل مرحلة تتكامل لاحقاً بالشيوعية، أم “كتاب أخضر” نظّر للجماهيرية وأسقط الدولة ومؤسساتها لصالح لجان شعبية استُنسخت من “الماوية”، كانت سبب انهيار النظام وسقوط البلاد!؟ لا أحد يعرف من أين يستقي الرجل فكره أو يأتيه “وَحيه” أو شيطانه، وأية مدرسة يتبع؟ ثم أين يريد؟ وماذا عسى أن يصدر منه، وماذا تراه سيفعل بعد ساعة؟
    انطلق ناصرياً عروبياً حتى النخاع، ثم فجأة، صار يزدري العروبة ويستخف بالقومية وينادي بالأممية، ثم راح ينزع إلى هوية تتوجه “ملك ملوك أفريقيا” ورئيساً للولايات المتحدة الإفريقية!.. ثم أخيراً، قبيل سقوطه وفي آخر “أدواره”، رفع راية الدعوة الفاطمية، وصار ينادي باستعادة حق أهل البيت، وحمل خطاباً يعري الوهابية ويفضح الناصبية!

    لم يقف أحد على حقيقة ذلك النظام، منذ نشوئه في ١٩٦٩حتى زواله في الربيع العربي عام ٢٠١١… لا في هويته وانتمائه العقائدي، ولا في مواقفه واصطفافاته السياسية، ولا في أهدافه وسلوكه المتأرجح بين الثورية والتطرف، ثم المهادنة والسلمية، بل الاستسلام إلى حد تسليم السلاح والانبطاح، ودائماً: عصيان يتطاول على الثوابت ولا يبالي بأحد، وتمرد على القواعد يضرب بكل شيء عرض الجدار!

    الحقيقة أن هناك توازناً يجب أن يُضبط ويُحفظ، حتى تستمر الخطة وتمضي الهيمنة ولا يُمس تسلط الاستكبار، ويواكب كل طور ومرحلة لوازمها التي تؤمن بقاء نفوذ القوى الكبرى وهيمنتها بنحو أو آخر…

    وهذا التوازن لا يخلقه إلا تدافع وتضاد، صراع واصطدام وجدلية، وهي لا تأتي إلا من إثارة وشحن وإقلاق واضطراب.
    وهو ما كان يفعله “القذافي” ويؤمّنه لهم.. كلما احتاجوا ـ في دوام مشروعهم ـ إلى إثارة وتهييج، ولزم لبقائهم خلق اضطرابات وقلاقل، واقتضى استمرار نفوذهم فتنة ومعضلة وأزمة… حركوا القذافي وهيّجوه، وأرسلوه خلف طرائد لا يعرف أحد ما هي! وقرعوه طبلاً ونفخوا فيه مزماراً وبوقاً!

    🔵 ومما ينبغي للكيّس الفطن أن يكتشفه بوعي ويتحرى الإجابة عنه ببصيرة:
    هل في الحقل الديني شيء من هذا القبيل؟ هل هناك نظير ونسخة دينية لهذه الشيطنة التي تجري في الساحة السياسية؟!
    أو ليكن السؤال بصيغته الأصح والأكثر وَعياً: ألا يحتاج العدو (من استكبار عالمي، أو أنظمة جور حاكمة، أو مذاهب وأديان تناصبنا العداء) إلى عنصر قلق، وموقع اضطراب، وبؤرة فتنة، ومنطلق أزمات في ساحتنا الدينية؟ تثيرها وتهيجها بما يخدم إضعافَ الدين وإقصاءَه عن التأثير الروحي ودوره الفاعل في مجتمعاتنا؟!

    وفرض السؤال تنزّليٌّ يجاري مقولة تجليات النزاع في السياسي والاقتصادي، ويغفل حقيقة الصراع وأصله، الذي يدور في جبهة أخرى أبعد غوراً وأكثر عمقاً، يحتدم بين الحق والباطل، الخير والشر، “الإمام” عليه السلام وشيعته، مقابل الشيطان عليه اللعنة وأوليائه، ولكننا نتجاوز ذلك، ونوفر مؤونة تناوله وإثباته (لمقام آخر)، إلى ما يتسالم عليه الجميع ويتفق، من الصراع على الحكم والسلطة، وعلى استلاب ثروات الشعوب وخيرات البلاد…
    ما يلزمه قطع الطريق على المزاحمين، وإزاحة المنافسين، وتحجيم المعارضين، والقضاء على أي عنصر قد يخل بتلك الهيمنة وينال منها، ومنها، بل على رأسها العنصر والعامل الديني.

    الحقيقة أن حال الاستكبار في الحقل الديني يختلف عنه في السياسي، فهو قاصر هنا وعاجز، قليل الحيلة، مزجيُّ البضاعة، ضعيف الحول والقوة، على عكس وضعه في الميدان السياسي، الذي يهيمن عليه ويقوده ويديره، وله اليد العليا فيه، وأنظمة الحكم في العالم الإسلامي كلها صنائع له… لذا تراه يستدرك هذا العجز هنا ويتلاحقه بسلسلة من عناصر القلق الصغيرة ومواقع الاضطراب المحدودة، تتعاقب على الإثارات وخلق الفتن والأزمات.. كلما أسقط المؤمنون أحدهم ودحروه أقام آخر، وما إن تطفئ الحوزةُ فتنةً وينهي العلماء أزمة وتخمد المرجعية ناراً، أشعل الاستكبار أخرى وافتعل مزيداً وجديداً! ذلك لعجزه عن زرع نظام ديني متكامل وإقامة مدرسة موازية، قائمة ماضية، فاعلة مستمرة، تنهض بالدور “القذافي”! فيستعيض عن ذلك بهذه السلسلة المتلاحقة والعناصر المتعاقبة من رؤوس الضلال، ومواقع الانحراف.

    لا ينبغي للمؤمن الفطن والباحث الكيّس الحصيف، أن يغفل هذه الزاوية في فهم قضية رموز الضلال، بل عليه أن يطل على المشهد ويستشرف ظاهرة القلق والأزمات المتلاحقة وبؤر الاضطراب في الواقع الديني، من هذه الحقيقة… فيعرف حقيقة: الحيدري، وفضل الله، والمؤيد، والقبنجي، والكاتب، وشريعتي، وكسروي، وعلي محمد الشيرازي الباب، وميرزا حسين المازندراني البهاء.. وآخرون معهم لا يسعني ذكرهم، وهناك من سبقهم، وكذا الذين سيلحقون بهم ويأتون من بعدهم.

    ولست ألغي الانتساب الطولي لهذه العناصر، وكون الحيدري مثلاً امتداد لفضل الله واستمرار لشريعتي و”الحركية الشيعية” (منظمة العمل وحزب الدعوة)، وكذا المرجعيات المزيفة التي ما زالت تفجر الأزمات في الساحة الإيمانية وتخلق المعضلات التي يكابد العلماء في سبيل إزاحتها ويصرفون لمعالجتها عزيز وقتهم وثمين طاقتهم…

    فهؤلاء في مجموعهم يشكلون مدرسة وخطاً له معالمه وقواسمه المشتركة، لكنهم على صعيد التنظيم والمشروع، وبعض الخصائص الفكرية، يظهرون منفردين مستقلين، ذلك لعجز الاستكبار عن اختراق الساحة الشيعية وزرع “ثابت” كبير بيننا (مذهب)، وإضفاء الأصالة والمشروعية عليه (كما فعل بالسنّـة)، فصار يعمد إلى مشاريع مستقلة وعناصر منفردة صغيرة ومواقع منفصلة محدودة، في عرض بعضها الآخر، تنهض بالدور وتسد الفراغ.
    كلما رأيتَ رأساً يطل على الساحة وهو يتمتع بتغطية إعلامية كبيرة، ولاحظت شخصاً يحظى بشهرة وزخم شعبي جارف، وتحشيد اجتماعي استثنائي، وتعبئة سياسية لافتة، ووجدت بذلاً وصرفاً وميزانية يحلم المخلصون بعشر معشارها…

    فانتظر وارتقب ـ بعد فترة وجيزة ـ أفكاراً شاذة، وتوقّع عقائد منحرفة، باسم التجديد والحداثة، وبذريعة الإصلاح والتطوير، وبحجة مواكبة العصر.. ليلحق ذلك وتتبعه: فرقعة بل انفجار إعلامي، وإثارة تخلق فتنة وأزمة، فتنشغل الساحة بقضية جديدة وتعيش معضلة لا تدري متى وكيف يكون المخرج منها؟! أو يبقى هذا العامل ينخر كالسوس ويحفر كالقارض ويأكل منسأة الدين وعماده كالحشرة، حتى يدل على موته ويعلن عن خرابه!

    إن المراقب يرصد ارتسام ظواهر الشذوذ والانحراف والضلال في الساحة الإيمانية، ويلاحظ بروز أسماء وشخصيات كما يفقأ الفطر في صحراء قاحلة، أو غابة متوحشة، بعد برق ورعد وعصف وقصف… وفي أغلب الحالات وأكثرها، تكون العناصر من أوساطنا وبيئتنا، وإلا لما خدمت الغرض المراد منها، ولما حققت الهدف المنشود لها.
    ولربما تدرجت وعملت بالمرحلية، فهذا يحارب الوهابية ويرد على السنّـة، وذاك يزعم العرفان ويتباكى على الأخلاق، وثالث يشكو الظلم والاضطهاد ويرفع راية الحركية والجهاد، ورابع يتغنى بالشعائر الحسينية، وخامس ينادي بالفلسفة والكلام وظلامة “الفقه الأكبر” في الحوزات.. فلا يلبثون جميعاً أن ينتكسوا وينقلبوا على أعقابهم، ويرتدوا على دعاويهم، ويفتكوا بالمذهب ويمزقوه شر ممزق، ويورثوا الساحة فتنة تلحقها فتنة!..

    فالمهمة الأصلية والدور الحقيقي لهم هو: النيل من ثبات الثوابت، والسعي لهز الأسس والقواعد، وإضعاف صلابة الأسطوانات والركائز.. فيختل بناء الدين ويتداعى صرح المذهب، لينشغل أربابه في رأب صدعه وسد ثُلمه، ودرء المفاسد وجبران الخسائر التي حلت به ونالته على أيدي أولئك الضلّال الفجرة. أي إشغال الحوزة العلمية والمرجعية وعموم الساحة الإيمانية بالدفاع، وصرفها ـ طبيعياً ـ عن التطوير والتوسع، وعن الهجوم والفتح ونشر الدين وإنقاذ ما استلب واسترداد ما سرق ونهب.

    لا شيء يكافح الضلال ويردعه مثل الوعي، ولا سلاح يقصم ظهور المضلين كالبصيرة بحالهم، ثم فضح أكذوبتهم..
    لن يسمح المؤمنون الواعون لـ “قذافي” الوسط الديني أن ينشر كتابه “الأخضر”، وسيجرعونه نقيع سمِّه ويرجعون كيده إلى نحره، ويورثونه صفرة الملسوع، ثم يسمعونه رنة سياط التعزير، ويصمون أذنه بهتاف الصلوات التي تقهره وتذهب النفاق، ونداءات لعنه والدعاء عليه التي تهلكه وتدمره، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

  • تعود جذور المداهنة والمصانعة والركون إلى الظلمة والمنحرفين ومماشاة الضُلّال، وكلّ ما ابتلي به الوسط الإيماني من السلبية في السلوك والميوعة في معالم الهوية.. إلى أمرين، غرض ومرض:

    “غرض”: طمع في مال، فرص للكسب التجاري والإثراء يُـتيحها رمز، ويقدمها وجيه، أو يؤمّنها حزب، أو منصب يتطلع إليه طامح، أو جاه وشهرة يصبو إليها متسلق، يمكن للرمز والوجيه والحزب أن يحققها له، بسلطته النافذة، وآلته الشيطانية (بالأوامر التنظيمية والإعلام).. فتراه يغض عن الضلالات ويتجاهل الانحرافات، ويخرس عن العيوب والسقطات، بل يعمى عن الجرائم والويلات، لا يرى ولا يسمع فلا ينطق، صُمّ بُـكم عُمي!
    إنه عالم المصالح والعلاقات، فلماذا يفسدها بلا طائل، ويفرط في منافعها ويخسر مزاياها دون مردود؟!

    أو “مرض”: خوَر في النفس وضعف في الروح، يورث الشعور بالصَغار والدونية، ويتملك صاحبه العجز وسقوط الهمة، وكذا الجبن.. يوقع المبتلى في المجاملة والتملق، والمداهنة والنفاق مما ينعكس في جانب أساس منه سكوتاً عن الحق وإغضاءً عن المنكر: ما لي والدخول بين السلاطين؟ سيسحقني هؤلاء الكبار الأقوياء، ماذا عساني أفعل قبل أن تأتيني الصفعة فتودي بي؟! إذن دعني أستأكل وأعيش.

    فإن خرج أحدهم عن هاتين الحالتين، لا غرض يدفعه إلى مداهنة المبطلين المنحرفين، ولا مرض يغلبه على الركون إلى الظالمين الجائرين..

    فالفرض والوجه ـ عندها ـ ينحصر في الجهل والاستغفال.

    فقد يكون أحدهم متعلماً، ولكن لم يخرجه تحصيله العلمي عن تخلف الفكر وسذاجة الذهن، وبقي قابعاً في أمية الوعي، معانياً من تيه البصيرة، يشكو ذبذبة الرأي واهتزاز الشخصية والعجز عن اتخاذ القرار والإقدام.. متطلعاً إلى من يلقنه الموقف الشرعي، فلا يأبى أن يكون قائده ورائده الذي يشخّص له تكليفه متمشيخ تتأجج فيه الشهوات وتضطرم النزعات وتتصارع الجهالات، صفر اليدين من المعارف الإلهية والعلوم الدينية!..

    فإن لم يحظَ (لفرط هوانه) بعناية ذاك فأهمله ولم يلتفت إليه، تراه يرتقب إيحاءات العقل الجمعي لترسم له مساره، فيتحرك وفق قرارات الحزب وتعليمات “مراده” تقوده وتأخذ بيده كما يُفعل بالصغار والنساء، لِمَ لا وقد رضي لنفسه طبقة “حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال”؟!

    ترى الشيب غزا لحيته وتجاعيد الهرم زحفت إلى عنقه وأحاطت بعينيه.. لكن دون خبرة مكتسبة، ولا ثمرة تجارب معاشة، ولا مسكة من عقل تضفي عليه اتزان الكبار وتهبه وقار الأقوياء؟!

    لا تدري ماذا كان يفعل طيلة حياته وكيف أضاع عمره؟! وأنت لا تراه إلا في سمْت يوحي بالامتلاء ومظهر يشعرك بالتمكن والاكتفاء! وما الأمر فيه ومنه إلا خواء! حوم في مدار واحد، وسبح في فلك وتر، لم يخرج منه يوماً ولا انفك، أُعجب بشخص فلخّص الدين في فكره، وانتسب إلى حزب فرأى الإسلام متمثلاً به لا غيره! و”مراده” في الحوزات ومحافل العلماء وميدان التخصص القادر على الحكم والتقييم، من المجاهيل النكرات، لا يشخصه أحد ولا يعرفه إلا بإقامة قرين له هالك، ومن باب صيتهم السياسي وشهرتهم في صدم العلم وإعاقة حمَلته، والإضرار بالدين وإضعاف خدَمته!

    فلماذا يعشقهم هذا المسكين وماذا وجد فيهم؟! لا تدري!

    يضحي في سبيله ولأجل مشروعه بأشرف الفرائض، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيبتلى بمداهنة الضُلّال والفجّار، ومجاراة هتَكَة المقدسات، ويقع في معضلة التوجيه لحركات تقوض المذهب وتهدم الدين!.. فيحتضن شخصيات مثل فضل الله والحيدري، وينهض باحتجاجهما، يلتمس الأعذار لهما، ويذود عنهما ويدافع بكل ما أوتي من عزم وقوة، ودهاء..

    ثم يوجّه ويسوّغ لكل ذلك ويعدّه من صميم الدين، لذا لن تمسه النار وإن ركن إلى الظالمين!.. وفي أحسن الحالات، أو قل إذا ضاق عليه الخناق وعجز عن الفذلكات المزخرفة والحيَل الموجهة، اكتفى بالسكوت والحياد، وراح يخلط بين المداراة والتقية وبين المضارعة والمداهنة، وبين الأناة والحكمة وبين الغباء والتسويف وذهاب الغيرة، ثم بين صلاح الدين وعز المذهب وبين تعظيم “رمزه” ومصلحة حزبه…

    يتباكى على وحدة الكلمة وتوفير الجهد والطاقة ورص الصفوف في الجبهة الداخلية، ومنع النزاع والشقاق والفرقة بين الشيعة…
    ثم يسحق كل ذلك بنعله ويدوسه بقدمه حين يتصدى ويثور فجأة، في موقع ما وحالة معينة، لم ير حزبه أن يسكت عنها، فيفتح جبهة ضد تيار شيعي ويشعل حرباً ضروساً ضد جماعة وحزب آخر، تطال رموزه، بل تبدأ بهم، ولا توفر شيئاً ولا أحداً إلا أتت عليه بمعول الهدم ومسحاة القلع والاجتثاث!

    فلماذا سكت نفس هذا المداهن المضارع، المتبجح بهذه الشعارات البراقة، عن فضل الله والحيدري، ثم ثار ضد الشيرازي، على الرغم من اتحاد الملاك؟.. لا أحد يدري!
     

    هنا ميدان الأكياس وذوي البصائر والحكماء، كما هو مهلكة الأغبياء وأحاديي الرؤية والمتقوقعين الجهلاء…

    لقد تركوا أعظم فريضة وأسمى طاعة… وكأن أميرالمؤمنين عليه السلام لم يخاطبنا في قوله: “أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة”.. وهل من معصية أعظم من غصب الولاية وادعاء الفقاهة؟! ومن جحد حق أهل البيت والتشكيك في ظلاماتهم، ثم نسف مباني علومهم وهدم قواعد معارفهم؟! وهم يتلقون أهلها بالبشر والسرور، بل يمدونهم بالعون والنصرة!
    وفي رواية أخرى قال الصادق عليه السلام: “لآخذن البريء منكم بذنب السقيم! ولم لا أفعل ويبلغكم عن الرجل ما يشينكم ويشينني فتجالسونهم وتحدثونهم فيمر بكم المار فيقول: هؤلاء شر من هذا؟! فَلَو أنكم إذا بلغكم ما تكرهونه زبرتموهم ونهيتموهم كان أبر بكم وبي”.. فلا يسمعون ولا يعون! فحق أن يكونوا شراً منهم وأسوأ.

    إن ما بين المداهنة والمداراة، وبين التقية والركون إلى الظلمة.. خيط رفيع لا يميزه إلا الأكياس الحكماء، والبصراء الأتقياء… وإلا فهي شعرة معاوية يرخيها الدهاء هنا ويشدها هناك، وتحكمها المصالح الدنيوية أبداً.
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • «عبدالجبار» ستيني من «الكرادة»، عاش “الزمن الجميل” بأغلب تفاصيله، ومال شطراً من حياته إلى اللهو، حتى دفعه قمع صدام إلى الدخول في الالتزام الديني والتقيد بالأحكام الشرعية: إن كان هذا عدواً للدين فسأكون أكبر المتدينين!

    مثقف بعض الشيء، قرأ روايات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، أكسبته الحياة خبرة تفوق ثقافته، لكنه يفتقد العمق والغزارة، وتعيبه السطحية ولربما السذاجة، يدّعي الوعي والتنوير، ويرفض التقليدية في الالتزام الديني، ويطلق عليها “رجعية”، بل يرمي أتباعها بنمطية جعلت الدين عندهم شيئاً من التقاليد الاجتماعية وأشكال العيش والحياة ليس إلا، لذا يتهمهم بعدم التديّن الحقيقي، ويشكو صوراً من التسيب الأخلاقي مشهودة في الساحة الإيمانية، لا تنكر.

    ينطلق دائماً من تعال بل كِبر، مسهب في النقد ومفرط في الاعتراض، لا يعجبه شيء، ويعيش اعتداداً بالنفس يناهز الغرور، يصدر الأحكام على الناس ويقيّمهم سريعاً بلا محاكمة: هذا جاهل، ذاك متخلف، والثالث رجعي، والرابع يفتقد الروحانية، وأغلب المؤمنين ليسوا متدينين!..

    أقصاه اللجوء السياسي أو هو في حقيقته لجوء إنساني، إلى بريطانيا، كما فـرّق شمله وشتت عائلته الكبيرة، بين دمشق وبيروت وكوبنهاجن ولندن…

    أكثر ما يحزنه ويؤلمه سقوط ما حمل ويحمل من تعاليم دينية وقيم أخلاقية هجر وطنه بسببها، أمام واقع أصبح يعيشه بالعيان والوجدان، يصرخ بمفارقة بين ما يرى في تعامل “الكفار”، وبين ما يشهد من أبناء ملته، وحديث الحكمة يقول: الدين المعاملة.. هكذا كان يكرر، ويلحق بذلك: كل تعاليم ديننا مدّعيات وشعارات جوفاء، هنا الإسلام الصحيح، إنه في الغرب لا في بلادنا، وفي هؤلاء المسيحيين لا في شعوبنا الغارقة في الكذب والدجل والخداع، والفوضى والجهل…

    كان معجباً بفرض القانون، في حركة المرور، وفي الإجراءات الحكومية، ومأخوذاً بسلوك الغربيين في التعامل، واحترام حق الآخر ومراعاة مشاعره..

    حتى طغى هذا الشعور وحجب عنه رؤية أية سلبية في تلك المجتمعات والبلاد.

    كان السماع آخر ما ترك من المحرّمات، فهجر أم كلثوم وناظم الغزالي والبستات البغدادية على مضض، وما زال الحنين يعاوده، فيختلس مقاطع عابرة تطرق أذنه وهو يقلب محطات التلفزيون يبحث عن الأخبار وبعض المسلسلات، قبل أن يعود إلى فضائيته الدينية المفضلة.

    وهنا “العقدة” الثانية (بعد الغرب وتقدمه وانتظامه) التي يعيشها ويلاحقها في حياته، ولعلها مترتبة على الأولى: الفضائيات الشيعية..

    كان يصنّفها، على الصعيد الفني، في الابتذال والتفاهة، وعلى صعيد الرسالة والمحتوى والهدف، في التكسب والاتجار.. ويراها قنوات دعاية عائلية رخيصة، تستغل الدين وتروج لمرجعية مزيفة، وتمارس الإعلام بسوقية السماسرة، وعاميّة تناهز الأُمية.. إنها طرق إثراء وشهرة، وسبل لأصحابها حتى يخلقوا القوة ويبسطوا النفوذ ليس إلا، والدين بضاعتها ومادتها، ترفع نكرات وتعظم حقراء، تسلط الأضواء على ظلام دامس يضيع فيه المشاهد ليضل ويتيه، ثم تتجاهل نجوماً متألقة في سماء العلم والفضيلة، وتغفل مواقع التقوى ونماذج الورع والزهد والعفة في الطائفة، مما يعدّ مفخرة للدين وعزاً للمذهب.

    كان في هذا السأم والضجر، والنقد والشـكوى، حتى ظهرت فضـائية جديـدة ـ على حين غفلة ـ مثّـلت له طوق النجاة.. فهذه الجديدة عقلائية وروحانية، متزنة ورصينة، ثرية بمادتها وجادّة في برامجها، والأهم أنها بعيدة عن إسفاف تلك الخاوية العاجزة، التي قلبت جوهر البرامج التلفزيونية إلى حسينيات يرقى منابرها أسوأ الخطباء، فما أسهل أن تكرر تلاوة القرآن وقراءة مجالس العزاء، وتقول إنك تقدم أثرى وأفضل موضوع، وأعظم وأغنى مادة إعلامية، ودلني على من يرفض أو يتحفظ على ذلك لأهوي عليه بالدرة وأعلوه بالعصا!..

    قتلتنا هذه الحزبية المتاجرة بالشعائر والمجالس، كرّهتنا بكل ما يقرب منها، وهي تمجّد عائلة وتعظّم أطفال هذه الأسرة وتخلق نجوماً من شخصيات بالكاد تضيء بقوة شمعة واحدة أو حجر طاقة سريعاً ما ينفد، فيخبو وينطفئ، فتلجأ للتكرار وتدخل في الإسفاف، وسرد قصص وحكايات وكأنها ديوانية وليست منبراً ومحاضرة ودرساً يفترض أن يبث علماً.

    كان «عبدالجبار» متحمساً لفضائيته الناهضة وبديله المتألق الجديد، عاشقاً لصاحبها، فهو روحاني حكيم، وتربوي رصين، وعرفاني متفوق، يبث الأخلاق والالتزام بين الناس، وهو ليس من المعممين الانتهازيين الدجالين الذين يستغلون عمامتهم وحب الناس للدين الذي يمثلونه، فيعيشون عيشة الترف والبطر، يثرون ويصبحون من أصحاب الملايين، ويأكلون ما لذ وطاب، ويتمتعون بفاتنات النساء، ويركبون فاره السيارات… إنه ليس من هؤلاء، إنه معمم أصيل، ومتدين حقيقي، ملتزم صادق، وعابد زاهد… إنه يكتفي بالحشائش والخضار، ولا يأكل اللحم إلا مرة كل أربعين يوماً، ويقال إنه يبكي على إزهاق روح الدجاجة والذبيحة التي يأكل!

    وكان قد آلىٰ على نفسه أن ينهض بالدعاية لهذه القناة، وحث معارفه وأصدقائه على متابعتها، وكان جل استدلاله على فلاحها ينطلق من مفاضلة ومقارنة يعقدها بينها وبين المبذول في الساحة من التي تتجر بالدين وتتبع حزب عائلة تدعي العلم وتزعم المرجعية… ثم من هالة نورية كان يراها تحيط بعمامة صاحب القناة وهو يلقي دروسه الأخلاقية… ووجه يتلألأ!

    وكان ابنه يشاكسه ويمازحه، ويخلط الجد بالهزل فيعارض أباه: إنها قناة تدس السم في العسل يا أبتاه، تروج لحق، تلحقه بباطل… وصاحبها دجال من نوع جديد، أكثر دهاءً وإحكاماً في عمله من أقرانه وسابقيه.. كلهم جنود الشيطان، أولئك يغوون العوام، ويدلسون على السذج البسطاء، وهذا يخاطب المثقفين من أمثالك، ويلتقط ما يسقط من جعبة أولئك ويفلت من شباكهم.. وكلكم صيد إبليس وحصاد منجله!

    : ألا تخاف الله؟! كيف تتهم بلا دليل؟!

    : إنك تفعل هذا مع غيره! تتهم وتهاجم ولا تكترث! كيف تحمل هنا على الظاهر، وتقرأ ما بين السطور هناك؟!

    : لا تقارن، إنها هناك مدرسة باطلة بنيت على مرجعية مزيفة.. وهذا هنا ابن الحوزة.

    : بل ابن الدعوة.. هذا حزب وذاك حزب، كل ما هناك نزاع النجف وكربلاء!

    : ألا ترى النور في وجهه؟! ألا ترى الهالة فوق عمامته؟!

    : إنها خدع تصويرية ومساحيق مبيضة، لا نور طاعة ولا ضياء بصيرة وإيمان.. إنني أعرف هذا الرجل على حقيقته وأنت تعرف صورته التي يريد أن يظهر بها.

    ما كان «عبدالجبار» يطيق سماع ابنه الأكبر «سرمد» الذي صار جَدّاً بسببه، وينهره أمام أحفاده وينصحهم: لا تسمعوا لأبيكم، هذا المغرور المتكبر! وكان يلحق ذلك أحياناً فيقول: متهتك لا يعرف الورع.

    في صباح يوم الاثنين السادس من أكتوبر ٢٠١٤، بعد الفراغ من زيارة سيد الشهداء عليه السلام في عرفة، توجه «عبدالجبار» وابنه إلى مطار النجف الأشرف، واستقلا طائرة الخطوط الجوية العراقية المغادرة إلى بيروت..

    تحركت الطائرة وهما يتلوان أدعية السفر وأذكار الحفظ والأمان، حتى استقرت عند بداية المدرج، فأطلق الطيار كل طاقتها، لتنطلق بأقصى سرعة تجاه الإقلاع فالتحليق…

    فجأة! ضغط الطيار مكابح الطائرة المندفعة بقوة، وألجمها بكل ما أوتي من عزم وقدرة، ليوقفها.. ففعل، ولكن بشق الأنفس، وما تيسر ذلك حتى مالت عن مسارها وانحرفت بعض الشيء وكادت أن تنزلق وتخرج من المدرج…

    توقفت مع الطائرة قلوب المسافرين الذين كانوا يملأون مقاعدها، وتنفسوا الصعداء، وهدأ الصياح.. وقبل أن يبدأ السؤال والاستفهام عن السبب، أخذ سخط الركاب وسبابهم يعلو! فقد شاهد المطلّون على النوافذ موكب سيارات مظللة، ومعها شاحنة تقطر سلّماً وضع ليترجل الراكب العزيز من السيارة ويصعد ليستقل الطائرة..

    كان الركاب يشتمون الوزراء وحتى رئيس الوزراء ويلعنون استغلالهم للسلطة، وأين وصل ذلك وأية حدود بلغ..

    ولكن الجميع فوجئ أن “المسؤول” الذي كاد الطيار أن يضحي لأجله بما يقرب من مئتي نفس محترمة، كان هذه المرة شيخاً معمماً!

    انفجر «عبدالجبار» وفقد صوابه وأخذ يصيح:

    لا يغرنكم هؤلاء المشايخ، إنهم ليسوا رجال دين حقيقيين، إنهم دجالون، هذا ما يشوه ديننا، هذا ما يجعل الناس تنتكس في التزامها، حين يرَوْن عمامة لا تبالي أن تقع كارثة في سبيل لحاقها برحلتها..

    أين كنت يا حضرة الشيخ، لماذا علينا أن نبكر إلى المطار ونحرم من مزيد وقت للزيارة، وأنت تصل متى شئت وأنّىٰ طاب لك؟! ألا يفترض في المعمم التقوى؟! أليس من أوليات التقوى مراعاة حقوق المؤمنين واحترام مشاعرهم ووقتهم، وأن لا يبخس الناس أشياءهم؟!

    كان «عبدالجبار» يحاول الإفلات من ابنه ليتوجه نحو بوابة الطائرة ليلقن الشيخ درساً لن ينساه..

    وفجأة أُسقط في يده وهوى على مقعده، وقد ارتدت أنفاسه كمن دلق عليه دلو من الماء البارد فجأة، شهق شهقة ولم يزفر، ثم استلقى عاجزاً عن الحراك… فقد رأى «عبدالجبار» الراكب المميز والشيخ الخطير…

    لم يكن الشيخ إلا مثله الأعلى!

    صاحب القناة والمشروع والنهج الذي طالما بشّر به ودعا إليه! إنه الشيخ المتقدس والعرفاني الورع!

    عندها لم يملك إلا أن بصق، وقال: أشهد أنك دجال! أشهد أنك أحكمت اللعبة وأتقنت الحيلة حتى غررت بي وخدعتني! “المعارف” طلعت أنجس…

    وراح يكررها، وبقي على هذا طوال الرحلة، وهو يلفظ الجيم بالعامية العراقية، وهي في هذه المفردة كالمصرية واليمنية: أنگس.

    🔵 مرتكز القصة وأصلها حقيقة، والواقعة حصلت ظهر الاثنين ٦/ ١٠/ ٢٠١٤، على متن الخطوط الجوية العراقية في رحلتها المتجهة من النجف إلى بيروت.. أما نسجها وسبكها فخيال وأدب.

  • استوقفني رجل كبّ على وجهه في حماقة عُدم نظيرها، شتم بها جميع الشيعة بأقذع سبة.. ثم عجز عن أدنى اعتذار، وضعف عن أقل توبة واستغفار، ومضى الأمر بلا حساب ولا عقاب، وكأن العقول تعطلت والمشاعر تيبَّست، وما زالت عرائض التسويف ولوائح التسويغ والتعليل تترى.. حتى تحسب أن الطائفة أخطأت في غضبتها حين قال فيها صاحب النيافة: أبناء حرام!

    وقد سبقه كثيرون، منهم “معمم” آخر (عربي شيعي) يكابر بصلافة النواصب ويعاند بجلافة الأعراب، فيهتك كل القيم والمبادئ التي عرفها ودرسها ونشرها، لأن وضع ـ ما يسميه ـ بالمؤسسة الدينية لم يسمح له بتحقيق طموحه في الزعامة والرئاسة… فحمل عموداً من حديد، وراح يخبط كل شيء ويحطم كل بناء، حتى نسب التشيع إلى اليهودية والمجوسية؟!

    ولا من بصيص ضمير يضيء في آخر هذا النفق المظلم بالنفاق، ولا من عِرق حياء ينبض في هذه الجثة المنتنة وهي على قيد الحياة!؟.. ووجهٌ بال عليه إبليس وأقسم أن لن يفلح أبداً.

    ترى ما السر في عجز شعوبنا العربية عن ممارسة الاعتراف بالخطأ ثم الاعتذار؟ وكذا الاعتراف بالهزيمة ثم البناء؟!

    لماذا نهضت شعوب وبلاد هزمت في حروب وانهارت في محن وبلاءات، حتى قربت من المحق والزوال، فتلقت النتيجة بتعقل وإذعان، استسلمت وطأطأت برأسها، وخضعت، وقل إن شئت ذلت.. حتى لعقت جراحها وعالجت آلامها واستجمعت قواها ونهضت من جديد… فكانت ألمانيا واليابان، وكوريا وتايوان، وحتى فيتنام، هذه المغلوبة على أمرها، لها اليوم موقع في العطاء والإنتاج، ما يميزها ويجعلها في معايير الإنسانية متفوقة على انحطاط العرب وذلهم الواقعي الذي يدارونه
    بنفخ الصدور وفتل الشوارب، وتبختر هرٍّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد؟! لا علم ولا فضل ولا عطاء، لا تطور ولا صناعة ولا إنتاج، لا علاج ولا دواء ولا اكتشاف، استهلاك واستنزاف، هدر وتخلف وسرقات، لهو وفسق وفساد.. ثم تعالٍ وزهو ومكابرة تأبى الاستسلام، ولا تريد الخضوع والاعتراف!
    من أين جاء هذا الكبر والخيلاء؟!
    وما هذه الصلافة والوقاحة والغباء؟!

    والمفجع أنه سلوك عام و”ظاهرة” لا تقف عند القادة والزعماء والمسؤولين والوزراء، بل تسري حتى إلى البيوت والعائلات، فلا أحد يعترف بخطئه ولا أحد يقدم اعتذاراً على ظلم وقع منه، لا الزوجة تقيل زوجها، ولا الأب يتنازل عن سلطانه، ولا الأبناء يشعرون بجرائمهم وما يسببونه من مآسٍ، الجميع ماض في دربه، معانداً مكابراً… يتجاوز أحدهم مركبتك ويتخطى حقك في المرور، وهو يشمخ بأنفه، فسيارته الفارهة تكشف عن طبقته المحصنة التي تقيه رد فعلك، ويخبطك آخر وهو يسير في السوق حتى يكاد يخلع كتفك، ولا يجشّم نفسه عناء كلمة: آسف! بل يرمقك شزراً، مستنكفاً متأففاً، لكن ليس متأسفاً، وحاشا أن يكون معتذراً، فهو ذو بسطة في الجسم، تحصنه من خطر العراك وتأمنه الانتقام.

    ووزير يدمر البلاد ويهلك العباد نتيجة فشله وتقصيره، بل فساده وخيانته، فيخسر الوطن ملياراً في مشروع سلقه فبلعه وأهدره، وكان في أحسن صورة عرضه وصوّره.

    ويلقم آخر البحر مئات الأرواح، في طائرة منكوبة وسفينة وعبّارة غارقة، حمّلها حجاجاً أو مهاجرين يفرون من جحيمه، فلا يسهر له جفن، ولا تطرف له عين! وما زال يقدم عرائض الحجج والتعليلات ومعلقات الأعذار التي تجعله في النهاية دائناً لا مديناً… فإذا قارنته بوزير المواصلات الياباني الذي قدم استقالته لخطأ تقني أو عطل فني تسبب في حادث قطار نتج عنه ستة جرحى وتأخر الموظفين عن الوصول إلى مكاتبهم! فاستقال الرجل ثم وضع نفسه في عهدة القضاء وحرك الدعوى الجزائية ضد نفسه لينال جزاءه (ناهيك بقرينه الذي انتحر كساموراي شريف!)… تعلم أن هناك خللاً في البنية الفكرية، بل في الروح والطبيعة، وأن ثمة مسخاً حيوانياً أو شيطانياً طال هذه الأمة واستحوذ عليها! وهي ما زالت تتبجح وتتفلسف.

    هل عليك أن تكون بوذياً يؤمن بالتناسخ، فيتطلع إلى حياة أفضل في دنياه القادمة التي ستنتقل إليها روحه، حتى تتأدب في سلوكك وتحترم الآخرين في حقوقهم ومشاعرهم؟!

    هل عليك أن تكون راهباً في أحد أديرة اليونان أو بطريقاً في إنطاكية أو أسقفاً في الفاتيكان، أو ضليعاً في علم اللاهوت الكنسي، حتى تدرك قبح الخطيئة وتعيش مفهوم التوبة والاستغفار عبر طقس وسر “الاعتراف”؟!

    إنني أعتقد أن هذه الأمة مغضوب عليها، سُلبت الرحمة، ونزلت بها نقمة خفية جعلتها ملعونة! ما زالت تُسكنها خسة الحضيض ولوث الضلال، وتمنعها أي نمو وارتقاء، وكل تسامٍ وصفاء!

    إنها لعنة لازمت الأمة مذ أعرضت عن الحق وغصبت وارث نبيها وأزالته عن مقامه.. نزلت بها وأصابتها، وقد أطلقتها الزهراء عليها السلام عقيب مأساة وفاجعة عظمى حلت في بيت النبي بعد وفاته مباشرة.

    نعم، هي لعنة فاطمة عليها السلام تطال أعداءها… فبعد أن أرجأت نزول العذاب، حين ارتفعت حوائط المسجد وعلا الغبار بعد العج… اكتفت عليها السلام بالدعاء وإعلان السخط وإرسال اللعنة:

    أمَا لَعَمْري، لَقَدْ لقحَتْ، فَنَظِرَة رَيْثُمَا تُنْتِج، ثم احْتَبَلُوا مِلْءَ القَعْبِ دَماً عَبيطاً، وَذعَافاً مُبِيداً، هُنالِكَ يَخسَرُ المُبْطِلُونَ، وَيُعْرَفُ التَّالُونَ، غبَّ مَا سَنَّ الأوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا عَن دُنْيَاكُم أنْفُساً، وَاطْمَئِنُّوا للفِتْنَةِ جَأشاً، وأبْشِرُوا بِسَيفٍ صَارِمٍ، وَسَطْوَةِ مُعْتَدٍ غَاشِمٍ، وَهَرَجٍ شَامِلٍ، وَاسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ. يَدَعُ فَيئَكُمْ زَهيداً، وَزَرْعَكُم حَصِيداً، فَيَا حَسْرَتي لَكُمْ، وَأنَّى بِكُمْ {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.

    فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ منقلب ينْقَلِبُونَ}، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، {فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ}.

    وبعد قريش وخيلائها، والعرب من أتباعها وحملة روحها الطاغوتية ونفسها الشيطانية، التي أورثتها هذا الانتكاس والانحطاط…

    ها نحن نرى تلك الروح المريضة تسري وتسكن في مواقع تنسب إلى التشيع والولاء!.. تشكك في مصاب الزهراء وتريد أن تضيع حقها، فينبري هذا ليسوّغ للجاحد الضال، ويقوم ذاك ليزوره ويعوده، وثالث يعزي به ويؤبّـنه، ورابع ينصره ويؤازره وينهض باحتجاجه، وخامس يلحق التشكيك بالمصاب بجحد كل دين الزهراء ومذهبها!.. وهكذا.

    لست أدري كيف يعالَج هذا الداء؟ وما السبيل لإخراج القوم من هذا البلاء؟ فأنا لا أفصل هذه الروحية الشيطانية والنفسية الاستكبارية،
    عن همجية الإرهاب، وشراسة نحر البشر وتقطيع الأوصال ولوْك الأكباد، ونسف المساجد والحسينيات، وتفجير المدارس والأسواق.. وأمام هذا، لا سبيل إلا أن أقتبس وأقول لهؤلاء، كما قال موسى عليه السلام لقومه:
    يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ.
    وأعلم أنهم لن يفعلوا.. حتى يحصدهم سيف الحجة عليه السلام (فممن يعود في الرجعة، الذين محضوا الكفر وحملوا راية الضلال) فينكّل بهم مرة بعد مرة، ويثخن فيهم، ويسقي الأرض من دمائهم حتى تروى، ثم يعودون في القيامة الكبرى حصب جهنم هم لها واردون، ثم خالدين فيها أبداً.

  • عندما ترِد أحاديث شريفة ونصوص معصومة توكل أمر الدين إلى الأئمة الأطهار وتمنحهم مقام التشريع والتقنين وبيان الأحكام بمعنى تحديدها، ثم إبلاغها، وتعطيهم حق الرئاسة والقيادة والإدارة، وحق تقدير المصلحة ورسم أُطر الحكمة (من قبيل ما جاء في الجامعة الكبيرة، وفي قوله عليه السلام: إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فصل من أحكام العباد)… تجد بعضهم يتردد ويشكك، ويرى ذلك مبالغة وإفراطاً في التمجيد والتقديس، وغلواً في الحب والولاء!

    فإذا نحّوْا أهل البيت جانباً وزوَوْهم عن حقهم وأقصوهم عن دَورهم، تراهم يمنحون قادتهم وكبراءهم ما كانوا يستكثرونه على حجج الله وأوليائه في أرضه، ويأبونه للأئمة المعصومين من آل محمد!… فيعودون ليمنحوه أنفسهم، فيفعلونه ويمارسونه كحق ثابت لهم! وكأنهم هم أولياء الله، وولاة الأمر والنهي، وأصحاب الفصل، وورثة الدين، والقوّام بالحق.

    يغيرون ما يشاؤون من الأحكام والعقائد، يزيدون في الشريعة وينقصون، يبتدعون ويخترعون، أو يحذفون ويغيرون، كل ذلك لمصالح ارتأوها، وحِكَم قدّروها، وظروف قرأوها، وتحليلات توصلوا إليها… ولك أن تحكم وتقيّم كم أصابوا في هذا أو أخطأوا.

    قدّر أحدهم أمراً، واستحسن رأياً، ورجّح حالة ووضعاً، فقرر تغيير حكم شرعي كما يهوى وتبديله كما يشاء، وإنزال الأمة على رأيه وتقديره! فأصدر قراره، ليأخذ أمره مداه وسعته وحظه من التطبيق والنفاذ بما يتناسب مع قدراته وإمكانياته… اشمأز الرجل من الدماء ورآها شيناً، فمنع التطبير والإدماء، وحتى اللطم الشديد، بل الصرخة والنواح (وكلها مشروعة راجحة في فقة أهل البيت ومذهب الشيعة وشريعتهم) وجنّـد الجند لمحاربة الشعائر الحسينية، فخلق فتنة عمياء وزرع البلاء، وأدخل الشيعة في متاهة من النزاع والشقاق، ما زالوا فيها من عقدين ونيف ولم يخرجوا من أذيالها ولا تخلصوا من عقدها وحبائلها!

    وآخر رأى ألَقه ومجده وموقعه من الصيت والشهرة أو جمع ثروته وتكديس أمواله، يكمن في كسب ودّ المخالفين وتسجيل نقاط الإدانة على مذهبه، فجحد ظلامة الزهراء، وشكك في أصل البلاء وأساس النصب والعداء، ثم أراد توسيع دائرة أتباعه فلم يجد أهون من الميوعة وأيسر من التسيب والتهتك، فأجاز بيع الخمور وأباح الاستمناء، وحلل أكل الجري والمحار والصدف البحري، وحكم بطهارة السيخ والنواصب، حتى هلك وما زالت ضلالاته حية، وما زال الناس يفسدون صيامهم وعيدهم وطهارتهم ويملأون بطونهم من حرام حلّله لهم!

    وثالث لم يجد “زمزم” يبول فيها ليلفت الأنظار ويحظى بالشهرة التي يتمنى، فحرم زيارة الأربعين على النساء وراح يستخف بالعزاء!

    ورابع ضليع بالتجارة والمال، يتربع على إمبراطورية استيراد وتصنيع السكر، أفتى بنقل ذباحة الهدي من منى إلى بلده عملاً بالاقتصاد ومنعاً للإسراف.

    وخامس أفلست مسرحياته الهزلية وغلبت السوداوية على تهريجاته السمجة، ففجر فرقعة على حجم ما يتقرقر في بطنه من أرياح وغازات… تريد نقل المرجعية الدينية من الفقهاء إلى الفلاسفة! فلما عجز وبان سخفه وهزاله، دخل في الهذيان وصار يطعن الدين الحق وينسبه إلى الإسرائيليات!

    وسادس لم يجد ما يسوّغ زيفه وضحالته، وخلو وفاضه من أي علم وإبداع، فقال بالسلمية في قيام القائم عليه السلام، ونفى القوة والسيف في الظهور الشريف!

    وسابع وثامن… وعاشر…

    حتى ظهر لنا بالأمس في لبنان من رأى “المصلحة” وقرر خدمة الدولة وإرضاء مفتي السنة بقذف الشيعة كلهم بأنهم أبناء حرام!
    هكذا يفتري، من يتبوّأ مقام رئاسة الطائفة في لبنان، على الله والدين والحقيقة فينزل أعداء آل محمد منزلة علي عليه السلام، والمعيار الذي جعله رسول الله له من أن بغضه علامة النفاق وعدم النجابة…

    بهذه البساطة واليسر والطيش والرعونة تهتك أحكام الدين والشريعة، وتقلب العقائد والأفكار، ويُعبث في أمر الله…

    إنهم يمسخون ديننا، ويتّجرون بمذهبنا، ويستأكلون بآل محمد، ويستبيحون التشيع… وكأنهم يبذلون من حرِّ مالهم، ويصرفون من مؤونة بيتهم ودارهم، ويقتطعون ويهبون ويمنحون ويتصدقون من تركة آبائهم وإرث أجدادهم… لا يبالون ولا يكترثون، لا يعتنون بأحد ولا يخشون ردة فعل ومحاسبة، ناهيك بانتقام!

    قهرتنا المداراة فخنعنا، وهزمتنا مصالحنا فداهنّا، ثم دارينا ذلك بزعم الحكمة والروية، وتسترنا بدعوى الفطنة والكياسة، فغُلبنا على أثمن ما نملك، واستبيح أعز حمى وأمنع ذمار.. والجناة يوغلون في الوقاحة وسوء الأدب، لم لا وقد أمنوا العقوبة وضمنوا السلامة!
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • هناك عظماء، علماء وقادة وزعماء، يبنون الشرف والعزة لشعوبهم، ويورثون الفخر والمجد أممهم.. كلهم كمال وبركة ونماء، يفيضون النفع مما امتلأت به أوعيتهم، وتتفجر ينابيع الخير من خصب وجودهم، وتجري أنهار الإحسان من جود نفوسهم، وتتدفق المكارم من كرم أياديهم وعميم فضلهم وجزيل عطائهم… والأمة على الموارد والضفاف، تنهل وتغترف، تشرب وترتوي.

    وفي المقابل هناك أدعياء يتطفلون على هذه الأعتاب، ويتسلقون تلك المراقي وينتحلون المراتب والدرجات.. وهي ليست لهم، وهم ليسوا منها.

    يتوغلون في هاتيك الربوع ويتنقلون بين تلك الحقول، كمتطفل التحق متسكعاً، ووارش قحم بلا دعوة.. والدعوات هنا تصدر عن الفضائل والمكارم والكمالات: العلم والفقاهة والعدالة والبذل والعطاء والكرم، ثم كرامة من الله، يرفع بها من يختار ويعز من يشاء..

    إن الأدعياء معقّدون من المجد.. يرونه يجدّ السير ويحث الخطى نحو بعض خصومهم ومحسوديهم، وكأنه يطاردهم مطاردة، وهم يفرون منه فرارهم من النار والأسد! ويأبى إلا أن يلحقهم ويعلق بهم.. فيُـلبسهم خِلَعاً، ويخضع لهم فيطوّعونه كدابة يعلون ظهرها ويمضون بها أينما شاؤوا!

    بينما هم يكابدون ويتهالكون، لعل وعسى أن يحظوا بموقع ويظفروا بشيء على هذا الصعيد، فيشار إليهم بين الناس ببصمة خلفوها في هذا الميدان، أو أثر تركوه في ذاك، فلا يمر عليهم التاريخ مهملاً متجاهلاً… لكن هيهات.

    إنهم لا يعفون عن شين، ولا يتورعون عن قبيح، ويعمدون جاهدين إلى أية وسيلة ويلجأون لكل حيلة.. فإذا أفلسوا، عمدوا إلى التخريب، ولا يبالون!..

    نعم، لا يكترثون أن يشوهوا ويهدموا شعيرة دينية أذهلت العالم وعقدت ألسنة الخصوم والأعداء، وقبل ذلك وبعده، شكلت الرافد الأعظم الذي يأخذ الشيعة إلى النجاة، ويفتح لهم سبل الصلاح ويشق دروب الفلاح، ويشرع أبواب الرحمة على مصراعيها.. أي زيارة الأربعين.

    كما يفسد الخل العسل وتتسرب العُثّـة في الثياب والأرَضَة في البناء… قاموا بإدخال النزاعات السياسية إلى زيارة الأربعين، وأقحموا نزعاتهم الشخصية وأهواءهم وتحزباتهم، لتفسد خير الأعمال وتبطل أزكاها..

    ملايين الشيعة يقطعون مئات الأميال، سيراً على الأقدام، وآخرون يتنافسون في استضافتهم ويتهافتون على خدمتهم، ويفتخرون أن يجعلوا ظهورهم بل وجوههم موطأ أقدامهم… في أجواء ترسم أجمل صور التواد والتراحم، وتضرب أروع الأمثلة في الأخوّة الإيمانية التي تجمع الشيعة على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأوطانهم ومدنهم… وفضاء مفعم بعبق الإخلاص وأريج العشق، وروحانية تنزع بهذه الدروب وتأخذها لتحلّق بها فوق هذه الدنيا وقوانينها، فكأنها طرق في السماوات وخطط في الملكوت، تسلكها أفواج الملائكة لا زرافات البشر، تقدم رعيلاً بعد رعيل، وتتقاطر من كل فجّ عميق، تجدّ السير لا على ضامر ولا راحلة، بل مشياً على أرجل وسعياً على أقدام لا تريد ولا تطلب إلا الثبات غداً على الصراط!…

    في هذه العرصات الملكوتية والأجواء الإلهية… ترى الشيطان ينزغ والأبالسة يجهدون! لا يطيقون كل هذا النور والضياء، ولا يتحملون هذا الحد من السمو والارتقاء، فيتحركون ليتلوث المشهد… وأداته الأولى حزبيون يخوضون نزاعاً ويفتعلون صراعاً! هذا يلصق صورة وذاك يمزقها، هذا يرفع راية وذاك يقابلها… يهتفون لقادتهم ويلتمسون المجد لزعاماتهم، ويلبّون لرؤسائهم! فلا يجلبون لأنفسهم إلا العار، ولا يكثّرون إلا الضجيج.. والحجيج يهللون لمهوى أفئدتهم وصريخ نجدتهم وغاية مرضاتهم: لبيك يا حسين.

    أيها المؤمنون الكرام، على اختلاف المشارب والمقاصد:

    حتى ينتهي هذا المشهد المقزز، ولا يتكرر في الموسم القادم إن شاء الله،

    تعالوا إلى ميثاق شرف…

    تعالوا لنتعاهد أن لا ترفعوا بعد الآن صورة لزعيم (ترونه مرجعاً، ويراه أولئك دجّالاً!)، ولا راية لحزب، ولا علماً لدولة، لا أنتم ولا هم، كلنا نرفع راية واحدة هي الراية الحسينية وننادي بشعار واحد: يا حسين.

    لا صور لزعامات، ولا أعلام لدول، ولا رايات لأحزاب ومنظمات، ولا صوت ونداء يرتفع فوق نداء: يا حسين.. رايتنا واحدة، وأنتم في سعة ومندوحة، ولكم الخيار أن تكون سوداء تحكي أحزاننا، أو خضراء ترمز إلى ساداتنا، أو حمراء تشير إلى ثار ننتظره جميعاً على يد إمامنا… ولكن يجب أن تكون دون اسم ولا رسم لأحد، إلا صاحب الذكرى وقطب الرحى. الحسين هو الذي يجمعنا ويوحدنا، وغيره يفرقنا ويشرذمنا، وقد جربتم ورأيتم بأم أعينكم، فهل تريدون للساحة الشيعية النزاع والشقاق، ونفي هذا الوئام والوفاق؟

    في هذا تنافسوا وعليه تسابقوا، والمنافسة أمام الله وفي عينه لا أمامنا نحن، فنحن في شغل عن تسجيل النقاط بين بعضكم بعضاً، ولا يعنينا رصد “انتصارات” أحدكم على الآخر، بل في ضجر واشمئزاز من هذا التلويث والتشويه… الشيعة يريدون أن يحسنوا العزاء لإمامهم ولا يبالون بعد هذا بشيء.

    تعالوا لنجعله ميثاق شرف بيننا والتزاماً أخلاقياً ننزل عليه جميعاً..

    وبعد، فمن يرى الدعوة لزعيمه في صميم دينه ولا يمكنه أن يفصله عن سلوكه، فليبحث عن ميدان آخر، ولا سيما أن الطرفين لا تعوزهما الوسائل ولا ينقصهما المال، وهما يقفان على جبال منها، فلديهم إمكانيات فعالة وأدوات جبارة، ويملكون عشرات الفضائيات والمؤسسات الإعلامية والكوادر المتخصصة في صناعة الرموز، والمتفرغة للدعاية… فلا تفسدوا علينا عبادتنا وموئل وحدتنا.

    هذا هو الإصلاح الذي يلزم ديننا (إن صحّ التعبير)، والتنزيه الذي تحتاجه شعائرنا.

  • بلغني أن حملة (قافلة دينية) لزيارة الإمام الرضا عليه السلام جعلت في خطتها وأنشطتها للزوار مواد “تثقيفية” خاصة، بدل عقد المجالس الحسينية.. منها رحلة أخذتهم بعيداً عن الحرم الرضوي الأقدس، إلى ربوة في مزرعة تقع في أطراف “مشهد”، وهناك طلب مرشد الحملة من زواره أن يتبعوه في تمرين نفسي ورياضة روحية، قوامها التأمل وتركيز الفكر، ما يورث في أنفسهم شحنة من “الطاقة الإيجابية” ترقى بهم وتشحذ ملكاتهم وتصقل أرواحهم… ولا تعجب إن رأيت جل زواره وطلابه ومريديه من النساء! فهن أكثر من ينطلي عليهن هذا الخطاب. (وليت هذا “الخبير” و”المعلم” كان امرأة تخاطب نظيراتها وتتولى منهن هذه الخصوصيات، لهان الخطب وما أوليته اهتماماً ولا تجشمت عناء رده ومواجهته)…

    خطاب لن أصفه بالدجل والتخريف والهراء، ولا بالشعوذة والنصب والاحتيال.. وإن أفضى ـ في أغلب الحالات ـ إلى استلاب العقل وخلّف في أتباعه تخلُّفاً وأورثهم تردياً وانحطاطاً… فهو في نفسه يتمتع بشيء من مقومات حقيقية ومعالم تقرب به من “العلم”، ولست في مقام دحض أدلته وإبطال حججه، مما هو في منتهى اليسر، ولا يحتاج كثير مؤونة لمن أراد، فأنا أرحب بكل نافذة تقود الانسان لما يرقى به للسمو عن الحسية والمادية، وأرحب بكل ما ينفتح به على عالم “الغيب” ويأخذه إلى رحاب روحانية…
    ولكني هنا أسجل ملاحظات على ما غدا ظاهرة في بعض الأوساط الإيمانية، لا بأس بها في نفسها، ولكنها من ناحية أخرى وزاوية ثانية، تشكل عاراً يندى له الجبين، شيء أشبه بتسوّل ملياردير وطرقه الأبواب ومد يده لمرتادي الأسواق، ولجوء أستاذ كرسي في كلية الطب، يتخرج على يديه مئات الأطباء، إلى مضمد يصف لوعكة نزلت به الدواء!

    أن يلجأ الناس في الغرب أو الشرق، من ملحدين أو أتباع أديان ومذاهب بعيدة عن مدرسة أهل البيت إلى هذا “العلم” أو الفن أو الرياضة والتمرين، فهذا مفهوم ومُبرر، ولكن أن تجتذب هذه الأمور البدائية والمفاهيم الضحلة أبناء أعظم مدرسة في الوجود، وتستهوي المنتسب إلى المذهب الأتم الأكمل، بما يحويه من تراث ويختزنه من إمكانيات روحية وتربوية وأخلاقية.. فهذه مأساة كبرى، وهي مؤشر خطير على جهل فاحش بما نملك، وعلامة صارخة على الفراغ والخواء الذي يعيش فيه بعض المؤمنين، ولا سيما أتباع المرجعيات الدينية المزيفة، الذين لم يجدوا ما يملؤون به أرواح أتباعهم إلا هذا الغث الرديء.

    كم هو مؤلم أن تقرأ المرأة المؤمنة المثقفة كل كتب مهرج كـ”الفقي” على سبيل المثال، وهو من تكاد تجزم بعتهه وخبله، وتمتلئ خزانتها بإصدارات تافهة ما هي إلا اجترار وترجمة رديئة، والتقاط غبي لأعمال أجنبية لا تحظى بأي اعتبار علمي في موطنها، لتلاقي الرواج والتسويق في بلادنا… ثم ترى هذه الأخت المؤمنة غريبة عن كتب العِشرة والآداب والسنن في موسوعاتنا الحديثية كالكافي والبحار والوسائل بأبوابها الزاخرة وكنوزها الثمينة ودُررها الفريدة، ولم تسمع عن المحجة البيضاء للفيض أو جامع السعادات للنراقي ومرآة الكمال للمامقاني، فإن فعلت واطّلعت، فمن المؤكد أنها لم تفقه ولم تستوعب.. وإلا لما لجأت إلى ذاك التصفيف الأجوف والتنميق الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

    في أية هاوية سقط هذا التعس حتى أعرض عن جوار حرم الرضا، وهو قدس الأقداس، عن موئل الروحانية ومهبط الملائكة ومعراجها، وغشي بصره عن أنوار تتلألأ لسكان السماوات وأوتاد الأرض وصفوتها ونخبتها؟! ويمم ـ كمرتاض هندوسي تائه ـ صوب تلّة خاوية ليس فيها من الروحانية حتى أطلال؟!

    إنها حالة تبعث على الشفقة قبل كل شيء، أن يطرق شيعيٌ هذه الأبواب، ويلتمس العلاج ويبحث عن سبل طرد الطاقة السلبية، وجذب الإيجابية لذهنيته وعاطفته، ويطلب قوة إرادته وصفاء رؤيته.. في هذا المسلك والطريقة المضحكة، وهو على أعتاب العرش، ويحمل في يده بطاقة دعوة لعروج يُلحقه بسكان الملكوت الأعلى ويغنيه عن البشرية جمعاء، بل الدنيا بكل ما فيها ومن فيها.. كيف لا وقد تعلق بحبل الله واتصل بولي الله الأعظم بعقد ولاء، ووقف ـ بذلك ـ على سر عالم الإمكان وعرف ولي جميع الممكنات؟!

    ولا أدل على فشل هذا الحقل وعجز هذا الميدان، من قراءة في النتائج والمخرجات.. فهذا المؤمن (أو المؤمنة كما هو الغالب)، تراه ما زال معانداً ومكابراً أمام ما تنقل له من معاجز وكرامات وخوارق عادات تصدر عن أهل البيت عليهم السلام! فيشكك مستبعداً ويكابر مستهجناً.. محكّماً “عقله” في أداء موغل في الحسية والمادية ناهيك بالجهل والأمية! فأين الروحانيات التي تلقاها من عالم الطاقة؟ وأين أخذته تلك “العلوم” والتمارين؟ وهو بعُد مرتهن لحسّه مقيّد بضحل فكره، ولا يبصر إلا في نطاق شبر أمامه!؟ أما من أفق أوجدته تلك التمارين؟ أما من سبح وحراك خارج عالم الشهود جاءه من تلك العلوم؟!
    كيف يعيش أحدهم الحسية والمادية حتى يجاري الملحدين، ثم تراه يغرق في عالم الطاقة وهالات الألوان وما إلى ذلك من غير المرئيات؟!
    كيف يسخر هناك، يشكك ويستبعد، ينفي ويجحد، ثم تراه هنا يذعن لمخالف أجوف، ويستسلم لـ “مثقف” يستخف عقول النساء فيغويهن وهو يتحسس عُقد النقص فيهن، ويناغي افتقادهن عاطفة الزوج وشكواهن من التجاهل وعدم التقدير (وكثيراً ما يختص إحداهن بإطراء لم تسمع في حياتها مثله، فتنبسط أسارير وجهها وتنحل عرى قلبها وتتهيأ لإلقاء العنان، ما يحفز البقية، فيتطلعن ويتمنين)؟! مغضياً عن لوث هذا “الأخصائي” بالسياسة، وغرقه بمشاكله الأسرية، وابتلائه بفساد مالي يصنفه في الجشع بعد الحرص والانكباب على الدنيا.. فأية روحانية هذه؟ وأي سلام وطمأنينة عساه أن ينقلها إلى تلاميذه أو يعلمها لهم؟..
    ما لكم كيف تحكمون؟

    لا نجاة ولا خلاص إلا بتحكيم موازين العلم والعقل، فلا يؤخذ شيء من المعارف الدينية والعلوم الروحانية، ولا مناهج السير والسلوك.. إلا ممن يجمع شرائط العلم والتخصص مع التقوى والعدالة.

  • تلاقى سببان وتضافرت علتان، فأسقطتا إيران الجمهورية الإسلامية من موقع الصدارة في العالم الشيعي، وأزالتا عنها مقام “بيضة الإسلام”، وأقصتاها عن المكانة الأولى التي جندت الشيعة في العالم لنصرتها وجمعتهم عليها، وصار أتباعها وحُماتها اليوم مجرد مجموعات ومنظمات، أما ذلك المد الجماهيري والالتفاف الشعبي، فقد زال عنها ولم يعد سمة لها، بلا أدنى شك وريب…

    السبب الأول: قيام عراق جديد بغالبية شيعية ساحقة تناهز ٨٠ ٪، نهض كمارد خرج من القمقم. ونتيجة لعقود متمادية من الحرمان والاضطهاد والتنكيل والإبادة التي عانى منها هذا الشعب المظلوم، تقدم في ظهوره الجديد منقطعاً إلى الله، خاضعاً لدينه ومذعناً لشريعته، متمسكاً بهويته ومعتزاً بمذهبه، ثم عارفاً بقيمة الحرية، ومقدراً هذه النعمة العظمى.. ناهيك بمحامد الصفات التي جبل عليها وغرست فيه طبعاً وسجية.

    السبب الثاني: لقد كان العطاء المباشر والنتيجة الطبيعية لتبني الجمهورية الإسلامية الفكر الضلالي للدكتور علي شريعتي، والعقيدة المنحرفة لحزب الدعوة (فكر فضل الله)… هو تخلف الثورة الإيرانية في ثقافتها وخطابها الديني عن معطيات التشيع ومسلمات الولاء لأهل البيت عليهم السلام، والانتقال إلى جبهة الحداثة والالتقاط، التي تُفقد حمَلتها (مهما حاولوا وتحايلوا) المد الشعبي والانتشار الجماهيري، ذلك أنها تعارض الفطرة الشيعية السليمة، ناهيك بافتقادها الأسس العلمية السليمة والمنطلقات الفكرية السوية.

    من هنا دخلت الجمهورية الاسلامية معارك ثقافية وعقائدية في منتهى الحساسية، تمس التشيع في الصميم، ما أفرزها وصنفها في جبهة أخرى.. فحين ترى سبعة من المراجع العظام للطائفة يحكمون بضلال شخص (محمد حسين فضل الله)، تقوم “الجمهورية” بتعظيمه وتأبينه! مستخفة بالثقل الشرعي والشعبي لهؤلاء، بل متجاهلة ما ارتكب ذاك الضال المضل من جريمة شنعاء… فكأن الزهراء عليها السلام لا حظ لها في هموم إيران وأولوياتها، وكأن “الجمهورية” اصطفت مع من يجحد مصيبتها ويريد نفي محوريتها!
    واستمر الأداء الإيراني في هذا السياق المدمر عبر قناة الكوثر، بإثارة فتنة كمال الحيدري، الذي جاهر بالتخلي عن المذهب والدعوة إلى نهج مبتدع في الاستنباط والمرجعية والمذهب والعقيدة، وهتك مسلّمات الدين ومقدساته…
    وبين هذا وذاك لم يتوقف النصب للشعائر الحسينية، ولا تراجع تأجيج الحرب عليها، بعنوان تهذيبها وإصلاحها وما إلى ذلك من عناوين لم ينطلِ شيء منها على الشارع الشيعي الذي غلبه الألم والحسرة على هذه المواقف، والغضب من هذا الأداء، وقد نكب بمصيبته وشرق بغصته، ولم يجد إلى بث شكواه من سبيل إلا… العراق.

    في العراق وجد الشيعة ضالتهم، ورأوا واقع دينهم وعقيدتهم، وصاروا يمارسون شعائرهم، ويشكرون للشعب هناك حسن الوفادة وطيب الرفادة، وسعة الصدر والنخوة، على الرغم من ويلات يعانيها ومصائب لا تتركه ساعة يلتقط فيها أنفاسه…

    حتى جاءت زيارة الأربعين هذا العام، وهو الأول الذي شارك فيه الإيرانيون بهذا الشكل الكبير، صاحَبه حضور لافت للقوى الموالية للسلطة (كانت في شغل عن الزيارة بتوزيع صور السيد القائد!)، وسلوكيات بعيدة عن الخلق الإسلامي والشرع الحنيف، أورثت بقية الزوار (حتى من الإيرانيين أنفسهم) ضيقاً واشمئزازاً، فصاروا يقارنون ويسجلون المفارقة، بين هؤلاء وأولئك…
    إن العراقيين يسطرون ملاحم قل نظيرها في التاريخ، وهذا أداء سيترك أثره بالتأكيد. ولم يصمد ما التمسه بعضهم لتلك الفئة المعتدية في كونهم من العوام والجهلة (والحال أنهم شباب وفتيان من موظفي الدولة ومأموري النظام)… فكيف لـ “المعيدي” العراقي أن يتعامل مع زوار سيد الشهداء بهذا النبل والرقي، بينما يتعامل “الدهاتي” الإيراني بمنتهى الوقاحة ودون مراعاة لأية حرمة؟! حتى بالغ بعضهم في إساءة الظن وسجل ذلك على العمد في أذية الزوار والتآمر على الشعيرة بالإساءة إليها ودفع الناس لتركها…

    وبعد هذين السببين، جاءت ثالثة الأثافي في بروز المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وتألقها، وقدرتها على قيادة الساحة بأداء سياسي متفوق، استطاع تعبئة الشعب وخلق المناعة للعراق، ما أوقف تقدم التكفير والإرهاب، وأنقذ البلاد والعباد…

    هكذا انكفأ دور إيران وتراجعت مكانتها في قلوب الشيعة، وسقطت عن صدارة تبوأتها طويلاً… لتعود الأمور إلى نصابها، ويرجع الناس لتلقي معالم دينهم من المرجعية الأصيلة واتخاذ مواقفهم من منطلقات شرعية وأحكام دينية بعيدة عن لوث السياسة وخداعها.