• في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، راجت فكرة خطيرة ما لبثت أن شكلت مرتكزاً في الحراك الإسلامي الشيعي في العالم كله، وهي اعتبار نظام الجمهورية الإسلامية “بيضة الاسلام”. بمعنى أنها تمثل الأُس والمرتكز الذي يقوم عليه الدين، وبضعفه واضمحلاله يزول الدين ويندرس، تماماً كما هي الكعبة المشرفة وشعائر الدين الأساسية، وما إلى ذلك مما ذكرته الكتب الفقهية بهذا العنوان: “بيضة الإسلام”.

    وفي هذا السبيل، أو نتيجة لذلك، حدث حراك واسع في الساحة الشيعية في كل مكان، طولبت فيه المنظمات وأُلزمت الأحزاب (بضغوط شعبية عفوية)، أن تعلن انحلالها وتندمج في هذا الكيان الجديد، أو تنخرط في تنظيماته وتصبح واحدة من مؤسساته، وصار تقييم هذه الحركات بين الناس يدور على هذا المدار: كم هي موالية وتابعة للجمهورية الإسلامية؟
    وهكذا ترك كثير من الشباب الشيعي بلادهم ومواقعهم وأدوارهم فيها، وزهدوا في معيشتهم ودنياهم، وهاجروا للدفاع عن هذه الثورة وما تشكله من “بيضة الإسلام”، ومن بقي في بلاده، عمل من هناك على نصرتها ودعمها، وإلا كان يُعد متخلفاً عن الركب وفارّاً من الزحف، ويوسم بالقعود والخذلان.

    وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ووفاة القائد المؤسس السيد الخميني رحمه الله، وقع تغيّر جذري في نهج الثورة وسياستها، نحت فيه إيران منحىً جديداً، انتقل بها من “الثورة” إلى “الدولة”، وأخذت تنسجم مع المنظومة الدولية وتنخرط فيها.
    وكذا مضى الأمر على الصعيد الثقافي، فقد تراجع الحضور الديني لصالح الوطنية الإيرانية (والقومية الفارسية خاصة)، وتراجعت معالم الهوية الشيعية لصالح الانفتاح على المذاهب السنية (كحقيقة علمية وعقدية، لا مجرد خطاب مداراة وتكتيك سياسي).
    هكذا تراجعت ـ تلقائياً ـ شعارات الثورة ومبادئها إلى الصف الثاني والثالث أمام أولويات استقرار دولة وإعادة إعمار البلاد. وما زالت هذه المبادئ والشعارات في تراجع وانحدار (كل ذلك يُلبس بصيغة التكتيك المرحلي، ويدثّر بلباس الأداء الذي يريد ـ في المآل ـ تحقيق أهداف الثورة بالحيلة والمناورة بدل الإعلان والمواجهة) حتى وصلت اليوم الغيابَ الكامل والاندثار في بعض الأحيان، من قبيل ما يجري في مفاوضات الملف النووي… نعم، بقيت مبادئ الثورة وشعاراتها مادة إعلامية دسمة وغرساً دعائياً خصباً، استطاع (بالإضافة ـ في كثير من الأحيان ـ إلى مغريات المال والسلطة)، أن يجتذب بعض الشباب في العالم العربي ويجعلهم أداة لبسط نفوذ إيران السياسي وامتداداً لذراعها الأمني…

    ومن مآسي التوافق أو محاسن الصدف، لست أدري! أن أصبحت إيران تتبنى وتعتمد ـ في نشر “ثورتها” وتمدد حضورها وبسط نفوذها ـ على مدرستي «الإخوان المسلمين» و«حزب الدعوة»، الأولى للبلاد والأوساط السنية والثانية للشيعيّة.. وقد ارتكزت على فكر ونهج ورجال هاتين المدرستين، وإن اعتمدت على تنظيمات موازية للدعوة والإخوان، ولكنها بقيت كلها تدور ـ عقائدياً ـ في ذلك الفلك، وتلتقي على نفس النهج.

    وكان هذا خطأً فادحاً بل قاتلاً وقعت فيه القيادة الإيرانية، بقيت تداريه مصالح المستأكلين من كبار وصغار “الموظفين” الذين اجتذبهم النهج الجديد للثورة، وبقي غرور السلطة وغطرستها يكابر عليه ويأبى عليها الاعتراف به، ومضت في عنادها، وإصرارها بأنه عين الصواب!..

    حتى جاء الربيع العربي ليصدم القيادة الإيرانية ويصيبها في مقتل!
    فقد ظهر وبان أن «الإخوان المسلمين» (بعد «حزب الدعوة» الذي حل مكان حزب البعث) هما خيارا المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد! وأن أمريكا تكافح وتستميت لإقصاء منافسي حزب الدعوة في الساحة الشيعية، بما فيهم المجلس الأعلى الذي لا يختلف عنه كثيراً على الصعيد العقائدي!.. ذهل الإيرانيون وصعقوا، وهم يرَوْن الأمريكان والغربيين يدعمون نفس الحركات الإسلامية التي راهنوا هم عليها، وصرفوا المليارات لدعمها وتثبيت وجودها! لم يصدقوا للوهلة الأولى عمالة هؤلاء، ولا اقتنعوا باختراقهم وفشل خيارهم، والخدعة الكبرى التي انطلت عليهم! ناهيك بالإذعان بأنها حركات أسسها أسلافهم الإنجليز كما يقول خصومهم.

    (يتبع)

  • في خضم السجال المحتدم، والنزاع المشتعل، بل الحرب الضروس القائمة بين جبهتي الولاء والمرجعية والشعائر، وبين جبهة الحداثة والحزبية والسياسة، في الإعلام وفي الكتابة، في التواصل الاجتماعي والخطابة..
    كنت في استراحة الفراغ من هذا الموسم، أنتظر أن أتلقى في إثره “صك الأربعين”، فأنا واصلت الحضور ولم أتخلف عن مجلس الحسين من أول محرم، حتى إني غالبت وعكة نزلت بي في بعض الليالي كي لا أقطع هذا الحبل المتين، ولا تنفصم عني تلك العروة الوثقى…
    وقد جاءت الاستراحة هذا العام لتعقب معركة شرسة لم يوفر العدو فيها بذيئاً من أساليبه ولا خسة في أدواته، ولم يدّخر وسعاً من جهده ولا شيئاً من طاقته…

    هناك، في ذلك الحين وتلك الأجواء، وأنا في معتزل عن صحبي… نطقت الشعائر! وسمعت هاتفاً منها ينادي:
    أي خدّام سادة الخلق والبشر! بوركتم وبوركت جهودكم، ربحت الصفقة وأفلحت التجارة، سوف أدخر لكم كل إحياء ونصرة ودفاع عني، سترونه في قبوركم روح وريحان، من لحظة قبض أرواحكم، حتى دفنكم، وعلى مدى رقدتكم في رياض جنانكم، ثم في الحشر والنشر حين تبعثون، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، هناك سوف أتمثل لكم وأتجلى، بقسمات السعد والبشرى، وأوافيكم بوجه الخير والبسمة، وأتلقاكم بطلعة اليُمن والأمان…

    ألقيت السمع ساعة، وشنّفت أذناي ما طاب لي، حتى خَفُتَ الصوت شيئاً فشيئاً وتضاءل، وكأنه يؤذن بارتحال.. فناديته:
    إلى أين أيها الحبيب؟ ماذا بعد، أما من نُصح وتوجيه؟ أين تريدنا بعد هذا؟

    استوقفه سؤالي فعاد ليجيب:
    لن أثقل عليكم، ولن أفسد ساعة الأنس هذه بخطبة عتاب ومنشور ملامة، وعريضة إسداء نصح وموعظة.. ولكن اعلم وأبلغ صحبك، أن جلّ ما أريده هو الإخلاص، وبعض إتقان..
    أريد أن ننقطع إلى مخدومنا، نحن وأنتم طرق ووسائل تنتهي إلى المولى عليه السلام، فأحسنوا السعي وأتقنوا الأداء…

    🔵 لماذا ترفع صور ورسوم غير أهل البيت في حسينيات بعضكم؟ الحسينية بيت المولى وداره، فلماذا ترفع فيها صور غيره؟ وبهذه الأحجام الجدارية؟ لماذا لا تلبث الكاميرات وهي تلتقط وتسجل مشاهد مجلس العزاء أن تسلط المنظر على تلك الصور، وتميل عن المنبر والخطيب إليها؟!
    ألا ترون المرجع الأعلى، وهو عالم رباني واقعي، حظر ـ على الرغم من مكانته وعظمته ـ رفع صوَره في المحافل العامة، فلماذا يتهالك آخرون على صور “مرجعهم” وهو مدّع مزيف؟! أعلم أنها عقدة ومركب نقص، فالكبير لا يحتاج إلى ترويج وإعلام، ولكن الصغار يستشعرون في ذواتهم الصَغار، فيلجؤون إلى الدعاية والإعلان، ويمزقون الصور ويرفعونها فوق صور بعضهم بعضاً!

    🔵 لماذا يتحول الإطعام الذي أصله التبرك وتأمين زاد المؤمنين حتى يتفرغوا ولا ينشغلوا بغير العزاء، إلى بذخ وترف، وتنافس يحرج الفقراء وغير المقتدرين من أصحاب المجالس؟.. بأنواع من الشواء، وأصناف الحلويات مما لذ وطاب، تبذل في الطرقات وكأنها ولائم أفراح؟.. من هي هذه الفئة التي تؤسس للمبالغة في كل شيء وتدفع إلى الإفراط في جميع أنواع العزاء؟!
    إن إكرام المعزين واجب وهو أمر حسن ومطلوب، ولكن اجعلوا لهذا سقفاً، ولا تسمحوا أن ينتقل بكم عن جوهر الإحياء والتبرك إلى المنافسة والمزايدة.

    🔵 لقد كفيتموني أعدائي حتى أُرغمت أنوفهم وألحقت بهم هزيمة نكراء، ولكنني في ألم ولوعة من المبالغة والإفراط، وهو يصدر من فئة منكم ويقع بينكم معاشر المحيين والمعظمين لي!.. ولا سيما العبث في أشعار المراثي واللطميات، وكذا الفوضى في أطوارها وألحانها. هل ضاقت السبل وأغلقت الآفاق حتى تجعلوا سُوَر القرآن وآياته لطميات؟ هل سُدّت أبواب الطعن والتشنيع على الأعداء حتى نتفنن في استفزازهم ونفرش لهم بسط الجولة والصولة علينا؟ هل أصبح همكم أن تتميزوا وتجتذبوا الأنظار بأي ثمن؟ ثم لا تبالون بالشبهات وبما تحمّلونني من تشويه وإساءات؟!
    أعلم أن جانباً من المبالغة هو رد فعل على الحرب الشعواء، ولكن أين دور الحكماء؟ لا تسمحوا لأحد أن يخرجكم من وقاركم وينقلكم إلى فوضاه وجهالاته، فهذه طريق الهلاك وأول خطوات الضلال، الزموا النمرقة الوسطى وانهضوا بالعدل، والزموا حدود الشرع، ولا تغفلوا عن كيد الشيطان، ثم لا تبالوا حتى تجعلوه همكم ومدار حركتكم فإن كيد الشيطان كان ضعيفاً.

    🔵 لا تفسحوا للخطباء المرتزقة، الذين يتجرون ويتسلقون على منبر المولى، يسوّغون ويسوّقون ولاءات ضالة مضلة، ويروجون مرجعيات مزيفة باطلة، ويعبئون لأحزاب وجماعات ومنظمات… إن البيت لأهله والدار للمولى، ولولاه لما حظي هؤلاء بمستمع واحد! فإذا حشد المولى لهم المستمعين كفروا بالفضل وبطروا بالنعمة وصاروا يدعون إلى غيره ويدلّون على من يوالون دونه!..
    هذه سموم تفتك بي وآفات تقضي علَيّ.
    وها أنا أحذر وأتوعد! إن لم يتب المتاجرون المستأكلون، ويسارعوا لإصلاح أنفسهم وتغيير نهجهم، سوف أفضحهم وأسقطهم من أعين الناس.

    🔵 أيها الشعراء الصغار مهلاً ورويداً، لا ترنوا إلى مجدكم بهتكي، ولا تبتذلوا الفن باسمي! ليس كل جامع للمعاني بأديب ولا كل ملفق للقوافي بشاعر، وبعض ما “يُنظم” هو إلى البعر أقرب منه إلى الشعر!
    أيها الرواديد المبتدئون لا تجعلوا بضاعتكم الاستخفاف بي، اصبروا وتمهلوا، تدربوا وتمرنوا، تلمذوا وتعلموا، عسى أن تفلحوا يوماً، ويجد المولى فيكم خيراً، فيأخذ بأيديكم ويرفع المخلص المجيد منكم، فيرزقه المال والشهرة، ويهبه المجد والمحبة في قلوب الموالين، كل ذلك إذا آن أوانه وحان حينه، وهو في علم الله وغيبه، لا يقدمه إعجالكم، ولا يسرع به تلهفكم، بل لعله ذلك يصرفه عنكم!

    🔵 إخواني الكرام، أريد الوقار والاتزان، والحكمة التي تضع الأمور في نصابها وتنزلها منازلها وتدرجها في مواقعها… امنعوا المتهورين من قيادة هذه النعمة المحسودة التي تحدق بها الذئاب، أصلحوا هؤلاء وروضوهم بالرشد، وخذوهم بالموعظة الحسنة وبالرفق والمناصحة، فهم منكم، وجلهم يتمتع بالإخلاص ويعيش الشوق للخدمة، فإن أبوا وكابروا، فاركنوهم جانباً وامنعوهم من الصدارة، فلا شيء أضر على هذه المسيرة من أحمق يريد أن ينفع فيضر…

    ختاماً…
    إنني أقتات من الصدق والإخلاص، وأنفاسي ترك المبالاة بما في أيدي الناس، والانقطاع لإرضاء المولى، وطعامي وزادي الحذر من المنافسة… فسارعوا إلى هذه تحظون بالعناية الخاصة، وتكللون بالنجاح والفلاح.

  • من أخبث عمليات الإضلال والطمس الإعلامي التي يقوم بها التيار “الحداثي” الذي يناصب العقائد الدينية والشعائر الحسينية العداء تحت شتى العناوين، كعدِّها رجعية متخلّفة، أو غير منطقية ومخالفة للعقل، أو مشوِّهة للدين، أو أنها ملازمة للقعود وتحول دون الحركة والجهاد… السعي لإظهار أو الإيحاء بأن من يقف (بالفكر والفقه، وبالتوجيه والقيادة، والإدارة والحركة) خلف الجبهة التي يحاربون، هي الجماعة الشيرازية! وأن “الولائيين” و”الحسينيين” ينحصرون ويتلخصون في أتباع هذه الفئة أو المنقادين لها!

    ولا يخفى أنها فرية “استحلاها” القوم واستساغوها! إن لم يكونوا هم وراءها، والذين دفعوا لها، لغاية في نفوسهم لا تغيب عن الأكياس، كما يظهر من المقالة الأخيرة التي نشرتها صحيفة “الأخبار” اللبنانية: “الشيرازيون و«طقسنة» التشيّع”، لكاتب يدعى: عبدالله العلوي، والأخرى التي انتشرت كردٍّ عليها

    إن تصوير الواقع وإظهار المشهد في المعركة التي تدور رحاها بين المؤمنين الملتزمين وبين الحداثيين المنحلّين، بصورة مزيفة تشكل قفزاً وقحاً على الواقع، ومصادرة فجّة للحقيقة.. شيء أشبه بفرية تاريخية سابقة أنزلها إعلام السلطة بـ “الرافضة”، روّجها علماء السوء وسوّقها الحقد الطائفي، بأن التشيع حركة شعوبية أسسها عبدالله بن سبأ! وأن لا خلاف بين الصحابة ولا نزاع، بل نسب ومصاهرة، وتبادل في إطلاق الأسماء، هذا ناهيك بنفي النص على الخلافة، وجحد تعيين أميرالمؤمنين عليه السلام في الغدير، وما إلى ذلك مما نرى ونشهد.

    ليست هناك إحصائيات دقيقة أو استبيانات علمية تكشف حجم المرجعيات الشيعية (الأصيلة الحقيقية منها، والمدّعاة المزيفة)، ما يرسم نطاق نفوذها ومدى تأثيرها وسلطتها الروحية على الساحة، لكن يمكننا أن نسوق شواهد ونستدل بقرائن تكشف حجم التيار الشيرازي، إذا ابتعدنا عن الإعلام، وخلصنا عقولنا عن الاغترار بالانتفاخ والورم الذي تصنعه الفضائيات، وقرأنا الساحة بمعطيات موضوعية ومؤشرات تحترم عقول الناس…

    فعلى سبيل المثال (المزيد…)

  • من أهم مواقع الخلاف بين الشيعة الملتزمين بالأصول العقائدية والشرعية، وبين تيار الحداثة والتطوير الديني المنفلت والمتحرر من أي قيد ديني وعلمي، في أمر الشعائر الحسينية… أنهم يرمون الشيعة والموالين بأداء تعبدي عاطفي يفرغ الشعائر من عطائها الرسالي، وبالتحديد: الثوري.
    ويتمادى بعضهم فيعرّض بالباكين على سيد الشهداء واللاطمين والجازعين ولا سيما المطبرين، بأنهم من القاعدين الخانعين، وسمعت أحدهم، يتحامل ويرميهم بالفرار من الزحف وترك الدفاع عن حرم السيدة زينب عليها السلام، وسمعت آخر (في فيديو مُعد بالفارسية بحِرَفية وإتقان مخابراتي) يلعنهم ويشتمهم ويقسم بأن لا رجل في المطبرين!

    والحقيقة أن هذا الخطاب يمكن فهمه وهضمه عندما يصدر من شخص مثل السيد حسن نصرالله (الذي لم يفعل ولم يخض في هذا اللهو، فهو في شغل وغنى عن هذا الاتجار!)، ومن على شاكلته من الثوار والقادة المجاهدين.. لكن أن يصدر عن شيخ لم يحمل في حياته سلاحاً، ولم يعرف جبهة وقتالاً، ولم يسجن أو يعتقل يوماً واحداً، ولم يُلاحق مرة، وما يزال يقضي حياته في رفاهية من العيش، وادعاً فاكهاً، يتسنم أكبر المناصب، ويتقاضى أعلى الرواتب، لا لكفاءة وعلم واستحقاق، بل لدور وضيع قذر، هو كل عطائه وجلّ ما قدّمه للثورة، يتمثل في كتابة التقارير الأمنية بحق منتسبي الحوزة العلمية في قم، وتخويف طلبة العلم العرب هناك وإرعابهم!… مثل هذا الشخص المتطفل المستأكل بالثورة، يرمي الحسينيين الولائيين بالجبن والقعود عن الجهاد.. هذا من هوان الدهر وعلامات آخر الزمان، ومنها حكم الصبيان ودولة الغلمان!

    والغريب أنهم يعلمون جيداً أن مئات المجاهدين المرابطين لحماية حرم السيدة زينب عليها، من السوريين والأفغان والعراقيين وغيرهم، هم من المطبرين، بل قادة هيئات العزاء، وقد ارتحل كثير منهم شهداء وزفوا إلى الجنة وهم مضمخين بدماء الشهادة والتطبير معاً، فحازوا الفخرين وكللوا بالتاجين، عزّ الجهاد وشرف خدمة الحسين.

    وإن فاتت القوم هذه الحقيقة، فكيف تعمى أبصارهم عن مئات آلاف الحسينيين في العراق، الذين لبوا نداء المرجع الأعلى السيد علي السيستاني للجهاد، ونفروا خفافاً يتصدون للتكفير والإرهاب، وهم جميعاً من القائمين بالشعائر الحسينية التقليدية وأصحاب هيئات ومواكب لطم وتطبير وإطعام وزيارة؟!

    وعلى الرغم من كل ذلك، تجد أبواقهم الرخيصة تتجاهل هذه الحقائق وتعود لتسفه وتلعن المعزين ولا سيما المطبرين، وتفتري عليهم بأنهم ليسوا مجاهدين؟!

    هل عميت الأبصار بعد البصائر؟! هل غلبهم الغل وقهرهم الحسد فما عادوا يبالون بالكذب والدجل؟! أم هي مدرسة قوامها هذا الأداء، فلا أدلة يملكون ولا بفكر يتمتعون، فلا حيلة إلا هذا النصب والتدليس والاحتيال؟!..

    ثم تعال إلى دعاة الثورية والمنادين بتوظيف الشعائر لصالح خطاب ثوري… لتجد مهزلة تضحك الثكلى! فأنت لا ترى فيهم إلا مستظلاً تحت مظلة الطواغيت في بلدانهم، ومنهم وزراء ونواب وتجار وكتاب وأكاديميين، إن تفوقوا في شيء ففي الاتجار والانتهازية والوصولية! وهم جميعاً داخلين في صميم الولاء لحكومات الجور، منخرطين في أنظمتها غير الشرعية، منغمرين في الدنيا بأقذر صورها وأخس مظاهرها… فأين الخطاب الثوري لعاشوراء عن هؤلاء؟! كيف لأحدهم أن يحمل قلمه ويخط كل ذاك الهراء، وهو في صميم “القعود” ولم يمارس في حياته ـ ولا لمرة واحدة ـ فضيلة الجهاد؟! لست أدري، ولكنه الحديث الشريف: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

    إن المثقفين والمعممين من وعاظ السلاطين وأعوان الظلمة، الداخلين في أنظمة الجور (بأشخاصهم أو أحزابهم أو مواقفهم)، المطأطئين رؤوسهم في ذلة وخنوع، ما بلغ بهم التخلي حتى عن سمة المعارضة الظاهرية، فدخلوا في تصنيف “الحكوميين” رسمياً.. ليس لهم إلا أن يصمتوا ويخرسوا، وإن أبوا فليأكلوا ما يملأ أفواههم ويشغل ألسنتهم ويمنعهم من هراء الفسقة وابتذال الفجار ومجون المتهتكين.

    قد ينطلي الأمر على الشباب الذين لم يواكبوا الثورة الإسلامية في عصرها الأول، ولم يعيشوا ويدركوا منها إلا زمن الرخاء والأمان والراحة، ولم يعرفوا أحداً من أبطال النضال وفرسان الكفاح وحملة رايات الجهاد، من السابقين الأولين في هذا الحقل العصيب، فلم يملكوا حسها ولا استشعروا نبضها، ففقدوا القدرة على معرفة معالمها وتمييز رجالها، فاختلط عليهم الضبع بالسبع والهر بالأسد…

    إلى هؤلاء المستضعفين أوجه خطابي: إخواني وأبنائي، اعلموا أن أغلب الذين ترون من حملة راية حرب الشعائر بحجة الثورية والعطاء الثوري لنهضة الحسين، كانوا ضد الثورة وضد شخص السيد الإمام الخميني! وفي أحسن الحالات كانوا يقفون على التل، ويقبعون على مقاعد المتفرجين… ولا يكتفون حتى يرجفوا في المدينة ويتربصوا بنا الدوائر!
    لم يجاهدوا حين كانت سوح الجهاد مشرعة، ولم يساهموا في الثورة ولم يتحملوا شيئاً من أعبائها، لا كابدوا ولا قاسوا، لا عرفتهم جبهة ولا انخرطوا في خلية، لا نطقوا وهتفوا لنصرتها، ولا خطّوا وكتبوا في الدفاع عنها…
    لذا تراهم يتاجرون بها ويبيعونها بأرخص الأثمان، ولا يبالون بسحق مكتسباتها وابتذال قيَمها، ولا يعنيهم تفرق أتباعها عنها وانحصار “أنصارها” في مداهن ومتملق وتاجر ومتسلّق..
    ما رأيت شريفاً، وإن كان من المؤمنين بالسيد الخامنئي والخاضعين لسياسة إيران، إلا تنزّه وتجنب المس بالشعائر ما استطاع، كما لم أر أحداً من المنبرين لهذه الحرب القذرة وذوي الرايات في هذا الماخور الموبوء، إلا كان وضيعاً حقيراً من أدعياء الثورية، والمستأكلين بها…

    في زمن نُفي فيه الصميم وقرّب اللصيق، وأُقصيت فيه الرؤوس وارتفعت الأذناب، ونُحّي الأشراف وترأس الحثالات… بات حقيقاً أن يُسقِط صفة الثورية وينفيها عن ابن بجدتها رخوٌ متميع رقيع لا ناقة له في الثورة ولا جمل، ويسلبها عن أهلها الذين نهضوا بها في زمن الحرب والتضحية والبذل والعطاء، هرٌّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد…
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • من خطب الملاحم: “راية ضلالة قد قامت على قطبها، وتفرقت شُعَبها، تكيلكم بصاعها، وتخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملة، قائم على الضلة… أين تذهب بكم المذاهب، وتتيه بكم الغياهب، وتخدعكم الكواذب، ومن أين تؤتون وأنى تؤفكون؟… استمعوا من ربانيكم، وأحضِروه قلوبكم، واستيقظوا إن هتف بكم”…

    هل لفحت وجوههم السموم فكلحت وغلظت فما عادوا يستحون؟ أم ضرب الهجير عقولهم فصاروا يهذون ويخرصون؟ هل صهرت شمس القائلة يوافيخهم، فخولطوا وجنَّ جنونهم؟ أم عضّهم الإفلاس وغلبهم الجدْب، فلَبِسهم الجرٓب ونزل بهم الكلَب، وها هم يلهثون، وقد تدلت ألسنتهم من شدة جوعهم للفتك، وأكل لحوم المؤمنين، ومن غلَبةِ العطش والغُلّة التي لا تطفأ إلا بسَوْرة بثّ النزاع والفرقة، ولا تُروى إلا من نجيع الشقاق والفتنة؟..

    فعل الداء فيهم فِعله، وأمضّهم وأضناهم، فغدوا في زحار دائم ولوثة مستمرة تدفعهم لنهش كل ما يلقون ومن يقابلون…

    كانوا يصبون حممهم ويقصرونها على أيام عاشوراء، ويكتفون بموسم العزاء الأكبر الذي يجمع عامة الشيعة، ويكفّون عن الخواص، ويتركونهم لشأنهم بقية الموسم الذي يمتد حتى وفاة النبي في ٢٨ صفر… وإذا بهم هذا العام يبقون على نيرانهم مشتعلة ويوغلون في الدناءة ويستمرون في العداوة، سيان واجهوا رداً ولاقوا مقاومة، أم اُهملوا ومرّ عليهم المؤمنون مرور الكرام، مجسدين المثل في قوله تعالى: “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ”… وقد دخلنا في صفر وهم ماضون في سُعارهم، لا يكفّون ولا يتراجعون!.. فماذا دهاهم وماذا يريدون؟!

    ألا شاهت الوجوه وقبحت المسالك وانحطت الدروب.. وهي مسيرة قديمة سابقة، لكنها كانت مضمرة الأبعاد، مخفية الحدود والنهايات، يواريها التكتيك والمناورة، وتداريها المرحلية والأطوار، ها هي تظهر للملأ وتنكشف للعيان… الآن حصحص الحق وأسفر الصبح وظهرت الأغراض والأمراض والغاية الأقصى التي يرمون، فأعلنوها صريحة، كما كنا نقرأ من عنوان كتابهم وشعار راية ضلالهم (فيعتب بعض السذج: إنه أخذٌ بالظن، وقصاص قبل الجناية!)، فها هم ينادون علناً ويجاهرون:
    ▪️ إنهم ليسوا منزعجين من الجزع والصرخة والإدماء والتطبير فحسب، ولا رافضين للطم والبكاء فقط! بل يريدون إنهاء العزاء من رأسه وتحويل مجالسه وشعائره إلى محاضرات سياسية ودروس ثقافية وجلسات حوارية!
    ▪️ لقد أعلنوها صريحة، وطالت عريضة رغباتهم وتوسعت لائحة طلباتهم لتشمل: إنهاء الأحزان وكسر الحداد وخلع السواد في محرم وصفر (بعد العاشر)، والدعوة لإقامة حفلات الزواج، وعدم تعطيل الأفراح وتأجيل المسرات!
    ▪️ وإن تعجب فعجبٌ من “المثقفين” دعاة تحرر المرأة وسوقها إلى سوح العمل والحركة والاعتصامات والمسيرات.. استنكارهم خروجها في زيارة سيد الشهداء!
    ▪️ وأعجب من ذلك موقف “المتحضرين” المنادين بأساليب عصرية ولغة متمدنة للتعبير عن الحزن… في رفضهم إيقاد الشموع واستهجانهم ما يفعله الشيعة ليلة الوحشة!
    ▪️ في هذا العام طال تطاولهم وتوجهت سهامهم حتى للإطعام! وراح إخوان الشياطين (المبذرون) يلقون علينا الدروس في الاقتصاد ومنع الإسراف، واعتلى الأشحة البخلاء منابر الوعظ والدعوة للبذل على الفقراء!
    ▪️ إنهم يستميتون لقطع تواصل العزاء واستمراره شهري محرم وصفر، وإن بإقامة الاحتفال بميلاد إمام (الكاظم عليه السلام)! ولا يبالون بهتك حرمة ذكرى وفاة السبط الأكبر في ٧ صفر، ولا بتخفيف وقع فاجعة وفاة النبي ﷺ بضم غيرها إليها واختصار المناسبات وضغطها ما استطاعوا!؟

    كم هو مخز أن يعرف أصحاب الفنادق والمطاعم وصالات الأفراح أن الشيعة لا يتزوجون في شهري محرم وصفر، وتعرف صالونات التجميل أن نساء الشيعة لا يتزيّـنّ في هذين الشهرين…
    ثم يسعى ويكافح “معممون” و”متدينون” لكسر هذا الالتزام وإسقاط هذا الشعار الذي أصبح هوية ومعلَماً للمذهب وأتباعه؟!

    لقد تمادوا هذا العام وجاؤوا بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ومِلء السماء: دفن سائر أنماط العزاء!..
    فأسفروا عن وجه يحكي الزندقة الأولى، والأموية السابقة التي ظهرت في عهد الأمين الشامي ومهدي البصري، التي أنشد فيها شاعر أهل البيت السيد رضا الهندي (صاحب الكوثرية) رحمه الله:
    يا راكباً إما مررت بجُلّق
    فأبصق بوجه أمينها المتزندق

    وقال:
    ذريّة الزهراء إن عددتَ يوماً ليطري الناس فيها الثنا
    فلا تَعدّوا “محسناً” منهم لأنّها قد أسقطت محسنا..

    مشروع فكري ساقط، وخطاب ثقافي بني على شفا جرف هار ما زال ينهار بهم ويهوي… كل مؤونته وتمام مادته كذب وخيال! فهم يصورون وهماً ويلاحقون سراباً، وينادون بباطل ويتحايلون برأي فاسد، ويريدوننا أن نغيّر وفقه قناعاتنا، ونكف بسببه عن عباداتنا، ونخرج من تقليد مراجعنا، ونترك على ضوئه معتقداتنا!.. ذلك أن جل دليلهم وكل حجتهم، تبجحهم: ذهبتم بماء وجهنا أمام العالم! أخزيتمونا في أعين الغرب! شوّهتم ديننا وأوهنتم مذهبنا…

    أزيز ذباب ونقيق ضفادع، ونعيق غربان وفحيح حيات، ثم نباح كلاب وعواء ذئاب، فرُغاء أباعر ونهيق حمير.. هكذا غزلت أهواؤهم المضلة ومصالحهم الرخيصة ونفسياتهم المريضة خيوط الفتنة، وحاكت ثوب النزاع وزرعت بين المؤمنين الشقاق!

    والحقيقة أن لا غرب يشمئز من الشعائر، ولا شرق يستغرب التطبير…
    والذين يرصدون الإعلام ويتابعون ما يمسنا في عالمه، وفيهم إخوة كرام يعيشون في بلاد الغرب… يعرفون هذه الحقيقة ويقفون على الأمر، ويتلقون مزاعم القوم ودعواهم بمنتهى الاستغراب!..
    فلم يُسجل على هذا الصعيد شيء، ولم يشكّل ما قيل في إدانة التطبير واحداً بالألف مما يدين المسلمين نتيجة تخلفهم العلمي والسياسي والاجتماعي، وحراكهم الديني الذي صبغه العنف وطغى عليه الإرهاب!
    نعم، إنهم يشمئزون من الدماء، لكن تلك التي تراق من الآخرين بسبب الإرهاب، لا التي ينزفها المؤمن في طقس عبادي يمثل عقيدته وسموه الروحي، فهذا مما يبهرهم ويبعث فيهم الحيرة والدهشة، وفي بعضهم الإعجاب!.. فلماذا الاصطفاف مع التكفيريين، سواء في التغطية عليهم وتمييع موقع إدانتهم، أو في مشاركتهم حربهم وعداءهم الشعائر الحسينية؟

    ظهرت الأكذوبة وانكشفت الحيلة وبطلت الخديعة… الحقيقة أنهم منحرفون يريدون القضاء على الشعائر الحسينية كلها، الصاخب الهادر منها، كما المعتدل الهادئ.. لا تهذيب وترشيد، بل إسقاط وإنهاء، لا إصلاح ولا تقويم، بل حذف وإلغاء!

    لن نحسن الظن بعد اليوم بهؤلاء، ولن نسمح لهم أن يغرروا بنا وبأهلنا ومجتمعنا، وسنواجههم ونكشف حقيقتهم، إنهم أئمة ضلال لا هدى، وحكام جور لا شرع، وأعضاد طواغيت وأنصار باطل… فقد فسد الزمان وتضافرت الشواهد وتعاضدت القرائن على أنهم خونة، خانوا الأمانة، وفرطوا في المسؤولية، وضيعوا الحقوق والواجبات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

  • مما يحز في النفس ويؤلم الروح، بل يندى له الجبين وتنكس الرؤوس، أن يعجز المثقف الشيعي ويقصر في فهمه وإدراكه، ناهيك بفعله وموقفه، عن مواكبة ظاهرة جماهيرية وممارسة شعبية وحركة اجتماعية تعد أعظم ما يمكن أن تعيشه أمة على الإطلاق…
    حين تبقى حادثة وقعت قبل نحو أربعة عشر قرناً نابضة وتستمر متألقة وتمضي متفجرة في نفوس وحياة وواقع أصحابها بهذا الزخم، ويتكرر إحياؤها في كل عام بحدود ونطاقات لا نظير لها من الحماسة والانفعال، والبذل والعطاء، وبسعة عددية تناهز الإطباق وشمول الناس كلهم…
    إنه أمر خارق للعادة، غريب منتهى الغرابة…
    حـريٌّ بمئات الدراسات والأبحاث العلمية التي تؤسس لنهج ونظرية جديدة في علم الاجتماع وحركة التاريخ!

    كيف يتجاوز الشيعة الموانع الأمنية ويهملونها، ويتحدون التهديدات ويتخطونها، ويحيون الذكرى بمزيد زخم وألق، وبعفوية وإصرار لا يبالي بالموت والقتل والتفجير؟ كيف لفقير مدقع أن يبذل كل مدخراته لهذه القضية، وينفعل حتى يجهش بالبكاء والعويل، ويذهب في ذلك ليبلغ الجزع وسائر مظاهره بما فيها الإدماء؟.. ثم تسري الظاهرة وتعم لتتجاوز الحالة الفردية والنخبوية فتبلغ المجتمع كله والأمة بأسرها؟!

    إن الشعائر الحسينية (في جنبتي العزاء والزيارة) تحمل مادة غنية، بل كنزاً كبيراً وثروة طائلة من حقول البحث وميادين الدراسات الاجتماعية والسياسية والروحية والنفسية والأخلاقية وغيرها…
    دراسات تنهض بها فرق عمل جادة ومتخصصة، تقوم على استبيانات تغطي جميع الشرائح والأبعاد، وتوثيقات بالوصف الدقيق (العلمي والأدبي) والصور الثابتة والأفلام المتحركة (الفنية والوثائقية)، وإحصائيات (تغطي البشر والخدمات والزمان والمكان والإمكانيات والموارد)، ومعاينات ميدانية، ومتابعات صحافية، ومقارنات تستشرف الملل والنحل، ومقاربات تستطلع الأمم والمجتمعات المعاصرة…

    لكن مع الأسف الشديد فإن المثقفين الشيعة في غفلة عن هذا كله وشغل شاغل… فإن التفت بعضهم تراه وقف في زاوية حرجة مظلمة، وألقى نظرة تلقاها عبر تلقين عفّ عنه العوام وتنزهوا، فعصوا على أربابه وأعجزوا أصحابه! وقع فيه المثقف وأخذه لقمة سائغة! فصار يجتر مقولات الحسّـيّـين ونظريات الماديين، ويتحرك من منطلقات الأعداء والمتربصين!

    إنني أعرف المعطيات الموضوعية والأسباب السياسية والبواعث المصلحية، والإملاءات التي تغذي هذا الاتجاه المريض في النظرة إلى الشعائر الحسينية، وتجعل المثقف يعجز عن مشاهدة كل هذه العظمة ويفشل في رؤية هذا الكم الهائل من الحسنات، ويقصر عن قراءة موضوعية تشعر بالإيجابيات، ويتقوقع في دائرة الخور والعجز، بل الخجل من هويته، وهو يريد أن يحاكي الآخر في فكره وعقيدته بعد ملبسه ومأكله ونمط معيشته…
    وتحول ـ بالتالي ـ دون نهضة علمية وثورة ثقافية تفي الحدث بعض حقه، وترفد الأمة وتسد الثلمة على هذا الصعيد..
    إن هذه العلل والعوامل معروفة ومكشوفة، كما خيانة القوم لقضيتهم وأهلهم…

    لكني في حيرة من النخب المخلصة، وشكواي من المثقفين الأحرار، وهم كثر، أن قصّروا في واجبهم وفرطوا في مسؤوليتهم واكتفوا بأقل الأدوار، وقنعوا بالسير على هامش المسيرة، فخسروا شرف النصرة وفخر العمل وتاج خدمة سيد الشهداء.

  • لا تقرأوا….
    الأغراب عن ربوع الحب والولاء،
    الضلّال في شعاب الأباطيل والأهواء، القابعون في زوايا الجهل وأركان الظلام.. حق أن تُغشى أبصاركم من سطع الأنوار، وتعمى قلوبكم من بهر الضياء، فتستوحشوا في مدن العشق والغرام، وتروا أنفسكم أجانب في سوح الهيام…
    الذين لم يرتشفوا من زمزم حب المصطفى جرعة، لم يعتكفوا في حرم ولاء بنيه ساعة.. الذين ما دخلوا مع النبيين جنان الصاقورة، ولم يؤمنوا بهذا الغيب ليذوقوا من حدائقهم الباكورة، والذين لم يعهد منهم الوفاء، لم يتبعوا من أُلبس حلة الاصطفاء… 

    التائهون في دهاليز السلطة والمال، اللاهثون وراء خفق النعال، المتهالكون على الجاه والشهرة، الغارقون في مجارير النفاق والسياسة، المركوسون في الدجل والنصب والاحتيال..

    لا تقرأوا هذا المقال ولا تقربوا من هذي الحال، فلن تعودوا إلا بمزيد من التعاسة والشقاء، والبعد والبلاء…

    دعوكم في حضيضكم الآسن، رهائن إصركم والأغلال، ابقوا حيث أنتم ولا تدنوا منا ولا تدخلوا فينا…

    إننا نسمع قرع طبول الحرب الكونية، ورجع أبواقها ينادي: حيدر حيدر… فهل تسمعون؟!

    نحن نرى الملائك شعثاً غبراً، تطفر في سمائها وقد طاش لبها وفقدت صوابها وأضاعت رشدها، فما عادت تدري ماذا تصنع، لا والله بل فعلت فجزعت، فنهضت تؤدي بعض حق المصاب!.. فهل تنظرون؟!

    إننا نشعر بالزلزال الذي سيقع فجر الغد، يهز عرش جبار السماوات والأرض، فيتداعى له كل شيء في الملك والملكوت، فكأن القيامة قد قامت.. فلا نملك إلا الفجعة والهلع.. فهل تشعرون؟!

    في القدسي الذي تقشعر له جلود الذين آمنوا، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله: “لولا أطفال رضّع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع، لصببت العذاب على أهل الأرض صباً”..
    بهؤلاء يدفع البلاء…
    وفي ملحمة العاشقين وربوع المحبين أوتاد مغروسة في عمق الولاء، تحيط بأصل الشجرة وجذرها، وأساطين منتصبة ترتكز على ذلك الأساس، تتلقى الصواعق والنوائب فتدفع ما حق أن يحل على بلاد وأمة قصّرت في واجب العزاء، وأوجبت على نفسها سخط الرب وغضب السماء…

    إن الجازعين الذين سيروون الأرض من دمائهم صبيحة الغد، ينهضون (فيما يفعلون) بمهمة حفظكم وحراستكم، في أنفسكم وأعراضكم وبلادكم، أن يحل سخط الله عليكم…

    لن يفقه دجال يغرر وغراب ينعب وذئب يعوي وكلب ينبح، وبطر أشر، مترف مستكبر، ماذا نرى ونسمع، وكيف نشعر وندرك…

    وبالفارسية لعلهم يفهمون:
    “هر آن کسی که در این حلقه نیست زنده به عشق”
    {من لم يكن معنا حياً في حلقة العشق هذه}
    “بر او نمرده به فتوای من نماز کنید”
    {صلوا عليه ـ بفتواي ـ صلاة الجنازة وإن لم يكن ميتاً}!

    إنهم أموات، ونحن أحياء بالحسين: “أشهد أنك قتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك”… وأنتم أموات بغير الحسين مهما عظم (في أعينكم) “إمامكم” الذي استبدلتم به الحسين، ومهما تشدقتم وتنكرتم وكابرتم… أنتم أموات!

  • عن أميرالمؤمنين عليه السلام: “اعلموا أن الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلوّن، فلا تزولوا عن الحق، وولاية أهل الحق، فإن من استبدل به هلك”. وعن الصادق عليه السلام: “المؤمن له قوةٌ في دين، وحزْمٌ في لين، وإيمانٌ في يقين، وحرصٌ في فقه، ونشاطٌ في هدى، وبرٌّ في استقامة، وعلمٌ في حِلْم، وكيْسٌ في رفق… لا يُرى في حكمه نقصٌ ولا في رأيه وَهْنٌ، ولا في دينه ضياع…”.

    أن يراعي المؤمن المجتمع الذي يعيش فيه، فيمارس نشاطه وسلوكه ـ بما في ذلك شعائره الدينية ـ بكيفية تظهر حُسنه وزين أئمته وأربابه، وتوجب مقبوليته ومحبوبيته، وتنأى به عمّا يزري به ويشينه… فهذا أمر حسن ومطلوب، ومما أمر به الشرع ويحكم العقل، حتى إن باب “آداب العشرة” الذي تجده في مجاميعنا الروائية، يهدف فيما يهدف، خلق السلوك الاجتماعي السوي، والخُلق الديني الرفيع في التعاطي مع الآخر ومراعاة الظروف بما يحق الحق ويخدم الرسالة التي يحملها المؤمن.

    ولكن الآفة، وما يشكل الخطر والبلاء هنا، ينشأ من أمرين:
    الأول: الغفلة عن جوهر هذا الحكم، وعمق هذا التكليف.. ذلك حين تفسُد النية، فتنفصل حركة الجوارح عن تفاعلات الروح، ويقع الطلاق بين الظاهر والباطن، والافتراق بين السيرة والسريرة!..

    يختلط الديني بالاجتماعي، وهذا بالسياسي، وكل ذلك بالتجاري والمالي، فلا تدري لماذا صلى الرجل مع القوم، ولم عاد مرضاهم وحضر جنائزهم؟ هل فعل ذلك من منطلق شرعي وخُلق ديني، أم قادته مصالح مالية وأغراض سياسية ومخاوف وهواجس دنيوية؟ هل فعله من فقه وقدرة ووعي وعزة، أم من جهل وعجز وضلال وذلة؟

    الثاني: الإفراط والمبالغة في هذه “المراعاة” والذهاب إلى حد تمييع الشخصية وما يفضي إلى مسخ الهوية… فيتحول المؤمن في سيرته وتعاطيه مع الآخر إلى “ممثل”، كأنه يؤدي مشهداً في مسرحية، وفقاً للدور الذي يناط به! يفتقد نداوة الروح وطراوة الحس وسمو النفس، ويغدو آلة ميكانيكية تتحرك برتابة (وإن بانضباط) موغلة في الحسية والمادية! لا تعرف الحق في عمله من الباطل، ولا تميّز الصدق في حديثه من الكذب، ولا الأمانة في سلوكه من الخيانة!

    إن من أخطر الحالات المرضية التي يمكن أن يعيشها المرء، ولا سيما إذا كان في موقع القيادة والريادة، الانطلاق في سلوكه ومواقفه من الخارج، ومحاكاة الخصم والعدو والآخر! لا الارتكاز على الروح والداخل، والامتثال للمبادئ والقيم والانطلاق من القناعات التي استقرت عليها النفس…

    إنه مؤشر على الوهن الروحي والخواء النفسي، وعلامة على فقدان الهوية العقائدية واهتزاز الإيمان الذي يبني الركائز ويشيد القواعد!

    يأتي موسم العزاء ومناسبة الشعائر الحسينية فيفقد القوم صوابهم ويذهبون في الهذي والتخريص ما شاء الشيطان، ينسون كل شيء في الذكرى، ويفرغونها من كل عطاء، ويكبون على نبذ هويتهم، ويتهالكون كيف عساهم أن يرضوا الآخرين؟ وماذا يفعلون حتى يعثروا على قواسم تجمعهم بهم وتشركهم معهم في عقائدهم وأحكامهم وآدابهم؟..

    والحقيقة المرة في هذا الأداء، أن مهيضي الجناح والمتلونين المنقلبين هؤلاء لا يطيقون أن يكونوا “أقلية”، لذا يستميتون أن لا “ينفصلوا” عن مجتمعهم، ويُشار إليهم بما يميزهم عن المخالفين، وأن يعلق بهم ما يفردهم عن البيئة والمجموع والأغلبية المهيمنة!

    هكذا يسقط الوعي وتسحق الطليعية وتمتهن التقدمية على أيدي وتحت أرجل الدُعاة الذين يدّعون الحركية والسبق في الوعي والمبادرة إلى الجهاد!
    لم ينطلق التعساء من حرص على دينهم، ولا قضّ مضاجعهم ما يتهدد مذهبهم!…

    إنهم ـ في واقعهم ـ يريدون العيش بعيداً عن تبعات التشيّع، ويسعون وراء ما يكفيهم مؤونة وكلفة حمل الرسالة والأمانة، ويعفيهم من ضريبة الحب والولاية!… ثم تراهم يدارون كل هذا العجز والضعف بعناوين إصلاح المذهب وذريعة نفي ما يشوهه!

    من هنا فإن الحسين عند هؤلاء ثورة تجمعه بجيفارا، ومُصلح يثني عليه ويستشهد به غاندي… وأتباعه “إنسانيون” يتبرعون بالدم للمرضى والجرحى، و”سلميون” ينبذون العنف والدموية التي في التطبير، ورحماء يبذلون أموالهم للفقراء بدل أن يقيموا بها المآتم ويطعموا المعزين، وفنانون يرسمون اللوحات ويعزفون الموسيقى، و”منضبطون” لا يتغيبون عن مواقع أعمالهم ومقاعد دراستهم في عاشوراء، و”نظيفون” يكنسون الشوارع ويجمعون القمامة!…

    إن الحسينيين في قاموس القوم: أي شيء يرسخ اندكاكهم في الهوية الإسلامية العامة البعيدة عن المذهبية، ويؤكد التحاقهم واندماجهم مع العادات والتقاليد العامة التي تحكم مجتمعاتهم، دون أية خصوصية تميزهم، وعقيدة تفرزهم! بل يغرقون فيما يسلخهم عن هويتهم الأصلية الشيعية، ويميّعهم، ويفرغ الولاية من جوهرها، ويضيع معالمها، ويبعدها عن كنهها الإلهي، ويجعلها غطاءً يداري عجزهم ويغطي ضعفهم وخورهم.

    كم هو غريب أن يتنكر نجيب لطهارة مولده ويصر أن يلحق بالأدعياء!
    كم هو مؤلم يعيش دعاة الثورية والحركية العجز ويعانون الوهن والخور!
    كم هو مشين أن تستولي الذلة على مؤمن، فتغزوه في نفسه وتهزمه في روحيته!

  • “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ”… تعددت جبهات محاربة الشعائر الحسينية وتكثرت، كما تعدد الناهضون فيها والمتصدون لها..

    فسقة يفترون على المراجع بفتاوى مزورة وآراء مكذوبة تحرم الجزع والتطبير، وحزبيون سياسيون يريدون تحويل الشعائر إلى محاضرات وندوات ومؤتمرات…
    ومؤخراً ـ وليس أخيراً ـ ظهرت أصوات تدعو الناس للكف عن البذل في هذا الطريق، وفيهم علماء وملتزمون لا يُطعن في دينهم، ولكن هناك شك كبير في بصيرتهم، وإدانة لقصور فهمهم، وسذاجة رؤيتهم، وعجزهم عن قراءة شمولية واعية ترعى جميع جوانب القضية وحيثياتها، مما يؤثر في انتزاعاتهم وبالتالي مواقفهم…

    وقد لجأ هؤلاء في سبيل كف الناس وصدّهم عن البذل في الشعائر الحسينية، ونقلهم إلى وجوه أخرى للبر، إلى لطائف الحيل و”معقول” الذرائع، كحرمة الإسراف، وعقد المقارنات التي تخلص إلى مرجحات وتثبت أولويات.. فقارنوا بين الإطعام في مأتم سيد الشهداء وبين إعانة الفقراء والمساكين، وبين الصرف على أثاث الحسينيات ومتاعها، وبين تقديمها للمحتاجين…

    بإمكان أي كان أن ينقض دعوى هؤلاء بعشرات الشواهد من موارد الإسراف الحرام في سلوكهم، أو في سلوك الدائرة اللصيقة بهم أو التي يتبعونها، حيث الولائم الملكية التي يصرف عليها من سهم الإمام (لا التبرعات التطوعية التي تقدم للحسينيات)، دون أن يسمع من أحدهم اعتراض ناهيك بإنكار؟! وهي جرائم مستمرة، وفرص إنكارها قائمة وقادمة، ونحن بانتظار شجاعتهم، وظهور بأسهم وغيرتهم على الدين، وحرصهم على المال العام والحقوق الشرعية!

    هكذا وقع هؤلاء في فخ الحزبيين من أعداء الشعائر الحسينية، والحداثيين من أعداء الدين، الذين يحسبون للأمر على طريقتهم، فقطع الموارد المالية، وضرب الجبهة الاقتصادية، يسقط أي مشروع،
    على طريقة “لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا”، هكذا يحدّون من انتشار الشعائر، ويقللون السواد في الحسينيات، ويجذبونهم إلى أنديتهم وجمعياتهم وتجمعاتهم ومحافلهم المنحرفة الضالة!

    أما حقيقة الأمر والسر الخفي فيه، فيمكنك أن تستله من مداليل قصة “درهم شطيطة” الذي قبله الإمام الكاظم عليه السلام، وردّ ـ في المقابل ـ صرر الدراهم والدنانير من أعيان الشيعة ووجهائهم!..

    هناك من يبذل للحسينيات ويساهم في شعائر العزاء، والإمام عليه السلام لا يريد أمواله لشبهة فيها، أو لفساد سريرته وبطلان نيته، أو لأية علة أخرى، ولكنه عليه السلام منبع السماحة والرحمة، لا يصدّ ولا يرد أحداً.. وهنا يتحرك قانون الأسباب والمسببات ويمضي بتراتبية طبيعية، فيزيل الموانع أمام مقتضيات نداءات هذه الأبواق المريضة روحياً، أو المعقدة نفسياً، أو المأخوذة بإغواء الحاشية اللصيقة، وإملاء البطانة المحيطة، وضجيج الأجواء المختلقة، فيتأثر أولئك بهؤلاء، ويكفوّن عن الدفع والبذل.

    هكذا يحرمون، ويتحقق المطلوب!..

    إن النداء الأصلي الذي لم يسمعه هذا الشيخ المعمم، وذاك السيد العالم، ولا هذا الحاج المريد، وذاك الشاب والتاجر، هو أن الحسين عليه السلام لا حاجة له بأموالكم، ولا يريد نصرة أضراب هؤلاء المشايخ والعلماء!
    لا يريد من يعقد هذه المقارنات ويقول: مأتم الحسين أم الفقراء؟ تزويج العزاب أم الإطعام في الحسينيات؟ ويأخذه الخناق وهو يدين الإسراف الذي يتوهمه من شُح حضره وبخل غلبه!

    أخي المؤمن، أختي المؤمنة:
    هل تتصورون أن هذه المساهمات عشوائية لا يحكمها قانون وانتخاب واختيار؟ وأن مَن لم يكن من النخبة المنتجبة يمكنه أن يساهم في عمل هو الأعظم على الإطلاق؟ حيث يتسنم المؤمنَ آلُ محمد عليهم السلام، فهم أرباب العزاء وأصحاب المأتم، وخادم الحسين، والباذل في هذا السبيل نائب ووكيل ينهض بدورهم!؟

    فكروا في الفقير العراقي (الذي يتخذونة ذريعة ويدعون لتفضيله على مجلس الحسين) وقد جمع طيلة سنته ووفّر ما أمكنه من قوت عياله، فقاسى الضنك والعوز والجوع والعري والمرض… حتى يقدّم ما وَفّر وادّخر واقتصد في طريق الحسين، تكتشفوا كم هي سخيفة وواهية دعوة هؤلاء المخترقين، غفر الله لهم، وأبعد عنهم شياطين الإنس والجن، لعلهم يهتدون.

    اللهم اجعلنا من المرحومين بالتوفيق لهذه الخدمة والشرف، ولا تجعلنا من المحرومين المخدوعين..