• طالما كنت أتحاشى المناقشات الارتجالية، وأحجم عن الدخول في المخاصمات والمحاججات وليدة الساعة، إيماناً بأن الآراء والمتبنيات إنما تقوم على بحوث علمية مستفيضة، والعقائد والأفكار تأتي من دراسات وافية وعميقة، أخذ حاملها فرصته من التأمُّل والتدبُّر، لم يُؤخذ بالصدمة والفجأة فغفل ونسي، ولا نزل به العي وطاله التبكيت، فارتُج عليه من اعتقال لسان أو عُجمة… لكن استثناءً وقع بالأمس، لما التقيت صديقاً مخلصاً، على درجة مشهودة من العلم والثقافة، ومرتبة متقدِّمة من الاطلاع والبصيرة، فدخلت معه في مساجلة وخضت مطارحة، من هنا كانت هذه المحاججة… كان المدخل موقفاً مؤلماً أو مزعجاً لهذا المؤمن الصالح، ظهر في استخفافه وعدم اكتراثه بما يجري في غزَّة! ما أثار الاعتراض وأذكى الاستنكار وأشعل الحوار. والمقالة تنقل ما طرح الرجل في احتجاجه، دون الردود على أقواله وآرائه، لشيوعها وغلبتها على الساحة، وعدم حاجتها لمزيد بسط ونشر، وغناها عن أي بيان وإيضاح، بخلاف رأيه الغريب، الذي نسبه إلى الاستضعاف والوقوع ضحية القمع والإرهاب!

    “إنني أتجنَّب سهام الدجل التي ترسلها القنوات الفضائية، تصرع بها خلق الله، أن تصيبني وتنال مني. وأحذر ما يزكم الأنوف من اللوث الذي تفشيه الآلة الإعلامية العربية والحزبية والإسلامية، فينزل بي. وأربأ أن أكون من الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق. تأبى نفسي اللحاق بقطيع الغنم، وأن تحطَّ ربيضةً محدِقة بالمورد، منثالة عليه من كلِّ جانب، حتى لتطأ الحق وتتلف مواقعه وتسحق بالحوافر معالمه، تثغو من حماسة وتعبُّ من ظمأ”!..

    “أ رأيت كيف يستنفر السفهاء منَّا ويمضون في تفنيد كلِّ جزئية من المقتل الحسيني؟ يلاحقون كلَّ مشهد عابر وقع يوم الطف، حذر أن يُبكي الشاعر والراثي الناس على صوَر «مخترعة»، ويعدِّدون رزايا «لم تثبت»، وبتعبير موجز يباهون به «يحاربون نسج الخرافات وخلق الأساطير»!؟.. لا أريد ـ بدوري ـ أن أُستغفل، أندب وأبكي، أتفجع وأجزع على مستشفى وأطفال، والمشهد الحقيقي، والرؤية في الحديقة الخلفية أو الطوابق السفلية، تحكي قواعد عسكرية، ومقرات قيادة، ومخازن ذخيرة! لا أُريد أن ألتاع على أخبار انقطاع مزعوم للماء والكهرباء وشبكة الاتصالات منذ اليوم الثالث للحرب، ما زالت فاعلة بنحو وآخر بعد شهر من الحرب والقتال”!

    “لا أريد أن أتساوى مع المستغفَل الساذج الذي يهتف مع المهرجين في تظاهرات ساحة الإرادة، وأنا أعلم خلفية التحالفات الإخوانية مع تيارات وشخصيات عادت إلى المقاعد النيابية بدفع ونصرة هذا التنظيم الماسوني، وأخرى حظيت بمناصب عليا في الدولة ووظائف إشرافية كبرى من دعمهم وتزكيتهم، فهم أركان الدولة العميقة، وبيدهم خيوط السلطة الخفية، يحرِّكونها فيقصون من يشاؤون، ويرفعون من يريدون! لا أريد أن أخلط عملاً صالحاً من التألم للمظلوم والدعاء له، بآخَر سيِّئ من مصالح وصفقات ولوث سياسي”.

    “لست معقَّداً من الفلسطينيين، وإن كانوا عملاء في المخابرات البعثية، وأدلَّاء للجيش الصدامي الذي غزا بلدي، وأنهم ـ في جُلهم ـ من النواصب الذين يبغضون أهل البيت وشيعتهم، يتشفون بقتلهم والتنكيل الذي يطالهم، ويشمتون بالمصائب والويلات التي تحلُّ بهم… ففي الفلسطينيين مَن كان معلِّماً لي من الابتدائية حتى الثانوية، وفيهم مَن عمل على تنمية بلدي وازدهارها، وقبل هذا وبعده، فيهم نجوم لامعة في سماء الاستبصار أمثال أحمد حسين يعقوب، وآخرين كأسعد وحيد القاسم، ومروان خليفات”…

    “كنت حاضراً في موكب حسيني يضم نخبة من العلماء، يخدمون زوار الأربعين بين النجف وكربلاء، حين دخل المضيف وفد من حركة حماس يصحبه مرافقون إيرانيون وحزبيون، استُقبل بحفاوة وترحاب، حتى إذا تحدَّث أحدهم، وكان منطيقاً مفوَّهاً، أسهب في التنظير لنقاط الاشتراك بين النهضة الحسينية وحركة المقاومة، ثم انعطف على العلماء وتقدم إليهم بطلب، أن يدرجوا خطاب فلسطين والأقصى والمقاومة في محاضراتهم وشعاراتهم وهتافاتهم، وجعلها من الشعائر الحسينية، وقال إن ظفرنا بعُشر هذا الزخم الجماهيري المنساب نحو كربلاء، الذي يناهز عشرين مليون نسمة، وجذبناهم للقضية، فهو فتح نوعي سيقلب موازين الصراع العربي الإسرائيلي!.. حتى إذا فرغوا وأخذوا طريقهم للانصراف، استوقفهم أحد الفضلاء، يبدو أنه مقرَّب من صاحب الموكب ومديره، وخاطبهم بلغة تجمع الإشفاق والرجاء إلى الحسم والمضاء: إنني أتعهد لكم أن أجعل القضية الفلسطينية محور محاضراتي وخطاباتي، من الآن حتى تحرير القدس، وأتعهد بالسعي لإقناع زملائي، بل حتى مراجعنا العظام، أن يستغلُّوا كل فرصة لطرح هذا الخطير… في المقابل أُريد منكم أمراً ميسوراً مبذولاً، تؤمنون به وتتبنونه، كما ظهر من حديث المتكلم الذي نوَّه بأنَّ نبينا وكتابنا وقبلتنا واحدة و90% من عباداتنا مشتركة ومتوافقة (وأنتم لا تعملون بالتقية، فتقولون ما لا تعتقدون خوفاً أو مداراة)! فسألوه بلهفة: ما هو طلبك؟ قال: لتُصدر حركة حماس بياناً رسمياً يعترف بأن الشيعة مسلمون! دمهم ومالهم وعرضهم حرام، وتذهب في حملة إعلامية وتثقيفية تسقط فكرة التكفير، واستباحة الدماء. لا أُريد أكثر من هذا! لتبقى الخلافات والعقائد على ما هي عليه، ليتمسك كلٌّ بالنهج الذي يعتقد أنه ينجيه يوم القيامة، أنتم مع الصحابة ونحن مع أهل البيت، نحن نزور عتباتنا المقدَّسة ونتوسَّل بأئمتنا ونبكي الحسين، وأنتم ترون ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار! لا بأس، كونوا على عقيدتكم بأننا من أهل النار، وأنكم الفرقة الناجية، ونحن كذلك، نبقى على عقيدتنا بأننا الناجون، وأنكم في النار… ولكننا، نحن وأنتم، نمضي في حياتنا الدنيا، إخواناً يكمِّل بعضنا بعضاً، نعيش قضايانا الخاصة منفردين، ونلتقي على القضية الكبرى المشتركة وهي تحرير فلسطين.

    عمَّ الفضاء صمت رهيب، وأعضاء الوفد يتلفت كلٌّ منهم نحو الآخر، ينتظرون مجيباً أو رادّاً، فلم يبادر ولم ينبس أحد منهم بشفة.. مضوا في طريقهم نحو المخرج، وكأنهم لم يسمعوا شيئاً، وإن سمعوه فلم يفقهوه، وراحوا يصافحون صاحبنا الذي شيعهم حتى الطريق، دون أن يزيد أحد منهم على عبارات السلام والوداع غير ابتسامة صفراء، غلب فيها الإحراجُ الخبثَ والكيد وإضمار الشر والدهاء”!

    إنَّ الذين أبلغوا ترامب وأحاطوه علماً بالضربة الصاروخية الانتقامية على اغتيال سليماني، وضمنوا له وتعهدوا أن لا يُقتل أمريكي واحد في عين الأسد، هم الذين كفُّوا أيدي الحزب ومنعوه من الانخراط في حرب غزة، ونعم ما فعلوا، فهذا ـ في نظري ـ عين الحكمة والصواب، وهو ما يكشف عن حقيقة الخطاب الثوري الذي يحمله هؤلاء، وأنه لا يعدو سلعة يتكسَّبون بها، وبضاعة استهلاكية يستأكلون بها، ويخدعون الصغار، يجمعون الأنصار ويكثرون تحت رايتهم الأخيار والأشرار. وإلا في الحقيقة، فإن بين القوم والثورية، ما بين الأرض والسماء.

    إن قادة حماس والقاعدة والنصرة وداعش وسائر التظيمات الإسلامية، السياسية منها والجهادية، يعرفون أنهم مشاريع استعمارية، وأنهم مجرَّد وسيلة لتحقيق أهداف أسيادهم الإقليمية والمناطقية، ورقة ضغط على هذا النظام، وأداة مناورة على ذاك، وعنصر منافسة وإرباك… ولكنهم لا يأبون ذلك ولا يمانعون منه، بل يرحبون فيه ويهللون له، ما دام يحقق لهم هدفاً واحداً هو إفراغ حقدهم الطائفي! وما زال الانتحاريون، يتمنطقون بالأحزمة الناسفة ويفجرون أنفسهم في مساجد الشيعة وأسواق الهزارة وحافلات مدارس الأطفال في أفغانستان، وحرب غزة مستعرة، تحمَّل الشيعة في إيران كلفتها، بميزانيتها الضخمة، وتسليحها الذي لم يدَّخر دون حماس سرّاً تصنيعياً يحفظ للجمهورية تفوقها، والأهم من هذا وذاك، أنها ما زالت تتحمَّل التبعات وتدفع الثمن حصاراً مهلكاً وحروباً مدمرة، المخرج منها مبذول منذ أربعين عاماً: التخلي عن القضية الفلسطينية، فلا تفعل!.. والقوم يلاقونها بهذا الجزاء”!

    عاد صاحبي ليقول: “هل تعلم إلى أين نحن ذاهبون إذا انتصرت حماس؟ هل نسيت طالبان في أفغانستان؟ هل نسيت داعش في العراق؟ هل نسيت النصرة في الشام؟ هل نسيت حزَّ الرؤوس والتمثيل بالجنائز وانتزاع القلوب من الصدور والتهامها، لا كآكلي لحم البشر في أفريقيا، بل كالوحوش والضباع الضارية… هذا ما ينتظر بلاد المسلمين إذا انتصرت حماس، لذا لن يغلبني الحماس! ولكن هذا لا يعني أن أفرِّط بإنسانيتي، وأبدِّد وأضيِّع مشاعري… ما زلت مرهفاً، أبكي الظلامات والفجائع، كما كنت أبكي على هانوي تحت القصف، والضحايا بوذيون أو ملاحدة، وأبكي على أبرياء غافلين في هيروشيما وناكازاكي، وأبكي على كونتا كنتي والعبودية في رواية  أليكس هيلي… ولكني لن أنسى اللطيفية وسبايكر، والزرقاء، قاتل الله الزرقاء، تبتهج بتفجير الحلة الذي وقع بشاحنة مفخخة يقودها انتحاري استهدف مدنيين عزَّل تجمعوا قرب مركز طبي للحصول على شهادات لمواليدهم، أدَّى إلى مقتل 127 ضحية جميعهم من الشيعة!.. والطغام يتوافدون على دار الانتحاري في الزرقاء (الأردن)، ووالده يأبى استقبالهم إلا بعنوان المباركين له بهلاك نغله، فهذا الشيطان عنده شهيد لأنه قتل الرافضة، فعمَّت البلدة الأفراح وكأنه عرس جماعي لم يخل بيت إلا ودخله السرور!

    أعرف جيداً مداليل قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى” و”لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.. ولكني أعرف أيضاً وأفهم قوله تعالى “الذين جعلوا القرآن عضين”، اقتطعوا من الدين ما يناسبهم، ويخدم مشروعهم السياسي. أخي العزيز، هناك منظومة ضلال كبرى تقود الساحة الدينية، لن أنخرط فيها، لإثارات عاطفية، وإن كانت محقة. لن أُغرر بالعوام باصطفاف يضفي المشروعية على شياطين يهتكون الدين، يستبيحون كُنهه ويزرون بجوهره، منخدعاً فرحاً بأنهم اقاموا الصلاة هنا، أو لعبوا الجهاد هناك، إنني أنظر الراية وألحقها، والرايات في زماننا، رايات عهر في مضارب الفجور، أو ضلال تُرغم الموالي المقهور!

    في الحديث الشريف عن عمر بن حنظلة، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: “إن آية في القرآن تشككني. قال: وما هي؟ قلت: قول الله إنما يتقبَّل الله من المتقين. قال: وأي شيء شككت فيها؟ قلت: من صلَّى وصام وعبد الله قُبل منه؟ قال: إنما يتقبَّل الله من المتقين العارفين. ثم قال: أنت أزهد في الدنيا أم الضحاك بن قيس؟ قلت: لا بل الضحاك بن قيس، قال: فإنَّ ذلك لا يُتقبل منه شيء مما ذكرت”.

    الحقيقة المغفول عنها، والحق الذي تسعى الأحزاب لطمسه، ينطوي في جواب السؤال المطروح اليوم: هل حماس في طوفان غزة أكثر جهاداً وتضحية وفداء و”تقوى”، من المؤمن النائم على فراشه في داره؟.. الحق أنَّ كل مَن لم يعرف إمام زمانه، داخل تحت “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا”… لأنفاس مستلقٍ، تتردَّد في صدره المنشرح بولاء آل محمد، تنعش قلبه العامر بحبهم، خير من جهاد تتقطع فيه الأوصال، وتدمَّر البيوت، وتُهجر الأوطان… يا ليت قومي يعلمون.

  • لا عِرق غضب يضرب فيهم ولا شريان غَيْرة يهيج، لا أنفة يثيرها امتعاض ولا رجولة تستفزها نخوة، وجوه جامدة بل متجمدة، خمد فيها التأثر والانفعال، وغاب عنها الشعور ومات الإحساس، ونفوس كسولة، تافهة ملولة، انماثت فيها المروءة وهمدت الحميَّة، وزال السخط واندثرت الكرامة، فلا تهبُّ فيهم هذه لتُنهِضهم، ولا تنزل بهم تلك لتنقذهم!.. على هامش الحياة يمضون وإن بدوا واجهات، ولعلَّ بعضهم يلمع كنجوم. ومع أن الدنيا لم تقبل عليهم إلا بفتات، ولا نالوا منها ما بلغ أربابها من سلطة ومال وشهرة، إلا أنهم باعوا آخرتهم بهذا الضئيل، ورضوا أن يكونوا مع الخوالف لهذا البخس اليسير. علماء دين ومثقفون وناشطون متدينون، يفترض أنَّ الشأن الديني هو محور حراكهم ومرتكز نهضتهم ونشاطهم، كما يفترض فيهم الوعي والتنبه لما غفل عنه غيرهم من العوام، وإدراك ما خفي على سائر المؤمنين النيام… لكنهم يتجنَّبون، وهم الطليعة القائدة والكوكبة الرائدة، أيَّ فعل وموقف ينوِّه بهويتهم الطائفية، وأدنى قيام ودفاع عن شخصيتهم المذهبية، كأن الانخراط في قضايا المذهب والدفاع عن شؤون البيت الشيعي، أمر معيب، أو يتعارض مع رسالتهم وانشغالهم في القضايا الإسلامية العامة أو الوطنية الخاصة!؟

    إنَّ مقدَّسات المذهب تُهتك، وحمى معالمه تُنتهك، وأبناؤه، ولا سيما الشباب، في اضطراب وضياع، بلغ في بعض الموارد التيه والشتات، والقوم في سكون وسبات! عبث وفوضى تضرب أطنابها في الشعائر الحسينية والحوزة العلمية والمرجعية الدينية والعتبات المقدسة… أداء سحق الأصالة وأودى بكُنه الشعائر وجوهر رسالتها، انحدار وفشل ذريع في مخرجات المناهج المحدَّثة للحوزة، صعاليك يدَّعون الاجتهاد والفقاهة، وأحزاب مريبة اخترقت إدارة العتبات، وتبنَّت آراءً منحرفة ومواقف مخزية، وسقطت في الفساد والخيانة، ما ذهب بحرمة الموقع وحصانة الدور، وألحقته بالإتجار والعبث بعد القداسة والخفر!

    والمعنيون بالتصدِّي، المخاطَبون به من علماء ومثقفين وحركيين، يتجاهلون كل ما يجري ويهملون كل ما يقع، ويمضون في صمت وإغضاء وإطراق، كأن الأمر لا يعنيهم، ولا القضية تمسُّهم! وفي أحسن الأحوال، تراهم في ترقُّب، ينتظرون مَن يكفيهم المؤونة، ويقلب الوجوب من العيني إلى الكفائي، وكأن حمى الدين وأُصول المذهب ميتٌ على أحدٍ أن يقوم بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه! وخذ هنا في الفذلكات التبريرية، والديباجات المعذِّرة، ما يسطر مطولات، ويصرف طاقات ويهدر المزيد، ويشغل أكثر مما يطلب العدو ويريد! وأدناها ما يتناولونه من قريب: “الباطل يموت بتركه”!

    هناك مَن ينزع، في فهم الرجال ومواقفهم، إلى التحليل النفسي، وقراءة الطباع والسجايا، ويصرُّ على تتبع عوامل الوراثة ودورها في البناء الروحي والأداء الأخلاقي للفرد، مع هامش لا ينكر من دور وتأثير للالتزام الشرعي، وتمسُّك الملتزم بالأحكام والآداب… فيخلص إلى أنَّ هناك ضعة وخسة ودناءة، لا تسعف بعضهم للنهوض بأدوار شريفة جليلة، فيها نُبل الدفاع عن الحق، ومجد نصرة الدين، وما يأخذ بهم إلى مصاف العظماء والمصلحين.كما أنَّ هناك جبن وخرع، أو قُل وداعة ورخاوة، وسكون ولين، لا يتيح النهضة والقيام وما تتطلبه من خشونة وشدَّة، وقسوة وحدَّة.

    ويقابل هذا الرأي، آخرون يُرجعون أمر هذه السلبية إلى ضعف العقيدة وهزال الالتزام الديني، وأنَّ مَن يُشار إليه بالتصدي لأدوار القيادة والريادة ليس في واقعه أهل لذلك، ولا استوفى الشروط، إنما هي ظروف قادت وصروف أفضت، فشدَّ الناس السروج على الحمير والبغال، وتوَّجوا بالعمائم رؤوساً كان الحق أن يعلوها النعال! وببساطة ووضوح، الرجال هنا طلاب مال وشهرة، وأتباع جاه وسلطة.

    وهناك طائفة ثالثة تذهب إلى أن هؤلاء، لا يختلفون، يعانون ـ كما أولئك ـ من الفساد العقائدي والانحراف! فمن يُشار إليهم كعلماء ومثقفين أعلام، يرجى منهم القيام، وتُعلَّق عليهم الآمال في مواجهة الظواهر السلبية والتصدِّي للضلالات التي تهدد المذهب والهوية.. يعانون في حقيقتهم من الضعف والاهتزاز، والخواء وانتفاء الارتكاز، ولربما كان بعضهم ـ فيما يخفي ـ أكثر ضلالاً من أُولئك المفتَضحين أصحاب الرايات، غاية الأمر أنه بقي متوارياً،لم يظهر عقيدته ويكشف سريرته!

    ومن هذه العوامل وتلك، يمكنك أن تقرأ علامات الانتكاس والتراجع في بعض الفضلاء ممن كان له شرف المساهمة في نصرة الزهراء ومواجهة الضلال في بدايات فتنة فضل الله، الأمر الذي خلع عليه بُردة الشرف بل تاج الكرامة، وما لحق من شهرة وقبول ومحبة في قلوب المؤمنين… تراه اليوم يتنكَّر لفضل هذا الموقف وذاك الاصطفاف، ويعمد ليخوض الميدان بمقوِّماته الشخصية، يحسب أحدهم أنَّ فضله، وآخر أن بيته وانتسابه، يكفيه ويغنيه، وكفيل بأخذه إلى ما يحقِّق طموحه. غافلاً أنَّ المرجعية لن تكون في مَن زار فضل الله يوماً، أو برَّر لفعله والتمس له الأعذار، وترحَّم عليه وشارك في تأبينه، ولا في مَن انتسب إلى الأحزاب وانخرط في تيار الضلال تحت أي عنوان، ومن أي باب. وكأن هذا من إرادة المقادير وخفي التدبير، ولو تفكَّر المرء في غياب بعض الشخصيات وظهور أُخرى على الساحة، وأُفول بعض النجوم وصعود آخرين، لوقف على جانب من هذه الحقيقة، وعرف شؤم جامعة المصطفى والأحزاب والتيارات السياسية التي تحتضن هذا، ويدفع إعلامها ذاك، ترفع جيوشها الإلكترونية مَن دخل حزبها وتسوِّق لمن التحق بركبها!

    لا تريد الساحة الإيمانية موقفاً ثورياً يشهر السلاح ويردع المنحرفين والمتآمرين على الدين، يواجههم بالعنف والقوة، بل تريد شيئاً من الغيرة والحمية التي تخرج واقعنا من السلبية. كان الثوريون في العهد السابق يغارون على عقائدهم وينهضون للدفاع عنها، وكنت تلحظ في بعض الأحيان أن الغيرة عليها أكثر منها على شعاراتهم السياسية، يقفون ضد النيل من الشعائر الحسينية، يوجهون البلاد بأسرها صوب الالتزام بأصالتها والإبقاء عليها تقليدية (سُنتيَّة)، ويتموضعون ضد المسِّ بمناهج الحوزة ويصرُّون على استمرار منهج الجواهري والشيخ الأنصاري، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها على كلمة عابرة أصابت من بعيد مكانة الزهراء عليها السلام، دعت للبحث عن امرأة أُخرى معاصرة تصلح أن تكون قدوة لنساء زماننا. وهكذا كان الغيارى من غير الثوريين، لا يباتون على ضيم مسَّ المذهب، وظلامة طالت سيدة نساء العالمين، جحدت كسر ضلعها وأنكرت إسقاط جنينها، زلزلوا الأرض تحت أقدام فضل الله وأنصاره، حتى انكفأوا وتقزَّموا، وسُحقت مرجعية مزيفة ضالة، كانت مُعدَّة لقيادة انحراف يسلخ عن المذهب هويته، ويمسخ عنه حقيقته… أما اليوم، وقد رجع الثوريون إلى علي شريعتي، والتحقوا بالإخوان المسلمين، ما عادوا يبكون إلا على الأقصى وفلسطين! وأما غير الثوريين، فقد أصبح كل منحرف لا ينافسهم على دنياهم، مكرَّماً مبجلاً، وغدت مادة الضلال التي أسقطت فضلة الشيطان، بضاعة “علمية” ومادة “حوارية”، ينهض “تيار التصحيح” بترويجها وتسويقها، فيحتضنه الدنيويون ويوقِّره الوصوليون!

    في الحديث الشريف: “إنَّ الله جلَّ وعلا بعث ملكين إلى مدينة ليقلباها على أهلها، فلما انتهيا إليها وجدا رجلاً يدعو الله ويتضرع إليه، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الرجل الداعي؟ فقال له: رأيته ولكن أمضي لما أمرني به ربي. فقال الآخر: ولكني لا أُحدث شيئاً حتى أرجع. فعاد إلى ربه فقال: يا رب إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعو ويتضرع إليك. فقال عزَّ وجل: امض لما أمرتك، فإنَّ ذلك رجل لم يتغير وجهه غضباً لي قط”. وفي حديث آخر عن الباقر عليه السلام: قال علي عليه السلام: أوحى الله تعالى جلَّت قدرته إلى شعيا إني مهلك من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم. فقال عليه السلام: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي”.

    وقد أورد السيد المرتضى في عيون المعجزات أنه: “لما قبض الرضا كان سن الجواد نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار، واجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبدالرحمن بن حجاج، ويونس بن عبدالرحمن، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبدالرحمن بن الحجاج في بركة زلول، يبكون ويتوجعون من المصيبة. فقال لهم يونس بن عبدالرحمن: دعوا البكاء! من لهذا الأمر، وإلى مَن نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام؟! فقام إليه الريان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له: أنت تُظهر الإيمان لنا، وتُبطن الشك والشرك؟ إن كان أمره من الله، فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمَّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكَّر فيه. فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه”.

    إن أمثال هؤلاء الأفذاذ هم الذين حفظوا المذهب ونقلوا التراث وأوصلوه لنا، ومثل هذه المواقف البطولية التي تتفجَّر غيرة وحميَّة، يسبقها علم ومعرفة وورع، هي التي أبقت المذهب في مساره ومكَّنته من الصمود ومقاومة أكبر المؤامرات تعقيداً وأعتى الهجمات ضراوة وأشد المصائب والمحن ألماً… ومما ينبغي للمتأمل الوقوف عنده في هذه الواقعة، أنَّ المحفل كان يضم نخبة الشيعة وأعلامهم، أعظم فقهائهم في ذلك العصر، ومع ذلك لم يصبر الريان بن الصلت ولم يسمح بغرس أو إثارة شُبهة، بدت عابرة، (أغلب الظن أن طرحها كان مقصوداً إن لم يكن بأمر خفي مُسبق من الإمام، فليس مثل يونس بن عبدالرحمن مَن يقع في هذا). ومع أنَّ النطاق كان خاصاً محفوفاً، ضيقاً محدوداً، ولا خطر على من سمع كلام يونس، ولا سعة لبناء شبهة أو ضلالة تترتب عليه، لكن العالم الرباني لم يصبر أن يأخذ بخناق أخيه، بل أن يوسعه لطماً!

    لعمري، كيف بالريان لو كان في عصرنا، يشهد هذا الإفراط في التشكيكات وإلقاء الشبهات، ورأى البطَن أو السلس في التضعيفات والتحريفات، تلقى على الملأ وفي العلن، عبر الفضائيات والإذاعات، ووسائل التواصل والمدوَّنات، والكتب والمطبوعات، ما لا يوفر من الشيعة شاباً أو فتاة، رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً… إنَّ الساحة الإيمانية تتطلَّع إلى موقف ورجل أو جمع على شاكلة الريان بن صلت رضوان الله عليه، لا يكتفي بوضع يده في خناق الطاغوت الذي يرعى تيار الضلال اليوم، ويلطمه على وجهه فحسب، بل يكمل نهضته ويُتم فضله، فيحمل فأساً إبراهيمية يهوي بها على أعوان الشيطان وزبانية السلطان، حتى يجلي عن المذهب كلَّ زيف ألحقه، ويزيح الريب عن المعارف التي طمسها وشوَّهها، ويعيد للشيعة رشدهم الذي فقدوه في عهده وعلى يديه.. سيقيِّض الله لدينه ويبعث من خاصة أوليائه مَن ينهض بهذا الدور ويحظى بهذا الشرف، وتأبى المروءة أن تفارق أهلها، وخلق الله للحروب رجالاً، ورجالاً لقصعة وثريد.

  • أُولى مهام المصلحين، وأخطر تكاليف الرساليين، من علماء ومثقفين، حركيين ومجاهدين، كتَّاب وإعلاميين، يتصدَّون للإرشاد والقيادة، ويتولون الريادة والهداية، ولا سيما علماء الدين، الذين يتسنَّمون دور الأنبياء والأولياء، ويدَّعون ـ بنحو وآخر، ومرتبة وأُخرى ـ نيابة الرسل والأوصياء: استنقاذ عباد الله من الجهالة وإخراجهم من حيرة الضلالة، بكشف الزيف والتحريف، ونفي الشك والريب، تثبيت الإيمان والربط على القلوب باليقين، ومحاربة وساوس الشياطين. ولا يقتصر الأمر أو يقف عند بيان العقائد والكلام، والشريعة والأحكام، فيعرف الناس الصحيح من الفاسد والحلال من الحرام فحسب، بل يطال معالجة الموضوعات وملاحقة التطبيقات بما يكشف غموض الحوادث الواقعة ويزيح لبس الشبهات العارضة، ويحول دون عثرات وسقطات تأخذ المرء إلى خطر عظيم يأتيه من اصطفاف خاطئ وتخندق باطل، ينتهي إلى خلل في الحب والولاء والبغض والبراء، فلو انطوى قلبٌ على مثقال حبة خردل من حبِّ مَن أوجب الله بغضه، لهلك، وكان حقاً على الله أن يكبَّه في نار جهنم!

    من مواطن الأسى ودواعي الأسف أنَّ جملة من علماء الدين والمثقفين الناشطين في الإعلام والتواصل، يهملون هذا الدور ويفرِّطون بهذا الواجب، لا يحملونه هماً ولا يعيشونه معاناة، ينشغلون بمصالحهم الحزبية والفئوية، ويلهون بسلامتهم الشخصية، ينصرفون إلى جذب المنافع والفوائد ودرء المضار والأسواء، وما ينجيهم من النبذ والتسقيط! هذا يراعي مكانته الاجتماعية، وذاك موارده المالية، وثالث علاقاته وارتباطاته، يحسبون لشأنهم وسمعتهم وانطباع الناس وما يقال فيهم وعنهم، أكثر مما يحسبون لقبرهم وآخرتهم، يحوطون التكليف الشرعي الذي يتوجه إليهم ويديرونه ما درَّت معايشهم، حتى إذا غلب البلاء واستحكم الشقاء، عابوا زمانهم وشكوا عصرهم! فإن حاججتهم، اختلقوا من الذرائع والأعذار، وقدَّموا من المسوِّغات والمبرِّرات، ما يمعن في الجريمة ويغرق في الغبن والتغرير.

    ترى أحدهم يخالط منحرفين ويراود ضالين، طالما أنكر آراءهم ونزَّه نفسه عن أباطيلهم، ولربما لعنهم وتبرأ منهم! وإذا به يحضر مجالسهم ويكثِّر سوادهم، وهو يعلم أنهم من أتباع الشياطين وعمال الأحزاب والسلاطين! يعرف خطورة تيار الحداثة والتطوير، فضل الله والحيدري وحب الله، جامعة المصطفى وحزب الدعوة وأعداء الحديث والتراث، وفساد عقائدهم، ثم يشارك حمَلة أفكارهم ومروِّجي بدَعهم والدُّعاة إليهم، الأفراح والأتراح، يرتاد دُورهم وأنديتهم، وينخرط في أنشطتهم، ما كأنه “يعين في هدم الإسلام”! يتحرَّج من علاقته ببعض صقور الولاء، ويتنكَّر لشِدَّة تنمره في ذات الله وحدَّته على أعداء الأصالة، وهو لا يحتشم من زيارة المراجع المزيفين ولا يخجل من تواصله بالضُلَّال المبتدعين والماسون المتنوِّرين! كأنه صُمَّ عن حديث رسول الله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهِروا البراءة منهم، وأكثروا من سبِّهم، والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم”. وعُمي عن تحذير أميرالمؤمنين: “مَن مشى إلى صاحب بدعة فوقَّره، فقد مشى في هدم الإسلام”. ولم يبلغه ما روي عن الصادق: “نزلت هذه الآية «قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، وقد علم أنهم قالوا: والله ما قتلنا ولا شهدنا. قال: وإنما قيل لهم ابرأوا من قتلهم فأبوا”! ولا قوله في حديث آخر: “لعن الله القدرية، لعن الله الحرورية، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة. قلت: كيف لعنت هؤلاء مرة ولعنت هؤلاء مرتين؟ فقال: إنَّ هؤلاء زعموا أنَّ الذين قتلونا كانوا مؤمنين، فثيابهم ملطخة بدمائنا إلى يوم القيامة. أما تسمع لقول الله «الذين قالوا إن الله عهد إلينا ـ إلى قوله ـ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، قال: وكان بين الذين خوطبوا بهذا القول والقاتلين خمسمائة عام، فسماهم الله قاتلين برضاهم بما صنع أولئك”.

    إنَّ حدود التقية، حتى المداراتية، واضحة جلية، لا تخفى على العوام فكيف بالعلماء، فلا محل لها من التكسُّب والنفاق الذي يمارسه ويعتذر به بعضهم… تُرى ما هو الانطباع الذي سيتلقاه المؤمن البسيط وهو يرى المعممين والمجاهدين والمثقفين يتزاحمون على تشييع جنازة فضل الله ويتسابقون على تأبينه؟ أين سيأخذ ظهور العلماء في قناته الفضائية العوام، حين يقارنون هذا الأداء بموقف الحوزة وفتوى العلمين التبريزي والخراساني؟ ماذا سيُنتزع من ارتيادهم مطاعمه ونزولهم في فنادقه؟ ألا يقع نهي الإمام الكاظم صفوان الجمَّال إكراء جِماله هارون العباسي، في جهة صدوره ومورد زجره وتقبيحه، أو وعظه وتحذيره، ما نراه من ممارسة بعض العلماء والمثقفين في تعاطيهم مع الضالين المضلين، ومصاحبتهم المنحرفين، وانخراطهم في مشاريعهم؟! وفي الحديث عن الصادق عليه السلام: “لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم”. قد يسوق هؤلاء ما يشاءون من ذرائع وأعذار تبرِّر فعلتهم، ولكن هذا لن ينجيهم من ممارسة التغرير والتدليس، وإدانتهم بالإغواء والخداع. فهذا الختل والغش يحمل العامي الساذج على الظن بأنَّ الصفقة رابحة لمصلحة الدين ورائجة في نفع المؤمنين، ما يزيل قبحها في نظره، ويوقعه في غلط يحمله على مماشاة هذا السلوك وممارسته!

    إنَّ دور العالم الرباني ومهمته هي إضاءة أنوار الخطر، وقرع ناقوس الحذر، ودق صفارات الإنذار، لتنبيه العوام الماضين في الاتجاه الخاطئ، وقف انحرافهم وإفراطهم وغلوهم، والمبالغة في الانجرار والانحدار… من شأن الشياطين أو السحرة أن يلقوا حبالهم، ليسحروا أعين الناس ويسترهبوهم مما جاؤوا به من سحر عظيم، ولكن هناك دائماً ولي إلهي يُلقي عصاه لتلقف ما يأفكون، هكذا يبصِّر العالم الرباني قومه ويردعهم عن الاغترار والانخداع، ويكشف الرائد النزيه والمرشد الحكيم زيف العجول التي تخور، وأنها مجرد أصنام سكنتها قوى تحسبونها خارقة، وطاقات تبهركم بإنجازاتها، ما هي في حقيقتها إلا نفث أبالسة وكيد شياطين…

    الويل لأُمة يتخلى فيها “العالم” عن دوره الإلهي، والمثقف المتعلِّم عن موقعه الطليعي، يركب الموجة ويلحق بالعوام، ويغدو عامل تغرير وعنصر خَتْل وتدليس! هناك موجات شحن اجتماعي عام تنزل بالأُمم، تنتاب الناس حمَّى كرة القدم، على سبيل المثال، لمشاركة فريقهم أو فوزه، فتجد عالم الدين، أو المعمم، يرقص على وتر العامة ويجاري العقل الجمعي المنفعل بالهراء والمنشغل باللهو (وقد يبلغ الأمر بمتمرجع أن يصدر بياناً في منتصف الليل يواكب فيه احتفال الجماهير ورقصهم في الطرقات)!

    هذا ما يغشى الساحة الآن من حمَّى غزَّة… يلحق الناس الركب، لا يسألون عن الراية وحاملها، أين هو من الرضا من آل محمد، ماذا لو ظفر وانتصر؟! تغرير خطير يمارسه معممون ومثقفون وكتاب وإعلاميون وساسة مرتزقون، وسدنة عتبات مقدسة! كلهم شركاء في إذكاء حمَّى خلطت في إدراج ما هو من السياسة والمداراة، في الدين والعقيدة، وتجاهل حقيقة من الوضوح ما يجعلها بديهة من ألف باء السياسة!

    إنَّ القضية الفلسطينية واحدة من أكبر القضايا حجماً في العالم بأسره وأكثرها تعقيداً، تاريخ يرتبط بالتأسيس الثاني للحركة الماسونية، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، ونتائج الحرب العالمية، واضطهاد اليهود ودورهم في إسقاط النازية، ووعد بلفور، وعصابات صهيونية وخطط جهنمية لشراء الأراضي، صعود أنظمة وأحزاب حاكمة، وقيام دول على حساب قبولها واعترافها السري بـ “إسرائيل”، شبكة ضخمة ومعقدة من المصالح المترابطة والمتداخلة، تجعلك في موقع العداء مع جميع الأطراف الإقليمية والعالمية! هل من الحكمة الانخراط في هذه الحرب؟! لا إذاعة أو فضائية عربية تنتصر لغزَّة إلا وهي تذكر الكيان الصهيوني باسم وعنوان “إسرائيل”، معترفة بدولته! ألا يكفي هذا للتدليل على حجم اللعبة التي تعبث بالشعوب؟ لا صوت في الإعلام المعادي والموالي يطرح الحقيقة القُراح، وقد انقلب الساكتون إلى مهرجين ومغررين، يمعنون في الزيف ويغرقون في الإضلال، وسوق الشعوب كقطعان الماشية تحدوها الكلاب، تدعي حراستها من الذئاب! من السذاجة بمكان، تجاهل هذا كله والتعاطي السطحي وليد اللحظة، والانطلاق من الانفعال والحماسة، والتغرير الذي يأخذ المؤمنين إلى مواضع ومواقف تتجاهل قرناً من الزمان وجبالاً من العوامل المتراكمة!

    من نافلة القول أن لا أحد يشكك في ظلامة الشعب الفلسطيني، ولا متشرع يقف على الحياد في هذا الصراع، فلا ينصر المظلوم ولا يتألم للأبرياء وما ينزل بهم من ويلات… ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتحرك بوعي وبصيرة، ولا نسمح أن نخدع عن ديننا ونعرض عن أولوياتنا، ونذهب حرضاً في مغامرات الأحزاب وصفقات الدول ومحاسبات أروقة السياسة. إنَّ من أشد التغرير تصوير القضية الفلسطينية بالشكل الذي يجري اليوم! فلا غزة هي كربلاء، ولا طوفان الأقصى عاشوراء، ولا أحمد هنية هو حسين جولته، ولا مشعل عباس صولته، ولا مجاهدي القسام كحبيب وزهير، ولا أطفال غزة كعبدالله الرضيع ورقية! كل ما يجري هو فيلم سينمائي تخرجه دول عظمى وكبرى، وهذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا التغرير الذي يمارسه العلماء والمثقفون وهم يوظفون مقدساتنا ومفردات عقيدتنا، ويستهلكونها وقوداً يدير آلة العرض، حتى يبقى الناس على مقاعد المشاهدين، تلسعهم هذه الدراما المؤلمة، وتحشدهم سواداً في جبهة الشياطين!

    الذين يحتجون ويتمسكون ببيان المرجعية وموقفها من غزة، هل سألوا عن رأي المرجع الأعلى وموقفه من الاعتداء على القواعد الأمريكية في بلادنا، ولا سيما العراق؟ إنهم يعلمون جيداً أنَّ المرجعية ترفض ذلك، وتحرِّم الإخلال بالعقود والمعاهدات التي تربط دولنا بالدول العظمى، وتحصر سبل إنهاء الوجود الأجنبي بالطرق الدبلوماسية والوسائل السلمية… إنهم يعرفون ذلك جيداً، ولكن هذه المعرفة تصطدم بحقيقة يخفونها، هي “رجعية” هذه المرجعية، وعدم مواكبتها للحركة الإسلامية التي تتسنَّم دور المهدي، تريد أن تطهِّر الأرض من الظلم والجور! وإن كان الثمن الإزراء بعقائدنا وسحق مقدساتنا، فتُقرن أرض ما زال يُهتف فيها لمثل صدام، ويجري في ربوعها الترحم عليه، ببقعة عرشية، السجدة على تربتها تخرق الحجب السبعة! وقد “اتّخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتَّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيَّرها رُفعت كما هي بتربتها نورانيَّة صافية، فجعلت في أفضل روضة من رياض الجنَّة”…

    من هذه البؤرة المظلمة تنساق عمائم وينخرط مثقفون في هذا المشروع، ويلحقون إعلاماً شيطانياً ما زال يعبث بأفكار شبابنا ويسفِّه عقول أبنائنا!

  • قد يطيب لأحدهم طبَق لفائف ورق العريش مع شرائح اللحم ووصلات الضلوع الناضجة على أبخرة المحاشي، أو حزمة من سفافيد الشواء تقلَّب في موقد ليستوي ما شُكَّ فيها على نار هادئة، ويستحسن آخر الخوخ والرمان والتين، أو أكباش التوت ومثاني الكرز وعناقيد العنب، فيتغنى بهذه ويلتقط لتلك الصوَر وينشد فيها الأشعار… ولكنه في النهاية، ومنذ البداية، كان يريد أكلها وما زال ينوي التهامها!

    تُرى، ألا تعرف المرأة إلامَ ينظر الرجل فيها؟ وماذا يريد ويرجو منها؟ هل تثق امرأة بالغة ناضجة وتفرض النزاهة والبراءة والعفوية في رجل أجنبي؟ ولا سيما الذي يدنو منها ويتقرَّب إليها، يدَّعي التحنُّن على ضعفها، أو الإعجاب بمهارتها، أو الاستفادة من علومها والتزوُّد من معارفها؟ هل تصدِّق فتاة وينطلي على امرأة أن رجلاً يهش لها ويبش، يلقاها طلقاً متهللاً، يتودَّد إليها ويتحبب، ويرفق بها ويحنو عليها، قربة إلى الله تعالى؟ أو شغفاً بالعلم الذي تحمل والمعرفة التي تتمتع بها؟ هل ينطلي على امرأة أن الجمع المنتظم على مقاعد المتفرجين في قاعة المسرح الذي انتصبت على خشبته، أو آلاف المتابعين الذين يلاحقون أفلام الفيديو التي تبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، يبحثون عن الترفيه البريء، أو الحلول التي تطرحها لمشاكلهم الاجتماعية وأزماتهم الروحية والأخلاقية؟ وأنهم ينتظرون كلماتها وتنظيراتها ونفيس معلوماتها على هذا الصعيد وذاك؟!

    وليس الأمر وليد حرمان وشبق، ولا إفراز بيئة مغلقة ومجتمعات معقدة، كما تحاول بعضهن التبرير، والتذاكي للالتفاف على هذه الحقيقة… بل هو ما يجول في ذهن كل رجل، من مصمم الأزياء الفرنسي الذي  يعيش أعلى درجات الإباحية، يمرح ويرتع، ويزدرد من الجنس ما شاء ويبلع، فتراه يصمم من الثياب ما يثير، يعرف أين يستر وأين يحسر، ويجيد التركيز على ما يأخذ بمجامع قلوب الرجل ويسيل لعابه. إلى البدوي في الصحراء والقروي في الحقل وكل بيئة قاحلة من الجنس مغلقة، تحمل على وطء الدواب وإتيان البهائم! كل الرجال يفكرون في المرأة غرضاً ووسيلة لإشباع الرغبة وإطفاء الشهوة.

    في الغور العميق لكل امرأة، والسرِّ المكنون لكل فتاة، أنَّ الرجل حين ينظر إليها، بلمحة خاطفة، أو يرمقها ويحدق فيها، إنما يسعى جهده ويحفز طاقته ويشحذ خبرته، ويوظف حصيلة تجاربه، ليستشف ثيابها وينفذ إلى ما تحتها مما تستر! الهدف الأول لكل رجل ينظر إلى امرأة أجنبية هو أن يعرِّيها، فيعرف جمال قامتها وتفاصيل محاسنها، مدى انتصاب وتكوُّر أثدائها، وامتلاء سيقانها، والتفاف أفخاذها، واكتناز أردافها! وقد يبدأ من بياض نحرها ونعومة كفِّها، وكل ثغرة (جزء غير مستور) يبني خياله عليها رأس جسر يأخذه إلى بقية الأجزاء والأعضاء المتوارية في حجاب. ويبلغ المرض في بعضهم الذهاب إلى تصوُّر ما ترتدي من ملابس داخلية، تخيُّل أنواعها وألوانها!

    هذه حقيقة تعرفها كل امرأة، فلاحة أُميَّة كانت أم متعلمة تعيش في أرقى المدن وأكثرها انفتاحاً، تعرف بفطرتها وتدرك بعميق إحساسها وفهمها، أن الأمر بينها وبين الجنس الآخر، من نظرة إلى سلام فابتسام، هو حيلة ومكيدة، طُعم وشباك لصيدها، وما يأخذها إلى موعد فلقاء، والهدف النهائي هو نيلها، والسلطان الحاكم على جميع مراحل التواصل هو الطمع في تذوقها والتهامها!

    لم يحظر الإسلام بشريعته السمحاء النظر للمرأة ولمسها ومصاحبتها ومفاكهتها، وحتى الجلوس في مقعد أخلته للتوِّ، ولا نشر عطرها، وسائر ضروب التواصل معها والاقتراب منها، تعسفاً وتشدداً، كما لم يفرض الحجاب والفصل وعدم الاختلاط بين الجنسين، من إفراط وامتهان لهذا المخلوق الذي يمكن أن يرقى فيبلغ قمم الفضل والطاعة والتقوى، كما يمكن أن يتسافل ويكون مجرد النظر إليه “سهماً من سهام إبليس”، ويبلغ أن تصبح المرأة “كلها شر، وشرُّ ما فيها أنه لا بد منها”!

    إنَّ هذا الكم الهائل من دعائم وروافد تزيين المرأة، وإذكاء عوامل الجمال والإغراء والإغواء فيها: حُلي ومجوهرات، أزياء وصرعات، مساحيق وعطور، زراعة وعمليات تجميل، أفلام سينمائية وأعمال تلفزيونية، مجلات ومطبوعات، كلها تشير إلى العنوان الحقيقي لظهور المرأة في الملأ العام، وأنَّ القضية هي الجنس والنكاح والعلاقة الشهوية، وما عدا ذلك فضلة، وما يسجَّل من خلاف له لا يعدو مقدمة أو نتيجة، مصاحبة وملازمة أو تابعة لاحقة. حتى التناسل وطلب الذرية كان الجنس طريقه والشهوة سبيله وسببه… فمن الاستخفاف بالعقول أن تُقحَم المرأة في الملأ العام ولا يلحظ هذا العنوان، وتظهر على الرجال وتختلط بهم، وكأن لا وجود هنا للجنس والشهوة، والبلاء الأعظم أن لا يكون هذا التجاهل والاستغفال من شطط وطيش ونزوة أفراد، فقد انتقل ليتحول إلى خطاب ديني، يعمد إلى فذلكة شرعية، تدعو لدخول المؤمنة المحجبة، بعد حقل الإعلام والتلفزيون، إلى ميادين “اللايف كاوتش”، و”استاند اب كوميدي”!

    قد يكون في النساء من تبلغ بها السذاجة والغباء والغفلة عن طبيعة النوع، مبلغاً يصعب تصوُّره، فتجحد وتنكر الدور الجنسي والعامل الشهواني لظهورها، وتدَّعي أنَّ الحجاب الشرعي كفيل بحفظ عفَّتها ودرء الأعين والنوايا الشيطانية التي تلحظها وترمقها.. و”قد” هذه هي أخت “لو” تلك، التي تفتح عمل الشيطان! ومن نافلة القول أنَّ هذا لا ينفي الحالات الخاصة، و أن لكل قاعدة شواذ ولكل عموم تخصيص ولكل إطلاق تقييد، ولكنه هنا من الضيق ما لم تسعه عصمة نبي، حتى قال “وما أبرئ نفسي إنَّ النفس لأمارة بالسوء”، ولكنه على كل حال لم يسقط “إلا ما رحم ربي”… فالطعن والمؤاخذة على الظاهرة ولا يتوجه لأسماء وأشخاص بعينها.

    لا بضاعة اليوم في سوق الفساد الديني والانحراف العقائدي مثل استمالة قطاع النساء، ودغدغة مشاعر المرأة، إطرائها وكيل المدح لها والثناء على دورها ومكانتها، ودفعها للعمل والمشاركة والظهور، وما إلى ذلك من أسباب كسبها وإلحاقها بسواد الحركة الإسلامية.

    لم يكن هذا السقوط والانحدار إلا بعد تضييع مفهوم الخدر، الذي هُتك تحت عنوان الضرورات التي تبيح المحظورات، وفتح باب تعليم الفتيات لسد فراغ الحاجة إلى القوابل والممرضات والطبيبات اللاتي يعالجن النساء، ويحفظ المؤمنة المريضة من الانكشاف على أطباء رجال… وما زالت الصخور تتدحرج على هذا السفح الخادع وتهوي في الوادي الشيطاني، حتى فاقت أعداد الفتيات ونسبهن في الجامعات وسائر الكليات التي يتخصصن فيها نِسب الفتيان، وصرن يزاحمنهم في مختلف الوظائف وأسواق العمل، والاستثناء الوحيد كان التخصص في  أمراض النساء والولادة! ما زالت نسبة الذكور فيها تفوق على الإناث، فتأمل في الخدعة وانظر إلى الكذبة الكبرى!

    كثيراً ما يحتج الحداثيون والحزبيون وعموم الحركيين الإسلاميين في رفض الشعائر الحسينية بسيرة المراجع العظام، وأنَّ التطبير ـ على سبيل المثال ـ لو كان فضيلة لسبقكم إليها المراجع، لكننا لا نرى أحداً منهم يفعل ذلك… وهنا حق أن يُسألوا ويُحتج عليهم فيُفحموا: هل أبرز أحدٌ من المراجع ابنته أو زوجته في الملأ العام؟ هل عرضها في التلفاز ووسائل التواصل، يتصفح وجهها القريب والبعيد والدنيء والشريف؟!

  • لا يعرف أبناء هذا الجيل الحوادث التي صاحبت نشوء الحركة الشيرازية، وظهور شخص السيد محمد الشيرازي مؤسساً لمرجعية عائلية وراثية، وتيار اجتماعي وسياسي بات حاضراً في غير ساحة وبلد. لم يأت الشيرازي ولم يكن بالحالة السلبية النافرة التي يعكسها عنه خصومه وأعداؤه، وإن صحَّت في كثير من جوانبها وصدقت في أغلب مفرداتها، فكان مريباً في أهدافه وأغراضه، مشبوهاً بالقوة التي تدعمه وتدفعه، متهماً في علاقاته وارتباطاته، كما لم يكن من الخفة والسخرية، ما بلغ التندُّر على طريقة كلامه وعُجمة بيانه، وإن أسعفهم على ذلك حشو مؤلفاته، وتواضع علمه، وانتحاله الفقاهة وادعاؤه المرجعية، مفتقداً شهادة أُستاذ، أو إجازة واعتراف الحوزة.

    فالحق أنه إلى جانب سلسلة السلبيات التي تتابعت وتلاحقت معه، والسيئات التي شانته وأهانته، وأخطرها طامة شكَّلت “أوَّل قارورة كُسرت في المرجعية”، وفوضى خلقها من تجاوز أعراف الحوزة، ما زال المذهب يعاني من تبعاتها ويشكو آثارها وارتداداتها… كان في المقابل ـ وفقاً لمعايير الحركة الإسلامية، لو أنصفت ـ يتمتع بإيجابيات، ويحمل أرقام تميُّز، تبعاً لفكر الحركيين الذين كانوا يحاربونه، ولا سيما في الكويت، مهد انطلاقه ومركز نشاطه، فالحقيقة أنَّ محاربته لم تكن إلا منافسة سياسية وصراعاً حزبياً خاضه وأداره حزب الدعوة، حمل على إغماض “إيجابياته” وتجاهل حسناته! وإلا فالرجل ـ مثلهم ـ جاء يحمل لواء الإصلاح والتطوير، وراية الحركة والعطاء والفعل المنتج، والتمرُّد على الجمود ورفض الرتابة وكل “سلبيات” الواقع الديني آنذاك، التي أُلحقت بالحوزة وأُلصقت بمرجعية النجف الأشرف! كان يحاكي آلام الناس وتطلعاتهم في مرجعية شعبية، قريبة منهم، تتواصل معهم وتتواضع لهم، تنزل إلى مستواهم وتتلمس معاناتهم، وتسد عطشهم وتلبي لهفتهم. كان شاباً، يستثير همَّة الشباب ويحفِّز طاقاتهم. وقد نجح في كثير من الميادين التي طَرَقها والساحات التي ولجها، فأسس مدارس تحفيظ القرآن، وعمل ببراغماتية وعملانية جمعت توظيف الشعائر الحسينية إلى خطاب علي شريعتي والحث على قراءة كتبه! وعزَّز الانتماء الطائفي، بل أسس حزباً سياسياً… ولولا الحرب الشعواء التي ووجه بها، لاكتسح الساحة واحتوى الحركة في كثير من البلدان.

    لم يكن لهذه الحالة المربكة للواقع الشيعي والنموذج الجانح في الساحة الإيمانية، أن يتوقف عند الشيرازي والشيرازية الآخذة في الانحسار والتقوقع، فالأحزاب لم تعقم، والمذاهب المعادية والمحافل المعنية لم تهتدِ وتتخلى عن شيطنتها، فتترك الساحة الإيمانية تنعم بالأمان والاستقرار وما يأخذها إلى التنمية والإنتاج… حتى تضخ فيها نماذج أُخرى وتدسَّ شخصيات وتصنع حالات وظواهر جديدة، وأخطرها النموذج الخفي، المتقن في الزيف والموغل في اللبس.

    من الضرورة بمكان رصد وفهم بعض الحالات والرجال والحركات، ومعرفة أيها المرشحة لتكون “ظواهر” وخلق تيارات، أشخاص الفتنة ومراكزها المفعَّلة الناشطة، والأُخرى الخامدة الكامنة التي تنتظر التفعيل والبروز. وكذا تشخيص المواقع والجبهات التي يعمل فيها هؤلاء، المتطرِّفة الصارخة، والأُخرى الناعمة الآخذة باللطف المُغوِي والمهادنة الخادعة، حتى يحسبها الساذج في صفِّه وجبهته!

    ولهذه الشخصيات ـ الظواهر، مشاريع الفتنة وبؤر الضلال، علامات، منها: حجم الإمكانيات، أموال متكفِّلة ومراكز مساندة وأندية وجمعيات حاضنة، مع غطاء سياسي ودعم إعلامي مُلفت، إما أن ينجح في حمل الشخص وتسويقه، أو يوحي ويوهم، عبر فضاء افتراضي وجيوش الذباب الإلكتروني، بنجاحه وقدرته على الاستقطاب وكثافة الالتفاف حوله… فالغرض النهائي تحقيق ما يسمح ويفسح لطرح الأفكار، ويتيح قيادة الساحة وأخذها إلى التشكيك في المبذول القائم، وتضعيف الموروث الحاكم، ما يفضي إلى صنع مذهب جديد، ومن بعده بلوغ اللامذهبية، الهدف الأصلي للحركة الإسلامية.

    ولهؤلاء صفات يُعرفون بها، وقواسم مشتركة تجمعهم… أول ما يميزهم، أنها عمائم كاذبة تنتحل هوية علماء الدين الشيعة دون أن تلتزم بثوابت الحوزة ونهجها وعلومها وطُرقها في التحصيل. وهم بين مَن غلبه الجهل، ومَن تركَّب فيه وتحكَّم، عرف شيئاً وحصَّل قدراً يسيراً، فحسب أنه بلغ القمة، وقد طاب له المنزل والمقام هناك، فراح يجتهد ويستنبط على هواه. يزعم أنها ليست علوماً غريبة وطلاسم وأحاجي مبهمة، لتكون حكراً على طبقة، ووقفاً على مشيخة وحلقة، بل هي علوم مبذولة في كتب، باتت متوفرة في تسجيلات، يمكن تناولها من أي موقع ومكان، فإذا تمتَّع المرء بقدرة ذهنية كافية وذكاء، تمكَّن من هضمها ونيلها بسهولة! من هنا، إذا رأيت أحدهم مندفعاً في مواقفه، جازماً بآرائه ونظرياته، يلقيها بثقة الخبير الضليع، وكأنه اطَّلع على اللوح المحفوظ، فاعلم أنه لم يتلق علومه في الحوزة! وما هذا الهزال والخوَر، والتيه والضياع إلا من ذاك الفقد والعدم. وإن كان حوزوياً، فاعلم أنه لم يعش الحوزة على أُصولها، إما كان منعزلاً منطوياً على شياطينه، أو كان متسكِّعاً فيها يمضي على هامش لا يبلغ صميمها، تراه قضى أيامه المعدودة هناك في مدارس خاصة أو نطاقات حزبية مغلقة، تسيِّره بما يسلبه الحرية، لم يعرف الآداب والتقاليد التي أنتجت الفحول وقدمت العظماء.

    إنَّ التلقِّي من أستاذ يخلق مشيخة، والحضور في درس وحلقة يقدح الإشكال ويتيح السؤال، ويفسح لحوار ومناقشة، وبين هذا وذاك تُصحَّح الأخطاء، ويتقوَّم ما تلقَّاه الطالب وحسبه صواباً. فإذا غلب الطمس وحكمت الغفلة، جاءت “المباحثة” سيرة أصيلة لتقوِّم وتنقذ المخطئ الواهم، وتُنجي ابن الميدان من الجهل المركَّب… من هنا لا تجد لعنصر الغواية والضلال، مشايخ وأساتذة، فهو إما مغرق في الجهالة، أو مثقف (معمم) تلقَّى ما لديه من مطالعة وتحصيل ذاتي يشكِّل طامَّة! تعرفهم من جنوح ورهق، ووحشة وغموض، متسلِّقون ينشدون الارتقاء، ومغمورون يعشقون الظهور. ينبتون بلا غرس، ينشأون على قارعة الطريق، لا في الحقول والبساتين، ثم يصعدون بلا سُلَّم، يطفرون فيسحبون ويصنِّفون أنفسهم في العلماء، يطوون المراحل ويجتازون المسافات، كطيِّ السجل، أو كتقليب صحيفة ورقية مليئة بأخبار وإعلانات لا تعني القارئ… لا يطيقون الرتابة فيبعثون الريبة، يتقمصون الإبداع وينتحلون العظمة، ويظهرون مصلحين مجدِّدين، وهم لا يعدون أرباع علماء وأنصاف مثقفين!

    على هذه الشاكلة كان الحيدري وفضل الله وآصف محسني وحب الله، وهو ما تراه من الغزي وياسر في لندن، واليعقوبي والمدرسي في العراق، وحمود والخشن في لبنان، وغيرهم من المفرقعات والمتفجرات، وكذا الألغام الأرضية التي لا تدري متى تدوِّي لتدمِّر… وستجد دائماً مشجباً تُعلَّق عليه دعوى التتلمذ، وغطاءً من عثير يثيره أو يوفِّره اسم وِتْر يُدسُّ في البين، مثل لافتة “حلال” على واجهات المطاعم في أوروبا، يأخذ بها المستخف بدينه، وهو يرى أنواع الخمور تقدَّم لمرتاديها! وعلى نفس الخطى وفي ذات السياق يظهر اليوم في الكويت “بخاري الشيعة”، ومن سخرية القدر، أنه منح بالأمس أحد علماء البلاد شهادة فقاهة! لم يدَّعها السيد الجليل لنفسه، لورعه وإحاطته بالأُصول التي يجب التزامها في المقام، ومنها التواجد في الحوزة والتلمذ على الأساتذة، ثم إجازتهم له… ولا يرتاب حصيف أنَّ المتحاذق خلعها على الرجل مقدمة لادعائها وتمهيداً لإعلان نفسه مجتهداً، فـ “لأمر جدع قصير أنفه”!

    إنَّ هذا المسكين الذي بدأ مسيرته بالالتفاف على الشهادة الثالثة ومحاولة إسقاطها، ومضى ساعياً لجحد معاجز الأئمة والإزراء بمقاماتهم، وراح في عبث صبياني بالحديث وعلومه، كل ذلك بثقة واختيال وغرور، وسفَه وتهوِّر وغفلة، ورعونة الحدث وطيش المراهقة… هو مجرَّد معنى حرفي لا قيمة مستقلة لشخصه ولا كرامة، شأنه شأن غيره من دعاة الضلال وعناصر الإضلال، عواتق تُرقى وظهور تُركب، قناطر تُجتاز وجسور تُعبر، تأخذ إلى مشروع الغواية الذي يقف خلفه أولياء الشيطان. وهم جميعاً يحملون في الجوهر نفس الخطاب، لكنهم يتفاوتون في مهارة صياغة مفرداته المنبوذة، والتحايل على مقولاته المستهجنة، وإخراج الصورة من قبحها، بما يتجنَّب معوقات تسويقها، وينأى بها عن الردِّ والرفض، فالمؤدى واحد، يفضي إلى الاستخفاف بالتراث والاستهانة بنتاجات أعلام الطائفة وما عليه أساطينها، حتى يبلغ الأمر منهم إسقاط معالم المذهب وخصائصه ومميزاته، وإعادة تشكيله بلغة حديثة وخطاب عصري يطيب للماسون وكل ملعون!

    والحسرة هنا على مؤمنين سذَّج يدعمون هؤلاء ويتبنون مشروعهم “الإصلاحي”، حين يكتشفون أيَّ جمَل أصعدوا المئذنة، ولات حين مندم. أما الأذكياء الخبثاء، الموظفون المكلفون بالدعم، فموعدهم المعاد وقبله القبر، الذي حسبوا لكلِّ شيء، وأغفلوه! وبعد، فلا تعجب من لفيف يحفُّ بهذا، ولا تُؤخذ بجمع يصفِّق لذاك، يكفيك التدبُّر في الأرقام الفلكية من المتابعين والمعجبين التي سجلها غناء الرواديد، فتعرف في أي انحطاط يتخبط العوام وأي سياق يخلق هذا “المجد”!

  • من المؤمنين رجال متشرِّعون يُغرقون في التزام التقية ويبالغون في الحرص على حدودها، يتنكَّرون لكل نشاط ديني عام، ويتجنبون أي ممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعيشون “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”، يحسبون أنها تأمرهم بترك ما تركوا، حتى لا يخوضوا مع الخائضين… وفي المقابل هناك آخرون “رساليُّون”، انخرطوا في الدعوة والبلاغ، نهضوا بـ”قوا أنفسكم وأهليكم”، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليكونوا من المفلحين. والملحوظ المشهود في عصرنا الحاضر وزماننا الماثل، أنَّ الأكثرية أو الغالبية باتت في صفِّ الحركيين والدعاة العاملين، دون الساكتين السلبيين، ليُسر الاطِّلاع والتواصل، وسهولة اتخاذ الموقف، وهامش الحرية الذي انتقل إليه المجتمع الإنساني قاطبة، ولا سيما حين لا يتجاوز الأمر تكثير السواد أو التفاعل مع المشاهدات، ونصرة بموافقة وعلامة إعجاب! ولعلهم ينكفئون إذا لوحِقوا، ويتوقفون إذا رُصدوا، فوجدوا أنَّ المشاركة قد تضرُّ بدنياهم!

    ومع هذا وذاك، هناك أمر مُلفت يورث الحيرة ويوجب وقفة تطول، وهو أنَّ الساحة الإيمانية الناشطة، تزدحم بأفراد وجماعات تحمل رؤى مختلفة واهتمامات متنوعة، تمارس النشر وتلاحق الدعوة والدعاية، ولكنك إذا نقَّبت وتحريت، تخلَّصت من إطار العقل الجمعي وخرجت من التلقين الخفي، فدقَّقت النظر وأحسنت القراءة، وجدتها كلها تتجاهل أمراً واحداً بعينه، وتعرض عن قضية خاصة دون سواها! إنهم يتحدثون عن كلِّ شيء في الدين، معالمه وشعائره، عقائده وأحكامه، كلياته وتطبيقاته، انتصاراته وإخفاقاته، عيوبه ومميزاته، إيجابياته وسلبياته، ويتناولون صغير الحوادث وكبيرها، وعظيم الشخصيات وحقيرها… ثم ينتابهم صمت القبور، وينزل بهم سكون دكَّات غسل الموتى، تحمل الجثمان تلو الآخر، وتستقطب المفجوعين الفاقدين، يمدون عليها ويحملون عنها الأحباب، يسكبون الماء ويغسلون، وهي ساكنة سكون الحجر وجموده، لا الجبل الذي قد يمرُّ مرَّ السحاب، وقُل إن شئت سكون الريح في بحر كئيب، كتبت أقداره على سفينة بالتيه!.. لا أحد يتحدث عن دور النظام الإيراني ومكانه من الأزمات التي تعصف بديننا وعقائدنا وبلادنا!

    إن الساحة الإعلامية والثقافية اليوم تتناول جميع القضايا الشيعية، إلا القضية الأكبر والأخطر، التي تشكِّل أُم الفساد، ورأس الفتنة وجذرها! وهذا التغييب يعني أنَّ هؤلاء يمارسون دوراً وينهضون بمهمة، أُوكلت إليهم، هي الإشغال والإلهاء!

    إنَّ مَن يحمل همَّ الحرص على المذهب حقاً، ويناضل لدرء الأخطار عنه صدقاً، يخرج لطلب الإصلاح في المجتمع الشيعي، ويعمل على تقويم الزيغ في الساحة الإيمانية، ثم يعيش وعياً بالأخطار وبصيرة بالمراتب والأولويات… لا يمكنه أن يغفل ويتجاهل دور النظام والمخابرات الإيرانية، ويصمت عنه حتى كأن لا وجود له!

    الإخوة الذين يقرأون ما بين السطور، بل يستطلعون الغيب، يستشعرون خطر عودة النهج الأخباري للحوزة، فيحملون فؤوس الهدم وسيوف الطرح والإسقاط، لا يسلم منهم أصحُّ حديث، ولا تنجو أعلى أسانيد، ولم يخلص من كيدهم حتى الدعاء والتاريخ، فأزروا بالتراث الشيعي وخلَّفوه أسمالاً بالية ومادة للتندر والسخرية.. ثم يدركون بوعيهم وتلتقط بصيرتهم خطر تنامي ظاهرة الغلو، فيميلون على الفضائل والكرامات والمعاجز ميلة ناصب يفتت الحقد كبده، ويأكل الحسد قلبه، ويملأ الحنق والغلُّ صدره، فلا يبقون للمعصوم بقية تميزه عن “صحابة عدول”!…

    كيف خمدت مجسَّاتهم عن استشعار خطر حقيقي يتهدد الحوزة من تدخل الدولة والنفوذ الإيراني؟ كيف غاب عنهم تغيير المناهج وما أفضى إلى السطحية وغياب التعمق، وقتل الإبداع وحقيقة الاجتهاد؟ كيف خفي عليهم دور المخابرات في التوجيه وسوق المسارات لصالح مَن يرسمون له من مرجعيات؟ هل تمدُّد اليعقوبي وانتشاره أمر طبيعي عارض؟ هل بناء المراكز وتشييد المباني وتوغل الدعاة وعناصر الاطلاعات في النجف الأشرف أمر عادي بسيط؟ هل اختراق إدارات العتبات المقدسة وتحويل صحن الحرم الحسيني وسوق أعز الطاقات من شباب الجامعات، سلعة وشرعة لكل وارد، أمر يسير عابر؟ هل الاستحواذ على إدارة التبليغ في أعظم شعيرة حسينية (الأربعينية)، قضية تافهة من الترف الفكري؟! كيف عموا فصموا عن يد المخابرات الإيرانية الممتدة في الحوزة ومناهجها وبعض المرجعيات وإدارتها؟ كيف غلبتهم الغمة عن سلاح يتهدَّد أي مشروع مستقل عن إيران، وقد أفتى المرجع الأعلى بتسليمه للدولة؟! كيف يلتقطون بيان مكتب المرجعية في إرشاد الخطباء، فيكررونه في كل عام وكأنه وحي نزلت به السماء، ثم يتناسون حكم المرجعية في تسليم السلاح وما يفضي إلى استقرار البلاد وخدمة الدين والعباد؟!

    لا ريب في شرف القضايا العلمية التي يثيرونها، وجدارتها بالبحث والتحقيق، فنعرف الحقيقة في حديث الخيط، وفي أُمِّ صاحب الزمان، وفي موقع المسجد الأقصى من العقيدة والإيمان… ولكن مع أمرين وبشرطين: التزام النطاق العلمي والحوزوي، ثم وعي وبصيرة حقيقية، ونباهة وفطنة متفوقة، تدرك أنها، متى أُلقيت بين العامة، لا تعدو قنابل دخانية تريد إلهاء الساحة وإشغالها عن محل البلاء ومركز الفتنة، أي ما يفعله نظام الجمهورية، سواء على صعيد السياسة والمغامرة بمصير الشيعة في العالم، أو العبث بالقضايا العلمية والأُمور العقائدية التي تأخذ الأمة في اللامذهبية، أو نحو مزيج من الزيدية والوهابية المبطنة.

    يا للمسلمين، لا أحد ينهى عن هذا المنكر الأخطر! ولا أحد يعين الوعي بكلمة وينصر المجاهدين بعون ومدد، فإذا تصدَّى جمع للأمر، أشغلوهم بفتن متتالية وبلاءات متلاحقة، وآخرها فتنة الغلو…

    وظاهرة القنابل الدخانية ليست محدثة أو جديدة، سبق في العصر العباسي إشغال الناس بفتنة خلق القرآن، لحقتها فتنة الفلسفة والتصوف، واستمرت سحب الدخان في عصرنا على غير صعيد، فكانت ظاهرة “أبو طبر” في الأمن، وظاهرة مقتدى في السياسة، وقضية الحجاب والصلاة في الشعائر. وبين هؤلاء ينشط القراد العالق بأعقاب الدواب، ينتفض لتصحيح الحديث ونفي الغلو والدفاع عن المرجعية… والسؤال لأدعياء الرجولة والشجاعة والبطولة: لقد تعرض الموقع الإلكتروني للمرجع الأعلى للقرصنة على يد المخابرات الإيرانية، فخُدع معارض واستُدرج إلى العراق للقاء السيد المرجع، ثم خُطف من بغداد وتم إعدامه في طهران، هل هذا العمل المشين يشكل هتكاً للمرجعية، أم تحفظ مؤمنين غيارى على تأبين ضال مضل تلوثت يده بدماء الشيعة في كابل، ونقد رأي شاذ أزرى بالولاية، أصل الأمر وسنامه حين قدَّم عليها الفرع، فرفض الأحرار هذا الضلال؟!

    لا أحد في الإمامية الإثني عشرية يذهب إلى الغلو، وإن كان، فهُم آحاد شواذ، لا يشكِّلون ظاهرة تقتضي هذه الإثارة، تماماً كما هو الحال في القضايا الأخرى المفتعلة كدعوى الزحف على الشوك والزجاج في الشعائر، وترك المعزين الصلاة، وما إلى ذلك من دخان يحجب البصيرة عن رؤية الخطر الحقيقي.

  • لا يمكن لأحد أن يعبِّر عن أميرالمؤمنين والزهراء والسبط الأكبر بالشكل الذي فعله آبق يمتهن الخطابة في البصرة، وإن كان فاسقاً فاجراً أو ملحداً كافراً، اللهم إلا مبغض حاقد، والرجل ليس من النواصب، فكيف تراه فعل ذلك؟ كيف تنعدم الأخلاق بأحدهم حتى يستخدم هذه اللغة السوقية مع أشرف الكائنات؟! كيف يبلغ الابتذال هذي الحدود؟ ممن تلقَّى الصعلوك وأخذ؟ في أي بيئة ترعرع ونشأ، أين تربَّى وتعلَّم؟.. ويأخذنا الاستغراب والاستنكار وتحرِّي الإجابة فيما يأخذ، إلى أن الأمر كالذاتي في وجود بعضهم، يقدم من جبلَّة، لا يسعه تجاوزها ولا يمكنه الخروج عنها! وإن شئت فعبِّر إنَّ الرجل رذل في فطرته، وضيع في نفسه، عاهر ماجن في طبعه، وسلوك البذاءة ذاك ينبع من هذا الأصل المنحط.

    في البصرة دار لحزب الدعوة تديرها القنصلية، تسمى دار الحسين، الحضور فيها محدود والجماعة المنتسبة صغيرة، لكن أموالاً كثيرة تُضخ هناك وإمكانيات ضخمة تبذل في طوابقها الخمسة، جعلت من هذه البؤرة المريبة مركزاً لبث الفكر الملوَّث، ومحطة لنشر الثقافة المسمومة! المادة الشيطانية نفسها التي تريد تسييس الشعائر الحسينية، الخطوة الأولى في إنهائها والقضاء عليها، والسبيل الأكثر تلبيساً في صرف الناس عن أبواب الجنة، وأخذهم إلى مصالح قدَّروها من رؤى استظهروها، باجتهاد يقابل نصوصاً معصومة، وتأويل يحتال على صريح الظاهر والمتبادر. وهنا حفرة كبا فيها كبير مثل الشهيد مطهري، أفلس وعاد راجلاً حافياً بلا خفين ولا نعلين، يجر أذيال الخيبة، يلحقه فرس الخسران بعد سوء الرهان، ناهيك بمحسن الأمين ولائحة ممتدة من الحداثويين الجهلة، وسلسلة متصلة من التغريبيين الحسيين الذين ينسبون أنفسهم لدين العقلنة، حتى انتهى في أيامنا وبلغ أسلاف الزنج وأبناء الغجر في البصرة، ينطلقون من دار تستقطب الأسقاط، توكل إليهم مهاماً وتكاليف لا ينهض بها إلا حثالات، فوقعوا على صعلوك متسكِّع يحملك على استحضار تحذير الصادق عليه السلام: “فإنَّه خلق مشوَّه” و”إذا جاع سرق وإذا شبع فسق”، ويذكِّرك بقول المتنبي: “لا تشتَرِ العبد إلا والعصا معه، إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد. ما كنت أحسَبُني أحيا إلى زمن، يُسيء بي فيه عبد وهو محمود”. ولعمري، فالمماليك اليوم لا يسيئون إلى العلماء والأحرار، بل يتطاولون على حرمات الله، وينالون من مقدَّسات الدين!

    دعك عما قاله نيتشه وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في خصائص العبيد وطباعهم، فالإسلام لا ينطلق من رؤية عنصرية، وقد طويت صفحة العبودية، وانتهت مقولة البناء على ما يسكن هذه الأعراق ويُتوارث في “جيناتها”، وباتت الرؤية تذهب إلى خصال وكمالات قد تظهر في “عبد” تبلغ به قمة ما بعدها شيء، وصفات دونية تكون في أحرار، نشأوا في بيوتات وانتسبوا إلى أشرف الطبقات… أبرز هذه الصفات هي الضعة وهوان النفس، وما يحمل على الاستخفاف بالخطوب والعجز عن إدراك المخاطر، فيلبس الصعلوك غير ثوبه، ويركب السافل غير فرسه، ويقحم حقولاً ليس له أن يدنو من أبوابها أو يستشرف آفاقها، ينفِّذ دَوْراً لا يقوم به غيره، وغرضاً لا يؤديه إلا مثله، فلا يهتك الحقيقة شيء مثل أن يتناولها وغد دون، ولا يزري بحملتها شيء مثل أن يباريهم رذل دنيء!

    فلا تعجب من خطيب هذه الدار أو مغنِّيها، إذا رأيته يخوض في قضية غاية في الخطر والخفر، بلُغة السوقية ونباح السلوقية! يتسكَّع أو يمارس رياضة المشي في حقل ألغام، لا عن شجاعة وإقدام، أو مغامرة وجسارة، بل عن هوج وسفَه وضمور عقل وبَلَه، فهو لا يدرك على شفا أي جرف هارٍ يمضي، ولا قبح ما يتناول وتبعات ما يلقي! كمشرَّد نشأ في الغجر، يعتني بكلابهم، لم يعرف في حياته غير الرقص والتحريش، قاده شقاؤه إلى فلاة للأسود وسهب للسباع، وقع ـ من حظه العاثر ـ في باحة الكولوسيوم، وهو لا يميِّز بين الرمح والقصب، ويحسب مقبض السيف ذراع عود والنصل ريشة طنبور!

    لقد عبَّر السافل البائس عن أميرالمؤمنين وسيد الوصيين، نفس رسول الله وصنوه وصهره، بـ”أبو حسيوِن”، تصغير حسن، السبط الأكبر وسيد شباب أهل الجنة، وقال مستحضراً لغة الغجر (الكواولة) وكأنه يحيي حفلة في حي الطرب، عن زواج النورين واقتران بضعة رسول الله وفلذة كبده، بكفؤ لا نظير له، آدم فما دونه، بزواج “من الدعامية للدعامية”!.. لغة الحشو الطغام تلقى من على أعواد، حين يرتقيها رجس أجير لا يميِّز بينها وبين مجرفة يجمع بها الملح من السباخ، أو الدلو الذي تُنزح بها نقرة الكنيف!

    ولك أن تتصوَّر الانحطاط عندما يتناول هذا الوضيع أسماء أبناء أميرالمؤمنين ويفذلك نظرية الوحدة الإسلامية في ضوء سيرته، أو حين ينظِّر لنهضة سيد الشهداء، ويعمد لتحليل الوضع السياسي للمنطقة والعالم، وقراءة معادلة القوى العظمى في زماننا، وما يخلص إليه من أوهام تنقل مستمعيه على بساط الريح، يجولون في آفاق دولة الإسلام وجمهوريته الظافرة، مصوِّراً أنَّ الصولة والجولة والكلمة العليا في المنطقة لها، والبساط ما برح حلس داره! لا يشعر الفدم بالأزمة المالية والتردِّي الاقتصادي، فمخصصاته لم تنقطع بعد، ولا يأبه بالتفسُّخ الأخلاقي والضياع القيَمي، فلا غيرة هنا تُستثار ولا إحساس ينفعل، ولا يعي العلج الانهيار السياسي الذي يتهرب من استفتاء عام يرقب رأي الشعب في النظام، فغمامة حصان العربة تبقيه في دربه، يجرُّ أحماله أو ينقل ركَّابه، يحدِّد اللجام اتجاهه، فإن تباطأ أتاه السوط يلسع ظهره فيقوِّمه. لذا تراه يحسب القوة في صواريخ مدَّخرة في مرابضها، حتى إذا انطلقت يوماً لتضرب “عين الأسد”، أخطرت عدوها ونبهته ليخلي الهدف، فيتحوَّل المشهد إلى حفلة مفرقعات وألعاب نارية! ويظن السلطة والمُكنة في شغب وفوضى تحدثها إيران في لبنان والعراق وغزة واليمن والبحرين، حتى إذا رُدَّت عليها الصفعة وكالوها بمكيالها ورموها بدائها، اضطربت بمظاهرات أسقطت هيبة النظام وتراجعت شعبيته إلى نطاق جعل المرشد يشكو تزلزل رجاله ويندب تفرقهم من حوله! فعلمت أنَّ القوة والوجود ليس فيما تتوهم، وراحت تستجدي العلاقات مع أعداء الأمس، وتلتمس مخرجاً تلتقط فيه أنفاسها، فتنجو من الغرق!

    الرجل يباهي بالنفوذ والحضور الإيراني في بلاده، ويفخر بإنجازات الجمهورية الإسلامية، ويصوِّر الواقع القائم انتصاراً لها، غافلاً عن فِراشٍ عجزت حربٌ دامت ثماني سنوات طاحنة عن نسجه، بسطته أمريكا لها في العراق وهي تقتلع البعث وتزيح صداماً، ومدَّت لها آخر أفغانستان، حين أزالت طالبان القاعدة، فلما أساء الإخوة التصرُّف ولم يحسنوا الشكر والامتنان، أعادت طالبان بصيغة جديدة تعتمد المذهب الحنفي بدل الوهابي.

    إذا كان العلج يتمتع أو يحمل عُشر دعواه من الشجاعة والرجولة، فليلق هراءه هذا في طهران أو إصفهان أو شيراز أو تبريز، بل حتى في قم ومشهد؟! ولنا أن نرقى ونصعد بالتحدِّي إلى مجرَّد الجرأة على التجوال بعمامته في إحدى هذه المدن! ناهيك بإلقاء خطاباته البصرية، التي ستُقابل هناك بقذف الأحذية والرجم بحجارة الزناة!..

    من الجلي الواضح أنَّ الصعلوك في معايير الفعل وميزان التأثير هو صفر كبير، لكن لربما قارف الذنب الجليل حقير. مرة أُخرى: ولولا الضرورة لم آته، وعند الضرورة آتي الكنيف.

  • حتى نكون على بصيرة من أمرنا في هذه الحرب المحتدمة، وبيِّنة من معاركها الضارية المتلاحقة، نعرف مواضع أقدامنا ومواقع اصطفافنا، وندرك نطاق فعلنا ومدى تأثيرنا، علينا أن نعي حقيقة قد تغيب في خضم التفاعل والحماس، ويُغفل عنها في غمار الإقدام وحمَّى الاندفاع… وهي أنَّ الإعلام القائم والحاكم في عصرنا هو ميدانهم، والنشر والدعاية والترويج ساحتهم، الأجهزة والمعدات من صنعهم، والأدوات في ملكهم، والوسائل والقنوات تحت سيطرتهم، لا يفسحون إلا لمن معهم، ولا يوسِّعون إلا لخدامهم. بل حتى المادة الإعلامية، التي لم تعد شعراً وحكمة أو قصة ومقامة، وصارت فيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً وبحوثاً تحقيقية ودراسات وثائقية، وضروباً أخرى من الفن، باتت لهم، وغدوا هم أبطالها…

    من هنا، فإنَّ أي طفرة حادة في شعبية رجل، أي تصاعد شديد في أعداد متابعيه ومعجبيه، أي رواج لشخصية دينية، لا يكون إلا عن توافق واحتضان، وهو مؤشر على دعم خفي وإسناد شيطاني. والقدر المتيقن، أن علينا التوقف والتدبُّر في أسباب الصيت والانتشار، وأسرار الرواج والشهرة التي يحظى بها أحدهم دون أقرانه؟ فإذا بحثت ونقَّبت وجدت أنَّه ابن تلك المدارس والتيارات، وسليل تلك الأحزاب والمنظمات، أو أنه يمضي في خدمتهم ولصالح مشروعهم! إنَّ القنوات الفضائية التي تحسبها شيعية، والمؤسسات والمنظمات والمراكز الدينية الناشطة في الساحة الإعلامية، كلها مخترقة، إن لم تكن ساقطة من رأسها وقائمة على أيديهم من أصلها. حتى إدارة بعض المواقع المقدَّسة كالعتبات العاليات لمراقد الأئمة عليهم السلام، هي مخترقة، تحتضن الأعداء وتتبنى الضلال وتغطي أربابه!

    أمام هذا المدِّ الغامر الكاسح والفضاء الملبَّد الكالح، علينا أن نعرف حجمنا ونعي دورنا، لا نتوهم الندية ولا نتصوَّر في أنفسنا القوة والشدَّة، اللهم إلا بمكان الرهان على المدد الغيبي والنصرة الإلهية، نخوض المعركة بإخلاص، من منطلق أداء التكليف وإفراغ الذمة والسعي لنيل شرف الدفاع عن الحق، واليقين بأن الثمرة والنتيجة هي في يوم الحساب والكتاب والميزان، لا في الدنيا ومتعلقاتها، كل ما هناك، أننا بهذا النزر اليسير الذي لا يعدو تغريدات ومقالات وكتباً ومجالس وزيارات، نرجو أن نُسجَّل في مَن انتصر الله بهم لدينه ولم يستبدل بهم غيرهم، أما حقيقة النصر، وأصل بقاء الدين وحفظ المذهب والذود عن تراثه، ودفع الزيف والتحريف عنه، واستمرار نقائه وأصالته، فأمر غيبي، يتولاه المولى من الناحية المقدسة، هو الذي يدير المعركة من هناك، ويتدخَّل متى اقتضت الحاجة ودعت الضرورة، يرسل جنده ومدده من ملائكة مردفين وجن صالحين، وآيات أخرى لا توفر حتى تسخير الطغاة وبطش الظالمين!

    علينا أن نعي طبيعة المعركة، ولا نغفل عن مرتكزها: تضييع الحق وتغييبه، عبر الحصار والإقصاء والتهميش، وكل ما يصرف الناس عنه، وعن رجاله وعلمائه وحملته والصادحين به… ما زال العدو يعمد إلى المُكاء والتصدية، للتشويش والتخليط على صوت الحق، ويلجأ إلى العُري والإباحية لهتك حرمة المقدسات، وإن اختلفت الذرائع والمبرِّرات، وتفاوتت الوسائل والطرُق، فكانت في صدر الدعوة بالصلاة عرايا، وهي اليوم بدعوى الحريات والحداثة والتطوير، والتنقية والتصحيح والتنزيه!.. ما زالوا يحاصرون المؤمنين ويصدُّون عن الدين، يدسون القطن في آذان الناس، ويغطون بالغمائم عيونهم، تماماً كما كانوا في بدايات الدعوة، مهدها وأيامها الأولى… وفي الرواية أنَّ أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس قدما مكة، في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب بقوا فيها دهراً طويلاً، وكانوا لا يضعون السلاح لا بليل ولا نهار، فخرج أسعد وذكوان إلى مكة يسألان الحلف على الأوس. وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، وقصَّ عليه ما جاء من أجله. فقال عتبة بن ربيعة في جوابه: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغلٌ لا نتفرغ لشيء. قال أسعد: وما شغَلكم وأنتم في حرَمكم وأمنكم؟ قال عتبة: خرج فينا رجُل يدَّعي أنه رسول الله، سفَّه أحلامنا، وسبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرَّق جماعتنا. فقال له أسعد: هو منكم؟ قال: ابن عبدالله بن عبدالمطلب، من أوسطنا شرفاً (من توسط الرئيس المجلس في قومه، فيكون الوسط هو الصدر، لا ما يكون بين الأعلى والأدنى)، وأعظمنا بيتاً. فلمَّا سمع أسعد وذكوان ذلك، أخذا يفكِّران فيه، ووقع في قلبهما ما كانا يسمعانه من اليهود، أنَّ هذا أوانُ نبي يخرج بمكة يكون مُهاجَره بالمدينة. فقال أسعد: أين هو؟ قال عتبة: جالس في الحِجر (حجر إسماعيل) وأنهم (أي المسلمون) لا يخرجون من شِعبهم إلا في المواسم. فلا تسمع منه، ولا تكلِّمه، فإنَّه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشِّعب. فقال أسعد لعتبة: فكيف أصنع، وأنا مُحرم للعمرة، لا بدَّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضَع في أُذنيك القطن! فدخل أسعد المسجد، وقد حشا أُذنيه بالقطن، فطافَ بالبيت ورسول الله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه. فلمَّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهَل منِّي، أيكون مثل هذا الحديثُ بمكة فلا أتعرَّفه حتى أرجع إلى قومي فأُخبرهم؟ فأخذ القطن من أُذنيه ورمى به، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنعِم صباحاً. فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، وقال: قد أبدَلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة، السلام عليكم. فقال له أسعد: إلامَ تدعو يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله، وأدعوكم “ألا تُشْرِكُوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلُوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيَّاهم ولا تقرَبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّمَ الله إلا بالحق ذلكُم وصَّاكُم به لعلَّكُم تعقِلُون، ولا تَقرَبوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتَّى يبلغ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْل والميزانَ بالقسط لا نُكَلِّف نفساً إلا وُسعَهَا وإذا قلتم فاعْدِلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد الله أوْفُوا ذلكم وصَّاكُم به لعلَّكُم تذكَّرون”. فلمَّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. يا رسول الله بأبي أنت وأُمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين أُخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصَلَها الله بك، ولا أجدُ أعزَّ منك، ومعي رجلٌ من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمِّم الله لنا أمرَنا فيك. والله يا رسول الله، لقد كنُّا نسمع من اليهود خبَرك، يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك فقد أعلمنا اليهودُ ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئتُ إلا لنطلب الحلفَ على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ممَّا أتيتُ له. ثم أسلم رفيقُ أسعد ذكوان أيضاً.

    إنها المقادير ويد الغيب، التي أزالت القطن من أُذن أسعد وصاحبه، وإلا فالحرب الإعلامية والحصار والغلبة والمكنة هي لحزب الشيطان وأوليائه، كانت، وهي كائنة، وستبقى كذلك إلى يوم الظهور الشريف…

    أيُّ سعي لركوب موجات الإعلام، أيُّ تطلُّع لأداء يحقِّق “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي، أيُّ تكالب على حصد أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين في الفضائيات والإذاعات، هو مطيَّة شيطانية تحمل صاحبها إلى الهلاك، والبلاء أنه سيأخذ معه المعجبين به ويسقطهم في الهاوية التي يتدهور فيها!

    وكذا قد يتوغل عامل للحق وينجح في تسخير شبكات الإعلام ووسائله وقنواته، لصالح عقيدته ورسالته، لكنه لن يلبث أن ينكشف ويُرصد كنشاز نافر نابٍ، لذا سيُحجَّم ويُلفظ سريعاً وينبذ عاجلاً، ويعود الضلاليون للعلو والسبق والتربع على عرشهم من جديد، ولن يتركوا هذا المخترق حتى يحتلبوه ويكلِّفوه دفع ثمن.

    لقد وقع في هذا الخطأ وعثر في هذا المطب، بل سقط في هذه الكناسة وانغمس في هذا الوضر، بعض الرواديد والخطباء، وكذا طلبة صغار تهالكوا على الظهور واستماتوا على الشهرة، تسرَّعوا وتعجَّلوا، فلم يكن لهم بدٌّ من الشذوذ اللافت، والانحراف الجاذب، حتى أعادوا صياغة رسائل ضلال سابقة لفضل الله والحيدري وحب الله، ومن قبلهم شريعتي والبرقعي وحكمي زادة وسنگلجي، بخطاب يوهم العوام بأصالة مزيفة وعلم مدَّعىً، فاحتضنهم وسوَّق لهم الشيطان، ورفعتهم محطات ومواقع الإعلام… ولحقهم العوام!

    أخطر ما يواجهنا في الحرب الإعلامية، توهُّم المؤمن العامل أنَّ النصر في تضخم أرقام المتابعين وزيادة أعداد المشاهدين، ما يحمله على السعي للكسب والعمل للجذب، وإغماض الحق ليرضي هذا ويستميل ذاك. والخطر الآخر أن يحسب في ورم النفوس المريضة وتضخم الأرواح السقيمة، قيمة، ويظن أنَّ معيار النجاح ومؤشر الفلاح هو التفاف الجموع وإقبال الناس، وتحقيق الشهرة والنجومية، وكل ذلك من حطام الدنيا، وفي الحديث “يا أبا ذر، والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.

  • يتفق العقلاء ويتسالم العلماء على اختلاف حقولهم وتخصصاتهم، أنَّ التطوُّر والارتقاء الذي ينشده كل علم ويتوخاه كل فنٍّ وصناعة، لا يبلغ أوجه ومداه فينتج حضارة، إلا بالتداول والانتقال، توارث المعارف بين الأجيال، وحمل العلوم إلى الأُمم، وأنَّ عملية النقل هذه هي من أسمى أهداف العلم وأعز أسبابه، ولا سبيل للبناء والارتقاء دونها، وستتوقف ـ عند توقفها ـ عجلة إعمار الأرض وتقدُّم الإنسان. ومن أهم سُبل انتقال المعارف واتصال العلوم، التسالم على التراث والبناء عليه، كمنطلق وأساس، سواء في مرتكزات التطوير أو في المحفوظ التاريخي. وإذا كان التثبُّت من حقيقة مخرجات العلوم التجريبية ميسوراً، لطبيعتها الحسية وإمكانية البحث فيها والتحقُّق منها، فإنَّ الأمر في العلوم الإنسانية ليس كذلك… ومع ذلك، تجدهم ارتكزوا فيها على التسالم أيضاً، وعمدوا لإغلاق باب الطعن والتشكيك الذي لا يورث إلا “الظن”، اللهم إلا فيما يفضي إلى أدلَّة باتة تنفي، وحجج قاطعة تلغي، وإلا فهو عبث وهدر للوقت وتبديد للطاقة والجهد، فالحياة قائمة على هذا التسالم، والبشرية ماضية عليه، آخذة به في بناء الحاضر وتطويره نحو قادم أكثر زهرة وألقاً. فما نعرفه عن البدايات في العصور الحجرية، إلى العصور التاريخية المقترنة بالكتابة والمدنيات المفقودة، حتى حضارات الهند والصين واليابان، وفارس واليونان، فالرومان والمسيحية وعصر الإيمان، إلى عصر النهضة والإصلاح، فالعصر الحديث، كل هذه الحقب والأزمان وما أفرزته من حضارات، يتم تلقيها عبر التسالم بما كان منها وجرى فيها، لا أحد يشكك في حروب الفايكنغ أو مخاضات العصر الفلورنسي ومعطيات الثورة الصناعية، وإذا كانت الآثار تشهد على ما بلغته الهندسة والعمارة والطب والتعدين، فلا محسوسات تثبت أعيان العلماء، ناهيك بنسبة النتاجات إليهم، وكذا الأمر في العلوم الإنسانية، ومع ذلك لا أحد يشكك في شخص فولتير وروسو وهيغل وكانط، ولا في كتبهم وآرائهم، سواء المنقطع تواترها عنَّا والأخرى المتصل، فـ “الأمير” كتاب لميكافيل، و”روح القانون” لمونتيسكيو، و”الجيوكندا” من أعمال دافنشي، و”فاوست” لجوتيه، و”الأوديسة والإلياذة” لهومر، و”الجريمة والعقاب” لدوستويفيسكي، و”الحرب والسلام” لتولستوي، و”هاملت” لشكسبير، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي… هكذا ”القانون” و”الشفاء” و”الإشارات” هي لابن سينا، و”الحاوي” للرازي، و”تهافت التهافت” لابن رشد، و”المستصفى” للغزالي، و”الأسفار” لملا صدرا.

    هذه كتبهم وآثارهم، تحمل آراءهم، على هذا بنى العلماء وعليه ارتكزوا، لم يُلتفت إلى دراسات هنا وبحوث هناك حاولت التشكيك والتضعيف، وإثارة ما يعيق اعتمادها والبناء عليها، وقد تجاهل الوسط العلمي التخصصي كل ما ينتهي لهدم التراث. ومن التناقض والتهافت أنَّ الجهات العلمية أو السياسية التي تقف وراء هذه التضعيفات والتشكيكات، إنما تهدف إلى هدم الموروث وتغيير التاريخ وصنع تراث جديد (يوافق هواها)، تريد له، في المدى البعيد، بعد القريب الماثل، أن يُدرِج وجودها الفكري والعقائدي كتُراث ومسلَّمات للأجيال القادمة، ويكون مرتكزاً لتلقي العلوم والمعارف لعصرنا وما يلينا!

    وحقيقة تلقِّي العلوم من العهود الماضية والتسالم على التراث، تكاد تكون بديهة لا يختلف عليها عاقلان. فهذه وسائل الإعلام تضج بمقدار هائل من الأخبار، ومواقع التواصل تتخم بما لا يحصى من معلومات تشكِّك بعلوم الطب والصحة والكيمياء والغذاء، وتطعن بمنظومة التربية والتعليم، وتنال من الواقع السياسي والنظام المالي والاقتصادي، تطرحها في سياق إبطال الأدلَّة أو غلبة الفساد أو نظرية المؤامرة، وما يقدُم من خلفية هيمنة قوى خفية على المال والاقتصاد، تسعى للتحكُّم بالإنسان والسيطرة التامة عليه. هناك كثيرون يتداولون هذه الأخبار ويتناقلون تلك المعلومات، يتبنون بعضها فيحملونه وينشرونه… لكن لا أحد من هؤلاء يرتب عليها أثراً، فيمنع أبناءه عن المدارس، أو يعزف عن الدواء الموصوف وعن بروتوكول العلاج المطبَّق في المستشفيات، فيعرض عن جراحة تستأصل زائدة دودية يئن من ألم التهابها، أو يكف عن حُقن أنسولين تعدِّل نسبة السكر في دمه، أو يتخلى عن بطارية تنظِّم ضربات قلبه، كل ذلك لصالح خلطات الزنجبيل والكركم، وعصارة أعواد القرفة والحبة السوداء المعجون بالعسل! فالناس ينساقون مع الواقع الماثل، يلتزمونه ويعيشونه، على الرغم من عدم إيمانهم التام ويقينهم المطلق به، يودعون أموالهم البنوك، وينخرطون في النظام التجاري، ويلتزمون الإجراءات والأنظمة المعيشية المعمول بها، ويمتثلون للواقع السائد… ذلك لأن المعلومات المتداولة عن فساده وخطره، والأخبار المنقولة عن بطلانه وخطئه، تبقى في إطار الظن، لا تورث علماً يقارع الماثل، ولا تحقِّق يقيناً ينقض القائم السائد، ولا تغني من الحق شيئاً.

    هكذا تمضي الحياة وتجري أسباب العيش، لا أحد يبني على أُمور ظنية، والتضعيفات والتشكيكات طُرّاً ظنيات ما لم ترقَ إلى أدلة حسيَّة أو براهين عقلية. هناك واقع فرض نفسه في حقله وميدانه، لا يمكن نقضه بظنون. هكذا يتعاطى العلم مع التاريخ، ولا سيما الذي تم تسجيله وتوثيقه، باتت مدوناته هي الأصل الذي لا تنقضه تشكيكات تخلقها تحليلات وأخبار من هنا وهناك، مع العلم أن لا أحد يثق بمدوني التاريخ وموثِّقي حوادثه، لا بصدقهم ونزاهتهم، ناهيك بموضوعيتهم، وكذا الأمر مع دور النشر التي أصدرت الكتب العلمية والمصنفات الفنية، والمطابع التي استنسختها… ومع ذلك يجري التعامل الأكاديمي مع المادة التي قدَّمتها وخلَّفتها بالتسالم والتوافق، والاعتماد والاعتبار.

    وهكذا هو الأمر في تراثنا الديني، ولا سيما الأحاديث الشريفة التي بلغتنا عن أئمة الهدى، موروث قدَّم السلف الصالح تضحيات كبيرة وبذل أثماناً غالية في جمعه وتدوينه، وصرف جهوداً مضنية لتنقيته وتهذيبه، ثم تصنيفه وتبويبه… وعلى هذا ارتكزت معارفنا ونهضت علومنا وقامت حضارتنا. أجراها أئمتنا بحاراً زاخرة من أنوارهم، وفجَّروها عيوناً متدفقة من فيضهم، تلقَّاها الأصحاب ودوَّنوها وضبطوها، فكانت الأُصول الأربعمئة، كتبٌ وأسفار جمعت تراثاً امتد من صدر الإسلام حتى بدايات عصر الغيبة الكبرى أواسط القرن الثالث، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التنقية والتصفية والتنقيح، ثم التبويب والتأليف، التهذيب من الشوائب، طرح المدسوس وحذف المكذوب، واعتماد مجموع شكَّل تراث أهل البيت، فكانت الكتب الأربعة، ومعها مصنفات لا تقل مكانة وخطراً، مثل محاسن البرقي واحتجاج الطبرسي وكامل الزيارات وبصائر الدرجات ونهج البلاغة، وبقية كتب الصدوق والطوسي والمفيد وأماليهم، ولحقتها موسوعات البحار والعوالم والوسائل وغيرها، استدركت ما فات وتلاحقت ما سقط. هكذا تلقَّى العلماء هذا الكنز الثمين بالتسالم، وتعاطوا مع هذا التراث العظيم بالتسليم، أنزلوه أحداقهم وبذلوا في سبيل حفظه أرواحهم، وما زالوا على هذا إلى عهدنا القريب.

    ولم تخلُ المسيرة من شيطنات وجهالات، بعناوين بحوث ودراسات، تهدم وتضيِّع وتسقط ما طاب لها، سواء لشيطنة وضلال سعى للخلط بين آلية الاستنباط الفقهي وعملية البناء المعرفي، وموقع التراث في هذا وذاك، أو لسخف وسفاهة وعبث أقحم الصعاليك في هذا الميدان، فإذا واجهت بعضهم نصوص وأحاديث عجزوا عن فهمها، وضاقت صدورهم عن استيعابها، طرحوها زاعمين مخالفتها العقل! ومع أن التطوُّر العلمي فتح آفاقاً لفهم مثل تلك النصوص، ألا أن الحراك السياسي والأيدي الخفية التي تتولى الأُمور وتدبرها، وجَّهت الأنظار إلى التخلُّف الذي يعيشه المسلمون والعجز الذي يعانون، وأرجعته إلى الأصالة والتمسُّك بالتراث، وقد اشتد هذا الحراك وشكَّل ظاهرة مطردة مع تطوُّر العلوم التجريبية والنهضة الصناعية في الغرب، وما صاحبها من ثقافة “العقل” الذي يصارع الإيمان.

    حتى صرنا في أيامنا هذه نواجه حراكاً منظَّماً على الصعيد الإعلامي، وإن زعم لنفسه صفة العلمية، يقوم على أثافي الضلال الثلاث: الحركة الإسلامية (الأحزاب الدينية في مختلف بلاد الشيعة)، جامعة المصطفى (البديل الحكومي عن الحوزة)، “حوزة الأطهار” في قم… أفرز تيار “تصحيح الحديث”. تيار يرجع في عمقه الفكري كما في سطحه التنظيمي، إلى نظام الإخوان المسلمين في إيران، المحتَضن عالمياً، والمرضي عنه ماسونياً، ولا تغرَّنك المناوشات، فهي صراع على الحصص لا يعني نفي الدخول وعدم الالتحاق بالمنظومة والخضوع لها.

    يعتبر التيار صيغة مطوَّرة لحركة الحداثة والتطوير الديني، وإصدار حديث للصدمة التي افتعلها فضل الله والحيدري، ومن الملحوظ في هذا الجديد شبابية عناصره، وحداثة العاملين فيه، فجُلهم من مراهقي العلم والشباب اليافع، سواء العملاء المباشرين للنظام، أم المنخدعين الذين يخدمونه من حيث لا يدرون. واللافت في عملية الإغواء التي يمارسونها، أنَّ جلَّ رواده ورموزه، يعمدون في كسب الشعبية وتحقيق النجومية، خوض معارك صاخبة مع المخالفين أو الملحدين، أو الانخراط في مواقع المقاومة والجهاد، ومن هناك ينعطف كلٌّ في درب وطريق، هذا يشكِّك بالعقائد ومقامات الأئمة الأطهار، يرمي الشيعة بالغلو، وذاك يطعن بالشعائر والسيرة الحسينية، والمجموع يعمل على إسقاط الحديث وهدم التراث، ونقض عرى الحوزة العلمية وتقويض أُسس بناء المعارف الدينية، حتى بلغ الأمر أن امرأة من العاملات مع القوم، تدير مجموعة تواصل (وتساب) نسائية، ردَّت حديث رسول الله في أميرالمؤمنين: “يا أبا الحسن مثلك في أُمتي مثل قل هو الله أحد”، تزعم أن راوي الحديث هو الحافظ البرسي، وأنه يعدُّ من الغلاة (هكذا!)، وتمضي في تفنيد الدلالة بما يسقط الفضيلة والكرامة. والحال أنَّ الحديث رواه الصدوق في فضائل الأشهر الثلاثة وروى الفتال النيشابوري مثله في روضة الواعظين، والبرقي في المحاسن، والقاضي النعمان في شرح الأخبار، وعلَّق عليه جملة من العلماء منهم العلامة الحلي في كشف اليقين والمجلسي في البحار، ثم تأتي أمرأة لا تعرف الهرَّ من البرِّ فتسقط حديثاً وتجحد فضيلة.. وهذا مثال لواقع مزرٍ استطاعوا خلقه في الساحة الإيمانية!

    إنَّ الاسلام ليس صلاة وصياماً وحجاً فحسب، إنه مشروع حضاري ونسيج متكامل يمثل الرسالة الإلهية الخاتمة والدين الوارث، إنه منظومة واحدة تُلحق الفكر بالفقه والعقيدة بالأحكام، وتقوم على التفسير والحديث والتاريخ والسيرة والأخلاق والدعاء، ولو أُعمل التشكيك بالأسانيد، وأُسقط التراث، لانهارت المنظومة ولم يبق منها شيء! ولن تشفع للحمقى والمستغفلين صكوك “براءة” يصدرها شيطان مَريد مثل حيدر حب الله وهو يتساءل: “ماذا أصنع إذا لم يثبت عندي”!.. إنَّ الأداء الذي يمضي فيه القوم سيأخذ الدين وأتباعه إلى حيث يسحقون جميعاً تحت مدحلة العلمانية والإباحية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

    ليست القضية في إسقاط معجزة الخيط وما يفعله الغزي والغزاوي، ولا في تلبيس هوية والدة إمام الزمان مما يقوم به الأحمدان الكاتب وسلمان، ولا التشكيك بدعاء الجوشن الذي تلوكه ألسنة العوام، ولا الطعن في السيرة والشعائر الحسينية الذي صار حرفة كل بغل وأتان، هذه رؤوس جسور، ونوابض تقرأ المطبات، ومجسَّات تستشعر الحواجز، فإذا وجدت المقاومة ضعيفة، وكانت الطريق سالكة، والقدرة على تخطي العقبات موجودة، انتقلت إلى أهداف عميقة تطال العقيدة السياسية التي تأخذ الإمامية إلى زيدية، والإيمان إلى مادية حسيَّة، والتسليم إلى عقلنة وجدلية، حتى تمحق الهوية الشيعية وتسقطها لصالح اللامذهبية!

    الصراع أكبر مما يظهر، وبعض المغرَّر بهم من الملتحقين بتيار التصحيح يجهلون أبعاد القضية ويعيشون أُفقاً محدوداً ونطاقاً ضيفاً لا يوفر لهم رؤية شمولية تمكِّنهم من استيعاب ما يجري وهضم ما يتناولون وإدراك ما يفعلون، لم يسبق لهم العمل في الحركة الإسلامية، وليست لهم خبرة سياسية، ولا عرفوا أحابيل هذا الميدان وأساليب الإخوان.. يحركون الغلاة، أو سفهاء يحكون دورهم، ثم يهاجمون الغلو! يؤسسون هيئات حسينية تعبث بالشعائر ثم يهاجمون العبث بالشعائر!يتبنون الفردوسي وحافظ الشيرازي، ويحتضنون الخطاب القومي ثم يحاربون القوميين! يزرعون ويرعون من يفتك بالحوزة والمرجعية، ثم يدينون فعلتهم!

    ولو صدق الملتحقون بهذا التيار في نزاهة أنفسهم وسلامة دعواهم، لالتفتوا إلى البلاء والمحنة التي يعيشون، وكيف أنهم يهدمون آخرتهم قبل أن ينالوا من المذهب أو ينجحوا في هزِّ أركانه وقلب كيانه! ولكفى في ردعهم عن الفوضى التي يبثون في الساحة التدبر فيما نقله السيد الخوئي عن أُستاذ الفقهاء والمراجع العظام، الميرزا النائيني “إن المناقشة في إسناد روايات الكافي حرفة العاجز”. (معجم رجال الحديث السيد الخوئي ج1 ص81). وكذا ما قاله الرجالي الضليع آغا بزرك الطهراني في التسالم على التراث (كما في محاضرات الشيخ السند الثرية)، ثم بيان السيد محمد سعيد الحكيم (في “من وحي الطف” ص77) في نفس الباب.

    بل لكفاهم أصل حاكم هنا، هو أن التضعيفات كلها حدسية لا حسية، فلا يكون لها أي اعتبار، وأن التوثيقات حجة بخلاف التضعيفات المبنية على آراء ونقولات تفتقر البينات. وكثيراً ما كنت أسمع أحد الفقهاء الضليعين في علم الحديث والرجال يكرر: “الأصل في التضعيفات الضعف”، وكنت أتساءل كيف خلص إلى هذا فأسس عليه قاعدة وأرسى أصلاً؟ حتى عرفت أنه رأي أعلام آخرين، وهو الذي كان سائداً مدى تاريخ حوزاتنا حتى عهد قريب، بل هو القول السديد الذي ترشد إليه سيرة العقلاء.

    هذه دعوة مخلصة للمؤمنين الملتزمين المتشرعين، الذين تورَّطوا باللحاق بهذا التيار، عن جهل أو غفلة، في ساعة طيش أو فورة، لإصلاح حالهم وإرجاع تصحيح أسانيد الحديث لموقعه الأصلي ووضعه الطبيعي، حصره في العلماء المتخصصين والفقهاء المتبحرين، الذين يعرفون مكانه ونطاقه ويدرجونه في مواضعه. حتى لا يؤخذ الدين وتبنى المعارف الإلهية إلا من كل مؤتمن مُسنٍّ في حبهم، كثير قدم في أمرهم، سابق في الحرص على تراثهم. وقصر أيدي المتطفلين الأغرار، بل قطعها عن التطاول وقد تمادت حتى العبث والسفاهة، وغرَّرت حتى الابتداع والغواية.

    هذا دبٌّ ولج مخزن الفخار يبحث عن خم العسل، والقضية ليست رياضيات تحكم بحاصل جمع عددين، ولا هي طبيعية وجدانية كإدراك المرء وجوده أو حاله ومكانه، بل هي نظرية تتحرك وتدور في إطار عريض من الاحتمالات، يفتقر الوصول إلى حكم فيها إلى الفراغ من مقدمات، على رأسها بلوغ ملكة الفقاهة والقدرة على فهم معاريض الكلام ولحن القول والمراد الجدي، ما يتطلب عشرات السنين من التفرغ العلمي وجهوداً مضنية من التعمُّق والبحث المتراكم الذي يولد خبرة… ما زلت أبحث عن شعرة بيضاء في وجه هذا وذاك، فلا أجد إلا السواد.