طالما كنت أتحاشى المناقشات الارتجالية، وأحجم عن الدخول في المخاصمات والمحاججات وليدة الساعة، إيماناً بأن الآراء والمتبنيات إنما تقوم على بحوث علمية مستفيضة، والعقائد والأفكار تأتي من دراسات وافية وعميقة، أخذ حاملها فرصته من التأمُّل والتدبُّر، لم يُؤخذ بالصدمة والفجأة فغفل ونسي، ولا نزل به العي وطاله التبكيت، فارتُج عليه من اعتقال لسان أو عُجمة… لكن استثناءً وقع بالأمس، لما التقيت صديقاً مخلصاً، على درجة مشهودة من العلم والثقافة، ومرتبة متقدِّمة من الاطلاع والبصيرة، فدخلت معه في مساجلة وخضت مطارحة، من هنا كانت هذه المحاججة… كان المدخل موقفاً مؤلماً أو مزعجاً لهذا المؤمن الصالح، ظهر في استخفافه وعدم اكتراثه بما يجري في غزَّة! ما أثار الاعتراض وأذكى الاستنكار وأشعل الحوار. والمقالة تنقل ما طرح الرجل في احتجاجه، دون الردود على أقواله وآرائه، لشيوعها وغلبتها على الساحة، وعدم حاجتها لمزيد بسط ونشر، وغناها عن أي بيان وإيضاح، بخلاف رأيه الغريب، الذي نسبه إلى الاستضعاف والوقوع ضحية القمع والإرهاب!
“إنني أتجنَّب سهام الدجل التي ترسلها القنوات الفضائية، تصرع بها خلق الله، أن تصيبني وتنال مني. وأحذر ما يزكم الأنوف من اللوث الذي تفشيه الآلة الإعلامية العربية والحزبية والإسلامية، فينزل بي. وأربأ أن أكون من الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق. تأبى نفسي اللحاق بقطيع الغنم، وأن تحطَّ ربيضةً محدِقة بالمورد، منثالة عليه من كلِّ جانب، حتى لتطأ الحق وتتلف مواقعه وتسحق بالحوافر معالمه، تثغو من حماسة وتعبُّ من ظمأ”!..
“أ رأيت كيف يستنفر السفهاء منَّا ويمضون في تفنيد كلِّ جزئية من المقتل الحسيني؟ يلاحقون كلَّ مشهد عابر وقع يوم الطف، حذر أن يُبكي الشاعر والراثي الناس على صوَر «مخترعة»، ويعدِّدون رزايا «لم تثبت»، وبتعبير موجز يباهون به «يحاربون نسج الخرافات وخلق الأساطير»!؟.. لا أريد ـ بدوري ـ أن أُستغفل، أندب وأبكي، أتفجع وأجزع على مستشفى وأطفال، والمشهد الحقيقي، والرؤية في الحديقة الخلفية أو الطوابق السفلية، تحكي قواعد عسكرية، ومقرات قيادة، ومخازن ذخيرة! لا أُريد أن ألتاع على أخبار انقطاع مزعوم للماء والكهرباء وشبكة الاتصالات منذ اليوم الثالث للحرب، ما زالت فاعلة بنحو وآخر بعد شهر من الحرب والقتال”!
“لا أريد أن أتساوى مع المستغفَل الساذج الذي يهتف مع المهرجين في تظاهرات ساحة الإرادة، وأنا أعلم خلفية التحالفات الإخوانية مع تيارات وشخصيات عادت إلى المقاعد النيابية بدفع ونصرة هذا التنظيم الماسوني، وأخرى حظيت بمناصب عليا في الدولة ووظائف إشرافية كبرى من دعمهم وتزكيتهم، فهم أركان الدولة العميقة، وبيدهم خيوط السلطة الخفية، يحرِّكونها فيقصون من يشاؤون، ويرفعون من يريدون! لا أريد أن أخلط عملاً صالحاً من التألم للمظلوم والدعاء له، بآخَر سيِّئ من مصالح وصفقات ولوث سياسي”.
“لست معقَّداً من الفلسطينيين، وإن كانوا عملاء في المخابرات البعثية، وأدلَّاء للجيش الصدامي الذي غزا بلدي، وأنهم ـ في جُلهم ـ من النواصب الذين يبغضون أهل البيت وشيعتهم، يتشفون بقتلهم والتنكيل الذي يطالهم، ويشمتون بالمصائب والويلات التي تحلُّ بهم… ففي الفلسطينيين مَن كان معلِّماً لي من الابتدائية حتى الثانوية، وفيهم مَن عمل على تنمية بلدي وازدهارها، وقبل هذا وبعده، فيهم نجوم لامعة في سماء الاستبصار أمثال أحمد حسين يعقوب، وآخرين كأسعد وحيد القاسم، ومروان خليفات”…
“كنت حاضراً في موكب حسيني يضم نخبة من العلماء، يخدمون زوار الأربعين بين النجف وكربلاء، حين دخل المضيف وفد من حركة حماس يصحبه مرافقون إيرانيون وحزبيون، استُقبل بحفاوة وترحاب، حتى إذا تحدَّث أحدهم، وكان منطيقاً مفوَّهاً، أسهب في التنظير لنقاط الاشتراك بين النهضة الحسينية وحركة المقاومة، ثم انعطف على العلماء وتقدم إليهم بطلب، أن يدرجوا خطاب فلسطين والأقصى والمقاومة في محاضراتهم وشعاراتهم وهتافاتهم، وجعلها من الشعائر الحسينية، وقال إن ظفرنا بعُشر هذا الزخم الجماهيري المنساب نحو كربلاء، الذي يناهز عشرين مليون نسمة، وجذبناهم للقضية، فهو فتح نوعي سيقلب موازين الصراع العربي الإسرائيلي!.. حتى إذا فرغوا وأخذوا طريقهم للانصراف، استوقفهم أحد الفضلاء، يبدو أنه مقرَّب من صاحب الموكب ومديره، وخاطبهم بلغة تجمع الإشفاق والرجاء إلى الحسم والمضاء: إنني أتعهد لكم أن أجعل القضية الفلسطينية محور محاضراتي وخطاباتي، من الآن حتى تحرير القدس، وأتعهد بالسعي لإقناع زملائي، بل حتى مراجعنا العظام، أن يستغلُّوا كل فرصة لطرح هذا الخطير… في المقابل أُريد منكم أمراً ميسوراً مبذولاً، تؤمنون به وتتبنونه، كما ظهر من حديث المتكلم الذي نوَّه بأنَّ نبينا وكتابنا وقبلتنا واحدة و90% من عباداتنا مشتركة ومتوافقة (وأنتم لا تعملون بالتقية، فتقولون ما لا تعتقدون خوفاً أو مداراة)! فسألوه بلهفة: ما هو طلبك؟ قال: لتُصدر حركة حماس بياناً رسمياً يعترف بأن الشيعة مسلمون! دمهم ومالهم وعرضهم حرام، وتذهب في حملة إعلامية وتثقيفية تسقط فكرة التكفير، واستباحة الدماء. لا أُريد أكثر من هذا! لتبقى الخلافات والعقائد على ما هي عليه، ليتمسك كلٌّ بالنهج الذي يعتقد أنه ينجيه يوم القيامة، أنتم مع الصحابة ونحن مع أهل البيت، نحن نزور عتباتنا المقدَّسة ونتوسَّل بأئمتنا ونبكي الحسين، وأنتم ترون ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار! لا بأس، كونوا على عقيدتكم بأننا من أهل النار، وأنكم الفرقة الناجية، ونحن كذلك، نبقى على عقيدتنا بأننا الناجون، وأنكم في النار… ولكننا، نحن وأنتم، نمضي في حياتنا الدنيا، إخواناً يكمِّل بعضنا بعضاً، نعيش قضايانا الخاصة منفردين، ونلتقي على القضية الكبرى المشتركة وهي تحرير فلسطين.
عمَّ الفضاء صمت رهيب، وأعضاء الوفد يتلفت كلٌّ منهم نحو الآخر، ينتظرون مجيباً أو رادّاً، فلم يبادر ولم ينبس أحد منهم بشفة.. مضوا في طريقهم نحو المخرج، وكأنهم لم يسمعوا شيئاً، وإن سمعوه فلم يفقهوه، وراحوا يصافحون صاحبنا الذي شيعهم حتى الطريق، دون أن يزيد أحد منهم على عبارات السلام والوداع غير ابتسامة صفراء، غلب فيها الإحراجُ الخبثَ والكيد وإضمار الشر والدهاء”!
إنَّ الذين أبلغوا ترامب وأحاطوه علماً بالضربة الصاروخية الانتقامية على اغتيال سليماني، وضمنوا له وتعهدوا أن لا يُقتل أمريكي واحد في عين الأسد، هم الذين كفُّوا أيدي الحزب ومنعوه من الانخراط في حرب غزة، ونعم ما فعلوا، فهذا ـ في نظري ـ عين الحكمة والصواب، وهو ما يكشف عن حقيقة الخطاب الثوري الذي يحمله هؤلاء، وأنه لا يعدو سلعة يتكسَّبون بها، وبضاعة استهلاكية يستأكلون بها، ويخدعون الصغار، يجمعون الأنصار ويكثرون تحت رايتهم الأخيار والأشرار. وإلا في الحقيقة، فإن بين القوم والثورية، ما بين الأرض والسماء.
إن قادة حماس والقاعدة والنصرة وداعش وسائر التظيمات الإسلامية، السياسية منها والجهادية، يعرفون أنهم مشاريع استعمارية، وأنهم مجرَّد وسيلة لتحقيق أهداف أسيادهم الإقليمية والمناطقية، ورقة ضغط على هذا النظام، وأداة مناورة على ذاك، وعنصر منافسة وإرباك… ولكنهم لا يأبون ذلك ولا يمانعون منه، بل يرحبون فيه ويهللون له، ما دام يحقق لهم هدفاً واحداً هو إفراغ حقدهم الطائفي! وما زال الانتحاريون، يتمنطقون بالأحزمة الناسفة ويفجرون أنفسهم في مساجد الشيعة وأسواق الهزارة وحافلات مدارس الأطفال في أفغانستان، وحرب غزة مستعرة، تحمَّل الشيعة في إيران كلفتها، بميزانيتها الضخمة، وتسليحها الذي لم يدَّخر دون حماس سرّاً تصنيعياً يحفظ للجمهورية تفوقها، والأهم من هذا وذاك، أنها ما زالت تتحمَّل التبعات وتدفع الثمن حصاراً مهلكاً وحروباً مدمرة، المخرج منها مبذول منذ أربعين عاماً: التخلي عن القضية الفلسطينية، فلا تفعل!.. والقوم يلاقونها بهذا الجزاء”!
عاد صاحبي ليقول: “هل تعلم إلى أين نحن ذاهبون إذا انتصرت حماس؟ هل نسيت طالبان في أفغانستان؟ هل نسيت داعش في العراق؟ هل نسيت النصرة في الشام؟ هل نسيت حزَّ الرؤوس والتمثيل بالجنائز وانتزاع القلوب من الصدور والتهامها، لا كآكلي لحم البشر في أفريقيا، بل كالوحوش والضباع الضارية… هذا ما ينتظر بلاد المسلمين إذا انتصرت حماس، لذا لن يغلبني الحماس! ولكن هذا لا يعني أن أفرِّط بإنسانيتي، وأبدِّد وأضيِّع مشاعري… ما زلت مرهفاً، أبكي الظلامات والفجائع، كما كنت أبكي على هانوي تحت القصف، والضحايا بوذيون أو ملاحدة، وأبكي على أبرياء غافلين في هيروشيما وناكازاكي، وأبكي على كونتا كنتي والعبودية في رواية أليكس هيلي… ولكني لن أنسى اللطيفية وسبايكر، والزرقاء، قاتل الله الزرقاء، تبتهج بتفجير الحلة الذي وقع بشاحنة مفخخة يقودها انتحاري استهدف مدنيين عزَّل تجمعوا قرب مركز طبي للحصول على شهادات لمواليدهم، أدَّى إلى مقتل 127 ضحية جميعهم من الشيعة!.. والطغام يتوافدون على دار الانتحاري في الزرقاء (الأردن)، ووالده يأبى استقبالهم إلا بعنوان المباركين له بهلاك نغله، فهذا الشيطان عنده شهيد لأنه قتل الرافضة، فعمَّت البلدة الأفراح وكأنه عرس جماعي لم يخل بيت إلا ودخله السرور!
أعرف جيداً مداليل قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى” و”لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.. ولكني أعرف أيضاً وأفهم قوله تعالى “الذين جعلوا القرآن عضين”، اقتطعوا من الدين ما يناسبهم، ويخدم مشروعهم السياسي. أخي العزيز، هناك منظومة ضلال كبرى تقود الساحة الدينية، لن أنخرط فيها، لإثارات عاطفية، وإن كانت محقة. لن أُغرر بالعوام باصطفاف يضفي المشروعية على شياطين يهتكون الدين، يستبيحون كُنهه ويزرون بجوهره، منخدعاً فرحاً بأنهم اقاموا الصلاة هنا، أو لعبوا الجهاد هناك، إنني أنظر الراية وألحقها، والرايات في زماننا، رايات عهر في مضارب الفجور، أو ضلال تُرغم الموالي المقهور!
في الحديث الشريف عن عمر بن حنظلة، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: “إن آية في القرآن تشككني. قال: وما هي؟ قلت: قول الله إنما يتقبَّل الله من المتقين. قال: وأي شيء شككت فيها؟ قلت: من صلَّى وصام وعبد الله قُبل منه؟ قال: إنما يتقبَّل الله من المتقين العارفين. ثم قال: أنت أزهد في الدنيا أم الضحاك بن قيس؟ قلت: لا بل الضحاك بن قيس، قال: فإنَّ ذلك لا يُتقبل منه شيء مما ذكرت”.
الحقيقة المغفول عنها، والحق الذي تسعى الأحزاب لطمسه، ينطوي في جواب السؤال المطروح اليوم: هل حماس في طوفان غزة أكثر جهاداً وتضحية وفداء و”تقوى”، من المؤمن النائم على فراشه في داره؟.. الحق أنَّ كل مَن لم يعرف إمام زمانه، داخل تحت “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا”… لأنفاس مستلقٍ، تتردَّد في صدره المنشرح بولاء آل محمد، تنعش قلبه العامر بحبهم، خير من جهاد تتقطع فيه الأوصال، وتدمَّر البيوت، وتُهجر الأوطان… يا ليت قومي يعلمون.