• لا جدال في  أحقية القضية الفلسطينية، ولا ريب في ظلامة أطفال غزَّة، كما أنه لا شكَّ في “لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود”، وحقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين، هذه قضية لا تحتمل التوقف والتأمل، وهي تمتثل في الوجدان الشيعي كحالة عقائدية ومسلَّمة تاريخية، انعكست في المواقف التي يتخذون، وظهرت في سلوكٍ غير مظنون. ولا يخفى أنَّ الخيارات المبذولة والنطاقات المتاحة على هذا الصعيد محدودة، فالقضية الفلسطينية وإن بدأت نزيهة، لكنها لم تستمر كذلك بسبب خيانات بعضهم وصفقات بيع الأراضي، وتفريط العرب وتخلُّفهم، وسرعان ما تحوَّلت إلى سياسية واستعراضية، مع شعار إلقاء اليهود في البحر، الذي أطلقه عبدالرحمن عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية وكرَّره عبدالناصر وجملة من الزعماء العرب، وانتهت عند مقولة السيد الخميني “إسرائيل غدَّة سرطانية”… نكص العروبيون على مقولتهم وارتدُّوا عنها، وتنكَّر الإيرانيون لشعارهم وتبرَّؤوا منه، وبات الجميع يدعون لمشروع الدولتين، والنزول على حكم سكان فلسطين من مختلف الأديان والأعراق، فهم وما يرون في مستقبل بلادهم، وهذا اعتراف بدولة إسرائيل وشرعية الكيان الصهيوني.

    في ظل هذا الواقع المرير، وما نشهده من تعاطٍ دولي وإقليمي، حكومي وشعبي، خلق حالة وفرض معادلة لا يمكن تجاوزها، اللهم إلا بفعل ثوري، لن يلبث ـ بدوره ـ أن يخمد ويؤول للانزواء ثم الزوال (كما كان من الخمينية، والماركسية من قبل، والماوية من بعد)، أو مغامرة تفضي إلى الانتحار وتحميل النفس ما لا يُطاق، من قبيل ما يجري في لبنان، الذي قدَّم ـ حتى الآن ـ نحو مئة نفس محترمة في هذا الطوفان، ما زالت “الجزيرة” تستنكف أو “تتورَّع” أن تطلق عليهم شهداء! هذا هو الأداء الذي يريده أتباع إيران وحلفاء الإخوان، وإن في نطاق محدود، يشكِّل صندوق بريد لرسائلهم، ولعمري كم هي مكلفةٌ القرابين، وأثمان “الطوابع البريدية” لهذه الرسائل! وفي هذا السياق تجد أحد الأبواق الرخيصة، يغني “الصولة العراقية”، وكأنَّ العراق ينقصه القردة، تنزو على منابره، حتى أسرجوا لهذا البغل الذي دمَّر بلده من قبل، وأرسلوه ليشعلها حرباً على القواعد الأمريكية، لا يبالي أن يحترق العراق ويُدمَّر، ولا يعنيه رأي المرجع الأعلى وموقفه، الرافض للمواجهة المسلحة. وماذا عسى نتائج هذه الأغاني والمسيَّرات والمفرقعات أن تكون، غير الفوضى التي تعبِّد الطريق، وهي تخلق حالة وأزمة ترسم الحل في عودة النظام السابق أو نظير له، سبيلاً حصرياً لتحقيق الأمان والاستقرار؟!

    إنَّ واقع الحال يجعل الممكن المتاح، عقلاً وشرعاً، يدور بين تقديم تبرعات نقدية وعينية، والتزام مقاطعة السلع والشركات التي أعلنت تأييدها للصهيونية، ثم أنشطة وفعاليات رمزية كالتظاهرات السلمية والاعتصامات المدنية. هذا ما فعله المسلمون كافة، شيعة وسنة على السواء، في مختلف بلادهم وشتى بقاع الأرض، ما خلا اليمن والعراق ولبنان، التي يحاول فيها ويناور أتباعُ إيران.

    أما الخيار الأسوأ عقائدياً والأخطر دينياً، فهو الانخراط في الأداء الإعلامي والخطاب الثقافي الذي تبنَّته الجمهورية الإسلامية والأحزاب التابعة لها، الذي يجعل فلسطين هي القضية الدينية والاجتماعية الأُولى، عقيدة في النفوس وحضوراً في الحياة، ما يتهدد معالم المذهب الإمامي بالطمس، والهوية الشيعية بالدفن، والسمة الروحية والشخصية الولائية لأبناء الطائفة بالتقويض والمحق… لقد أقحموا فلسطين في شعائرنا الدينية، من أقصاها، في المنابر الحسينية ولطميات العزاء، إلى أدناها، في الزي المتعارف لرجال الدين، أضافوا إلى العمامة والجبة والعباءة، كوفية فلسطينية تلف الأعناق، وسمِّها إن شئت طوق استرقاق!

    والأمر لا يقدم من تعصُّب وتحسُّس وريبة، بقدر ما هو وعي وحكمة وبصيرة، إذ لا بأس أن نشارك الآخر إحياء مناسباته، ما دامت حقاً، فلا ضير أن نحتفل بميلاد المسيح، على سبيل المثال، لكن في حدود ونطاق يُبقي على مكانة أئمتنا، ولا يمس شعائرنا الخاصة، ولا قضايانا الأصلية وتراثنا وتقاليدنا الموروثة، لا يُخلُّ بها ولا يغيِّر طابعها، من هنا لا يسمح الشيعة لأي شخصية أو قضية أو حادثة، ماضية أو حاضرة، أن تكون الأُولى ولا الدائمة الثابتة، على حساب معالم المذهب الحق وشعائره.

    إنَّ هذا المسعى المريب الذي يريد إقحام فلسطين في الدين، ينطلق من حيثيتين، أو هو قيح ينزُّ من ورمين خبيثين أو بؤرتين ملتهبتين، الأولى حزبية تؤمن باللامذهبية، تجمع الإخوان المسلمين (حماس والجهاد وغيرها) بحزب الدعوة بالخامنئية، والثانية نفسيَّة مرَضيَّة، تنطلق من الضعة والهوان وعقدة الدونية التي تتملك بعض الشيعة، يستشعرون وجوب “إثبات” إيجابيتهم للآخر، وإظهار التحاقهم بالركب العام في سبيل تحقيق ذواتهم، شخصيات مهزوزة وروحيات خاوية، عقول ضحلة وأفهام سخيفة، والمؤلم أنَّ بعض هؤلاء هم من الأكاديميين والمثقفين، وإن جاء أغلبهم وقدُم أكثرهم من بيئة حزبية، عاش في حماها ودار في فلكها ومضى في ركبها، متأثراً بالبؤرة والعامل الأول… حالة خلقت ثقافة مشوَّهة وأورثت انقياداً وإمعيَّة أو رعاعية إن صحَّ التعبير، تذكِّرك بأهل الشام حين أقام فيهم معاوية الجمعة يوم الأربعاء!

    ومن غريب أحوال هذه الشريحة الناشطة في الساحة الإيمانية، أنَّ منطلقاتها تقدمية ومزاعمها حداثوية وخطابها علمي، بينما سلوكها مغرق في الرجعية والشعبوية الغبية، وفعلها مسرف في الجهالة والفوضوية! ترى أحدهم يحمل شهادة عُليا، تفرض فهمه لأوَّليات العلم وضرورة التخصُّص، وإذا به يقحم ميادين لا علاقة له بها، ويخوض في حقول لا يُحسن، ناهيك بأن يُتقن، ألِف بائها! لا يرون في هذا عيباً ولا نقصاً، فلا غضاضة أن يشخِّص مهندس المرض، ويصف ممرض العلاج والدواء، الذي ركَّبه من قبل شاعر مفلق! من هنا يقحمون الحقل الديني، ويخوضون في مواقع تتطلب رتبة علمية عالية، ولربما ملكة اجتهاد، ويتبعون في تكتلاتهم نكرات، يلوذون بشباب مغامر قفز على المراحل، أخذ عن المخالفين، وحمل وهو بعدُ غرٌّ راية إصلاح الدين، ويلوذون بمستبصرين مشبوهين ومعقَّدين، يلهثون وراء الأضواء، يترصَّدون كلَّ مفخرة للمذهب ومأثرة ومعجزة للأئمة الأطهار، ويتتبعون كلَّ يد لهم على المخالفين وفضل على سائر الأُمم، فيُجحد ويُنكر! هذا ينفي تتلمذ أبي حنيفة على الصادق، وذاك يتهالك ليثبت أن جابر بن حيان شخصية وهمية، ويتحايل ليُسقط فضل الإمام الصادق على علم الكيمياء، وإبطال ما يعترف به الغرب في أعرق الجامعات! والقوم يتبعون ويصفقون ويرقصون… ومن هذا السبيل يلحقون بالدبكة الحمساوية.

    وللإنصاف، فإنَّ حركة حماس ليست تنظيم الدولة الإسلامية، وما يجري في غزَّة ليس من قبيل أفعال القاعدة، ولا هم يتبعونها تنظيمياً، هذه حقيقة يقرُّ بها التحليل والتحقيق الموضوعي، ولكنهم ـ من جهة أُخرى ـ مدرسة ومذهب واحد في العقيدة، وحتى في الموقف والاصطفاف السياسي، ذلك أنَّ حماس متى رأت الحاضنة التي تؤويها، أكثر حقداً ونصباً من داعش، فهي ستميل إلى التكفير، وتبني طرحهم العقائدي، وترتب على خطابهم الثقافي، وتتخذ موقفهم السياسي، وقد فعلت في سوريا.

    ببساطة شديدة، هؤلاء أبناء الرنتيسي الذي أُبعد عام 1992 إلى لبنان ومعه نحو أربعمئة ناشط إسلامي، من الضفة وغزة المحتلتين آنذاك، جلُّهم من حماس وقلَّة من الجهاد، أقاموا مخيماً في مرج الزهور، وصاحب رباطهم هذا حملة إعلامية وسياسية عربية وعالمية أرغمت سلطات الاحتلال على إرجاعهم، وقد باشرت إسرائيل بإعادتهم إلى وطنهم عام 1993 على دفعات. ولك أن تتلمس طبيعة هذه الجماعة، وتقف على هويتهم الحقيقية، دون تكلُّف أو تعسُّف، ودون كُره لهذا الشعب ولا حقد عليه، وأنت ترى هؤلاء المبعدين، الذين كانوا ضيوفاً على الجنوب الشيعي، يأتيهم المدد من مأكل وملبس إلى وقود تدفئة، إلى ميزانية حرَّة وأموال غير مشروطة، كلها من الشيعة، الذين ألحقوا ذلك بتسخير أجهزتهم الإعلامية، إذاعة وتلفزيون وصحافة، نصرة لهم ودفاعاً عنهم… ثم تشهد بعد كلِّ هذا، كيف غلبهم التعصُّب وأعماهم الحقد حتى أدخلهم في معركة وهمية حملتهم على تسمية مدرسة دينية أسسوها في مخيمهم (من الأموال التي بذلها لهم الشيعة)، باسم “ابن تيمية”! لم يختاروا غيره من الصحابة الذين يقدِّسون، والتابعين والعلماء الذين يحبُّون ويجلُّون! وليست هذه حالة فردية ولا استثناءً عارضاً لا ينبغي البناء عليه، بل هي الأصل في الإسلاميين (دون العلمانيين وسائر الشعب الفلسطيني)، ولو نظرت في أحوالهم الداخلية وتتبعت انشغالاتهم الحالية، لوجدت الهامش الأكبر من جدالهم اليوم يتوجَّه لمعضلة تلقِّي العون من الرافضة؟! وأكثرهم اعتدالاً يفتي بالجواز مستدلاً باستعانة رسول الله والخلفاء الراشدين بـ “الكفار”! لا كريم فيهم يستحي، ولا شهم يعتذر، ولا عاقل يقول كم هو معيب هذا البحث والجدال، والشيعة هم الجهة الوحيدة التي تعيننا!

    إنها طبيعة في الإسلاميين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، لا وفاء للحزبيين ولا مروءة، لا نبل فيهم ولا كرامة. إنَّ سهك البحر ونتنه لا تذهب به قارورة طيب تدلقها في مياهه، وفساد هذه البُنية لا يصلحه إحسان ولا يداويه إفضال… إنَّ الأحزاب الدينية والحركات الإسلامية تتاجر بقيم الدين وتعبث بحرمات الله وتمارس ما يهز العرش، فلا ترجُ من اللئام خيراً ولا ترقب منهم إنصافاً وعدلاً. الشيعة المنخرطون في رقصة أو دبكة الموت هذه، يخبطون الأرض بأقدامهم، ويلوِّحون بسبحات صلاتهم، وآخرون يشرعون صدورهم لتلقي الرصاص، ويستشهدون في سبيل إشغال الجيش الإسرائيلي وصرف تركيزه ومنع تفرُّغه لغزَّة، ولا أحد منهم يسأل: مَن هم هؤلاء الذين نضحِّي في سبيلهم؟ هل نبض عرق إنسانية في أحدهم يوماً فسمعتم منه استنكاراً أو إدانة لجريمة واحدة اقترفها الإرهاب التكفيري؟ أو حتى مواساة ومجاملة، لظلامة نزلت بنا، دون نزال ومعركة، من قبيل تفجير حرم الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء! صدق المتنبي إذ قال: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا.

    بين اندفاع الإسلاميين وتهورهم، وبين سلبية المتدينين الذين لم ولن يشاركوا في مظاهرة، ولا تعنيهم المقاطعة، ولا يبذلون فلساً لغير إخوانهم، تأتي المرجعية الشيعية نمرقة وسطى.

  • لن يكون هذا من مؤمن شريف، ولا من حسيب عفيف، لن يسقط في هذا اللوث نجيب، لن يبلغ هذا التسافل طاهر، ولن يجرؤ على هذا الانحطاط عريق، هناك حدود وخطوط لا يتجاوزها الكرام الأُصلاء مهما بلغ بهم الفسق والانحلال، قد يستخف أحدهم بصلاته، ويتهاون بأحكام دينه، حتى يقع في الربا وشرب الخمر وغيرها من الكبائر.. لكنه لن يفرِّط في عقيدته! لن يهتك شيعي حرمة آل محمد ويتطاول على ولايتهم، لن يساوم في هذا ويماكس مهما بلغ فيه الأمر واضطرب الحال، لن يبيع جوهراً تلقاه أباً عن جد، ونشأ عليه خلفاً عن سلف، بحصى أو حجارة من وقود النار… فإذا فعل، فاعلم بأنَّ الشقاء قد وقع والتعس قد استحكم، وأنَّ الشوه قد غلب والمسخ قد تحقق، فما عاد البائس الهالك كما كان، لا بات حيث هدهدته أُمه وأوْدعه أبوه، لقد خلع ثوبه وتعرَّى عن زيِّه، ترك بيته وخرج عن داره! انتقل إلى ماخور شأنه البغاء والفجور، وملهى لازمه السكر والعهر، فما عاد يقبل سابق الطهر، ولا يطيق ماضي السمو، ولا يريد الرفعة التي كان فيها.

    ألا فضَّ الله فاك يا لُكع، وسوَّد وجهك يا وضيع، أتقرن مصاب قرَّة عين الرسول وسيدة الإنس والحور، بغزَّة وسكانها؟! أيعدل حرق بيتها الذي رفعت منه ـ وهي تقف في محرابها ـ عمود نور يحمل العرش، بهدم دور في غزَّة ما عُبد الله فيها ـ حق عبادته ـ لحظة، ولا أُدِّيت فيها من الصلاة ـ كما أمر الله ـ ركعة؟! أتساوي ثالث الأسباط المحسن الشهيد، بوليد سُمِّي تيمناً بصدام؟! الزهراء التي تستنزل بزفرتها الأملاك، وتدير بإشارة من سبابتها الأفلاك، وما برحت متشعشعة في الصقع الأول، مع باكورة الوجود، أُمّاً لأبيها وحليلة لصاحب الحوض واللواء، وأصلاً للأئمة الأطهار النجباء، سادة الخلق طرّاً، ممن سكن الأرض وعاش في السماء.. تقاس مصيبتها بمصيبة فلسطين! أُلعوبة الجامعة العربية وعبدالخالق حسونة، وكورت فالدهايم الأمم المتحدة، مهزلة القرن العشرين وصفقة الدولتين!؟.. ألا شُلَّت أيدٍ تصفِّق بخبط صدورها على هذا الهراء، وقُبِّحت وجوهٌ تنتظم في صفوف، تتمايل وتتراقص، على هذا الكفر والفجور.

    اللهم إنا براء من هؤلاء، لا علاقة لنا بهم، لا شأن لنا بأحزابهم، لا نرضى بفعالهم، هم ملَّة ونحن ملَّة، اللهم فاشهد! وها نحن ننكر ما وسعنا، ونجاهر ما استطعنا، فأخرجنا اللهم من القرية الظالم أهلها، ولا تجعلنا من خصماء آل محمد ولا من أعدائهم، ولا من أهل الحنق والغيظ عليهم، فإنَّا نعوذ بك من ذلك فأعذنا، ونستجير بك فأجرنا. ثم المعذرة الصديقة الكبرى والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء، فلا سبيل لمنع هذا الاعتداء، ولا قدرة لنا على إسكات الأشقياء.

    كيف هانت المقدَّسات وسقطت الحُرُمات وهوى وانحدر الإحساس حتى بلغوا هذا الانحطاط والانتكاس؟ كيف سمح مؤمن لنفسه أن ينتقل من قمم ولاء الزهراء إلى حضيض ولاء الإخوان المسلمين، ومن رثاء مصاب آل محمد إلى ندبة حماس؟

    يحسب بعضهم أنَّ غضب الله وسخطه لا يكون إلا في ظواهر كونية أو بلاءات مادية حسِّية… تظهر في الوباء والطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم، أو في حاصب وزلزلة، وخسف وغرق وريح صرصر تجعلهم أعجاز نخل منقعر، وصيحة تخمد الأصوات وتسكت الحركات. أو تراه فقراً ومجاعة وبلاءً، حبساً وتشريداً وتنكيلاً… ولكن الغضب الإلهي له وجوه أُخرى يغفل عنها حتى من تحلُّ به وتنزل عليه، فقد تكون استدراجاً وإملاءً، ذهاباً في المعصية وإغراقاً في المكابرة والعناد، يُسلب شقي نعمة الإيمان، وهو يتبع خطوات الشيطان، خطوة فخطوة، ينكر معاجز أهل البيت وفضائلهم، ويجحد مقاماتهم ودرجاتهم التي أنزلهم الله فيها، ويلحق ذلك بالمصائب التي حلَّت بهم والرزايا والخطوب التي نالتهم، وهو يحسب أنه يحكِّم العقل، أو يُعمِل الضابطة العلمية في التثبت من سند الفضيلة وحقيقة الرزية! حتى يقع في الجحد والإنكار، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، يطيب له القثاء والفوم والبصل، بدل المنِّ والسلوى ومائدة من السماء! يرحل من رحاب الكساء وأنوار العترة الطاهرة والصراط المستقيم، إلى لوث السياسة وقذارة صفقاتها ومتعرِّج مسالكها ومعوج دروبها، وينقلب من ولاء فاطمة والمهدي، إلى نصرة الإخوان وحماس!

    على ظهر أبي رغال يُحمل، ومن جسر أبي مُرَّة يعبر، يأخذه اللعين من الشك الذي زرعه فضلته بظلامة الزهراء، إلى التسليم واليقين، لما رأى التغني بالظلامة يخدم قضية فلسطين! إنهم يخرجون من دين الله أفواجاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، هل من مصداق أعظم لوقوعهم محلّاً لغضب الله، ومثالاً صارخاً لسخطه؟! أن يخسر المرء جوهرة الولاء، يستبدلها بهذا الهراء؟! جموع الهمج الرعاع تلطم وتلدم، حتى تخال نئيم صدورها وهمهمة أنفاسها تصدع أو تهدم البيت الحرام، وتدمي قلوب حملة العرش، وهم يرون كيف يُستخف بحرمات الله، وتستقبل ألحان الكفر بإيقاع اللطم، فتنزل النقمة بالمرء ويعيش “وأفئدتهم هواء”، وهو حي يرزق، لم يُقبر بعد ولم يُنشر! سرق الأُولى أرضها واغتصبوا إرثها، وهذا الشقي يسلبها مصائبها، ويبذلها نهباً لكل شارد ووارد!

    قد نختلف في الفهم السياسي لحقيقة القضية الفلسطينية، ونتفاوت بيننا في القدرة على تحليل حرب غزة وعاصفة الأقصى، بين تعقُّل ورصانة تضع الأُمور في مواضعها المنطقية والشرعية والتاريخية، وبين حماقة وسفاهة قلَّ لها النظير، وحزبية في ذرى الانقياد والإمعية… التيار الضلالي في البحرين، الذي وقف مع فضل الله في تشكيكاته، ومع تعطيل ذكر مصائب الزهراء لسنين، انقلب فجأة لما وجدها فرصة سانحة تخدم مشروعه السياسي بإسقاط مصائب الزهراء على فلسطين! الآن ثبت عندهم كسر الضلع وإسقاط المحسن وإحراق الدار! ليست شطحة ولا أول قارورة تكسر في البحرين، من الواضح الجلي أنَّ هذا نهج، ابتدعه صعاليك كالجانح السهوان، وسار به المستأكل المرتزق الأكرف، وبات طابعاً للفصيل الإيراني هناك وهوية لتيار الضلال في هذا البلد المنكوب بهؤلاء، هذا هو نتاج عيسى قاسم وعبدالله الغريفي، ومن ورائهما فضل الله ومناة الثالثة الأخرى.

    وهنا جرائم ثلاث، بحق الزهراء وشعائر العزاء، ثم بحق هذا البلد الطاهر، حاضرة كانت موئلاً للولاء ومركزاً للعزاء، سقطت في الحضيض مذ تولت الحزبية أمرها، من حزب الدعوة إلى فضل الله إلى الخامنئية العمياء.

    هناك ألف سبيل وسبيل لنصرة غزة وفلسطين، ليبذل من شاء من جيبه ويصرف من حرِّ ماله، لا ننازع في هذا ولا نمانع… قم بما يسعك، وافعل ما طاب لك، ولكن إياك أن تبذل من ديننا ومذهبنا، وتصرف من رأس مالنا. إنَّ أصل القضية الفلسطينية يعود لوعد بلفور، ومن المحفوظات المدرسية، قصيدة للشاعر القروي، يهاجم فيها بلفور هذا على وعده المشؤوم، وفيها بيت يقول: “لو كنت من أهل المكارم لم تكن، من جيب غيرك محسناً يا بلفرُ”! وها هي الأزمة تعود بوجهها القبيح، وتتكرر على أيدي الذين ينصرون غزَّة باللطم! فالإخوة المضحين، والمجاهدين المستأسدين، يبذلون لها من دينهم وعقيدتهم، ويقدِّمون على مذبح معبدها، وتحت أقدام لاتها وهُبلها، قرابين من أعزِّ حرمات الله وأرفع مقدَّسات الدين! ولو كانوا رجالاً حقاً، لقدَّموا أنفسهم وأبناءهم، وغامروا بأرواحهم كما يفعل اليمنيون! حتى اللفيف الناشط منهم في لبنان، فرَّ مع نذر الحرب إلى إيران، والمعركة ما زالت في أيامها الأولى! فتمَّت المصداقية وظهرت الشجاعة وصدقت التضحية!

  • إلى جانب نخبة أصيلة من علماء الدين الربانيين، وصفوة من العاملين المخلصين، حمَلة المعتقد الصحيح وناشري أحكام الشرع المبين، الذين طلبوا العلم وانتسبوا للحوزة قربة إلى الله، لا يريدون من كسب المعارف الدينية والانخراط في هذا السلك المقدَّس إلا وجهه تعالى، وشرف خدمة إمام زمانهم، والنهوض بواجب تكفُّل أيتام آل محمد… إلى جانب هؤلاء، هناك طائفة من أهل العلم ـ يتبعون مرجعيات مختلفة ـ فيهم أساتذة وفضلاء، وجملة من أبناء الأُسر العلمية، وآخرون منسوبون لمشاهير وأعلام، يسعون لتكوين بيوتات تحاول اللحاق، ثم سواد من طلبة صغار، غرَّهم وهْم الوقار وطاب لهم سمت الكبار! يشكِّلون في المجموع تكتلاً ويصنعون محوراً، يسعى للسيطرة على الحوزة العلمية، ويكافح ليظفر بتمثيل الروحانية الشيعية. هذا التكتُّل، هو العنصر الثالث في ساحة تتفاعل فيها اليوم وتتنافس مع النفوذ الإيراني ودور الأحزاب.

    إنَّ هذه الشريحة العلمائية، التي تشكِّل إحدى المحاور الأساس في الحوزة العلمية، الفاعلة في تكوين العقل الجمعي لطلابها، والنافذة في صنع القرار فيها، والعمدة في رسم طابعها وما يشار به إليها… هي من أكبر أسباب عجز الحوزة ووهنها، وعلل هزالها وتقصيرها، مما يظهر في اضطراب أطروحتها وتخبُّط خطابها بين الحداثة والتطوير مقابل الأصالة، وبين الثورية والحركية مقابل التقية، ما مكَّن الأحزاب من التفوُّق، وأعان النظام في مغالبته وإخضاعه هذا الكيان العريق! بل إليها يرجع التردِّي المشهود في عموم الساحة الإيمانية، فضلاً عن الحوزوية. وما تراه من طغيان الضلال والبدع، وتفشِّي الرأي المخترع، هو انعكاس لهذه الحقيقة، وثمرة سوء لهذا الواقع المرير. والمعضلة أنها ليست فئة دخيلة ولا عميلة، بل حالة تحكي تاريخاً متقدِّماً، غاية الأمر أنها كانت بين جزر ومد، تغلب الحكمة والأصالة والإخلاص تارة، أو تنحسر لصالح التكسب والاستئكال، ثم الخُرق والغباء أُخرى، وهي تعيش اليوم أوْجاً في المنسوب وارتفاعاً غير مسبوق!

    لذا، من الضرورة بمكان تسليط الضوء عليها، والتفتيش في دورها وتأثيرها، بعد معرفة مواصفاتها وبيان معالمها. إنها كتلة الحياد والامتناع… لا يجيب هؤلاء على سؤال، ولا يردُّون شبهة ولا يتصدُّون لضلال! وأوَّل ما يستوقف الباحث، ويلزم المؤمن الفاحص، التنبُّه والالتفات إلى أنَّها جماعة تتوارى وراء خمودها، وتختبئ خلف سلبيتها، التي تجنِّبها الصدام وتوفِّر لها السلامة والأمان، وتتكفَّل بقاءها في موضع يؤمِّن دنياها ورغد عيشها، كما يحقِّق عنوان الالتزام الشرعي (في المنظور العام). ثم يلحق ذلك البراغماتية، الأخذ بالمصالح ودرء المفاسد، سمة غالبة وصفة لازمة، ما يعينها على التكيُّف الذي لا يلتزم مبدأ، ولا تحكمه قيمة وأُمثولة، فكلُّ تكليف شرعي يمكن تجاوزه وتخطيه تحت عنوان المصلحة والتقية، بتفريعات هذه واشتقاقات تلك، وكلُّ خطْب، مهما كان جللاً، يمكن إغفاله وتجاهله، بذريعة ضيق الخناق وعدم الوسع، والمشجب الحمول: “القدرة شرط التكليف”… فتقع الكوارث على الدين، وتحلُّ المصائب بالمذهب، وتنزل الرزايا على المقدَّسات، ولا أحد يحرِّك ساكناً! هناك حقائق بمنتهى الخطورة يجري تزييفها باسم التطوير، وعقائد في صلب المذهب وقوامه، يطالها التحريف بغطاء الاعتدال ونفي الغلو، وحرب شرسة ضد الشعائر الحسينية في العزاء والمزار، بدعوى التنزيه وذريعة مواكبة العصر.. وهذا تراث لاقى السلف في جمعه وتصنيفه الأمرَّين، وتحمَّل لحفظه ونقله الأقورين، بات مادة للعبث ومسرحاً للاستعراض! ساحة قحمها غرٌّ سفيه اتخذ الأحاديث ألعوبة يلهو بها باسم التصحيح، وآخر غلبه الزهو والغرور، حسب أنه يفوق الأولين والآخرين، راح يحكِّم سقيم ذائقته ومريض مزاجه، ويطلق العنان لعُقده النفسية وآفاته الروحية، يهدم ويسقط ما شاء من التراث المعصوم!

    والقوم في سبات، وكأن الأحد يلي السبت والخميس يسبق الجمعة!.. ومن هنا تظهر الصفة الأهم ويرتسم المعلم الأخطر: إسقاط التبري من سلوك القوم وقاموسهم! فالسعي للمكانة الاجتماعية وكسب المال، وجمع المريدين وحشد الأنصار، بناء المؤسسات وإرساء المرجعيات، يفرض تقوية “الجذب”، ويقتضي نفي التبري والطرد، واختفاء المواجهة، حتى إذا حكمت موازينهم الباهتة بضلال أحد، فلا صدام ولا قطيعة! كأن سلب التشيُّع جوهره، وتقويض أُسسه ونفي ثوابته وهدم مسلَّماته، مسألة فيها نظر! فلا غضاضة إذا رأيت الأضداد يمرحون في رحابهم، والنقائض يتآلفون في أجوائهم! حرائق شبَّت، وعواصف هبَّت، وبقاع زلزلت، والإخوة الكرام في شغل، بين فرار بذريعة حرِّ التنازع بين المؤمنين، وقعودٍ بحجة برد الفتنة وشقِّ عصا المسلمين، وتقريع أميرالمؤمنين يدوِّي في كلِّ أُذن واعية: “فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنَّت عليكم الغارات…… فقبحاً لكم وترَحاً حين صرتم غرَضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تغيرون، ويُعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم أيام الحرِّ قلتم: هذه حمارَّة القيظ أمهلنا يُسبَّخ عنَّا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبَّارة القُرِّ، أمهلنا ينسلخ عنَّا البرد… فإذا كنتم من الحرِّ والقرِّ تفرُّون، فأنتم والله من السيف أفرُّ”! وهنا أصدر صلوات الله عليه حكمه الخالد وأرسل سهمه النافذ، يخترق الآفاق ويعبر الدهور، ويتم الحجة على الأجيال، وما زال نئيم رميته يدوي، ورنين قوسه ينادي: “يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربَّات الحجال، لوددت أني لم أرَكُم ولم أعرفكم، معرفة ـ والله ـ جرَّت ندماً وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً، وجرَّعتموني نُغب التهمام أنفاساً”.

    الكارثة أنَّ هذه السلبية القاتلة ما زالت تُجلَّل بالتعقل والوقار، وأربابها يظهرون حكماء استبقوا الحوادث وأحسنوا قراءتها، حين خلصوا إلى التروي والتأني، يدَّعون التنبُّه للاستدراج واليقظة عن الاحتيال، ويزعمون الوعي بالكمائن والدسائس! وهم بين حريص على دنياه، وموافق لأرباب الضلال! وعلى سبيل المثال الذي ضربه بعض الفضلاء، لولا العلَمان، التبريزي والوحيد، ثم الشيخ بهجت وآغا تقي القمي، لكانت مقولات فضل الله الضلالية سائدة في الوسط الشيعي، ولكنت رأيت‎ جمعاً من الصامتين اليوم، ناطقين ومجاهرين بأنَّ الرجل لم يقل كفراً ولا أتى بدعة ومنكراً، وأنَّ الذهاب إلى تفسيقه والحكم بضلاله، كان تسرُّعاً من الأعلام، وتوثباً حملتهم عليه الغضبة وغلبتهم الغفلة!

    يعمل هؤلاء على استقطاب بقية الطلبة والعلماء، وإخضاعهم لهيمنتهم وسلطتهم المعنوية، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير، فهناك كثرة منتظمة في سلكهم، ماضية في ركبهم!.. وباستثناء ثلة مباركة من الطلبة الأحرار المستقلين، فإنَّ البقية يعيشون حالة أشبه بالحزبية، يتحركون بانضباط، وينساقون بانقياد، وإن لم ينتسبوا لتنظيم يحكمهم، ولا قيادة تصدر أوامر أو تعليمات تديرهم! تكفيهم تلميحات خاطفة، وإشارات صامتة، يلتقطونها وهي تسبح في الفضاء، يحملها أثير يبث في دائرة مغلقة، ويتردَّد في نطاق خاص، يستمطرونها وإن كانت سحب صيف، يستنطقون إرشادات وتوجيهات تحملها، ثم يغالون في التزامها، حتى تجعلهم ملكيين أكثر من قيصر!

    إنَّ مجسَّات الخطر عند هذه الجماعة لا تعمل أو تنبض ولا تشير للتهديدات الحقيقية التي تتوجَّه إلى الدين، وصافرات الإنذار لا تدق، وأجراس التحذير لا تقرع عند الاختراقات التي تطال عقائد المؤمنين، ولا مع حرائق تشتعل في معالم وثوابت مذهب الحق المبين، كأن التحسُّس والانزعاج والامتعاض، ناهيك بالمواجهة والتصدي، وقفٌ على ما يمسُّ مصالحهم ويطال أشخاصهم، وحكر على ما ينال من هيمنتهم ونفوذهم، ويتهدَّد سيطرتهم وصبغة الحوزة بطابعهم! ترى الحالة العائلية والشخصية هي ما يحكم الأداء، والأعراف السائدة بينهم هي ما يحدِّد المواقف ويرسم المواضع. إنهم يتمتعون بقدرة خاصة وطاقة غريبة على امتصاص الصدمات واحتواء المعضلات! وهم أبرع الناس في المناورة، وأكثرهم كفاية في المراوغة والالتفاف، فكل ما يتحايلون به ويتذرعون ويعتذرون، يُنسب إلى الدين ومصلحة الإسلام والمسلمين!

    ولك أن تتأمل في نفوذ شيرازي جاهل يُدعى رشيد، وتوغله الذي بلغ تولي بيان الأحكام باسم الحوزة، قادماً من قلبها ومن قِبلها، يلحق به أخوه حميد، رجل الإطلاعات الإيرانية، لينظِّم حراك الحوزة وأنشطة العتبات في قضية غزة! وثالثهم الأشكوري رأس الجسر في انتقال المناهج والمشارب الإيرانية للحوزة، والثلاثي يشكِّلون بطانة المرجعية المرشحة بعد الحاضرة، فيا لله والمستقبل المرجو والآمال المعقودة! وهنا حقَّ الدعاء للمرجع الأعلى بطول العمر والابتهال إلى الباري تعالى أن يقيِّض للأُمة من بعده مَن يعي الخطر ويدرك أبعاد المؤامرة، فلا يكون من النيام ومن ميِّتي الأحياء!

    خذها ممن عاش القضية بتفاصيلها، وقرأ “الكتاب” حتى نهايته: لا ترجو من هذه الكتلة المنطوية على مصالحها موقفاً فيه صدام ومواجهة، إنهم لا يشعرون بقضيتنا ولا تعنيهم همومنا، لن ينصر هؤلاء الدين، ولن ينجدوا عقيدة للتشيع ولا فضيلة لأميرالمؤمنين، طالما خذلونا عند الوثبة، فرُّوا من الزحف وتخلَّفوا عن القتال، قبل أن يحمى الوطيس ويستعر النزال، عرفناهم في فتنة فضل الله متربِّصين، وفي عاصفة الحيدري على مقاعد المتفرِّجين.. أبناؤنا يُسرقون، ومجتمعاتنا في تيه، يعبث بها المتردية والنطيحة، يأخذون دينهم من اليعقوبي وأمير، وپناهيان وقصير، عشرات الملايين يقلِّدون مرجعيات زائفة باطلة، لو قارنت الموقف منها، بالانتفاضة التي صاحبت مرجعية سيد محمد الشيرازي في السبعينات، لعرفت حجم الكارثة التي تعيشها الطائفة اليوم. وهذه أمواج الضلال تعصف بنا، تقدم من لندن وطهران والبصرة ولبنان، بين بابية مقنَّعة، ووهابية مبطَّنة، و”العلماء” في صمت القبور! ولو سبرت موقف الحوزة في عهد الشيخ محمد حسن الجواهري والشيخ علي كاشف الغطاء والفاضل الدربندي وآغا رضا الهمداني وعشرات من علمائنا الأعلام، حماة المذهب وجنود صاحب الزمان، لما تردَّدت في لفظ من يدبِّر الأمر، وإدانة هذه الكتلة الميتة التي تقود المسيرة اليوم! والبلاء الأكبر، كما الشيطان الأكبر، أن يحسب أحدهم نفسه الخضر أو العبد الصالح! يريدنا أن نُمضي خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، نمتثل ونصمت، ونحن نرى كم هو مكبٌّ على دنياه، مطيع لهواه، مخالف لمولاه…

    لن يلبث الأطهار في سدوم، سيرحلون مع إمامهم، ولن يكونوا في قوم لوط.. ولا نامت أعين الجبناء.

  • طالما كنت أتحاشى المناقشات الارتجالية، وأحجم عن الدخول في المخاصمات والمحاججات وليدة الساعة، إيماناً بأن الآراء والمتبنيات إنما تقوم على بحوث علمية مستفيضة، والعقائد والأفكار تأتي من دراسات وافية وعميقة، أخذ حاملها فرصته من التأمُّل والتدبُّر، لم يُؤخذ بالصدمة والفجأة فغفل ونسي، ولا نزل به العي وطاله التبكيت، فارتُج عليه من اعتقال لسان أو عُجمة… لكن استثناءً وقع بالأمس، لما التقيت صديقاً مخلصاً، على درجة مشهودة من العلم والثقافة، ومرتبة متقدِّمة من الاطلاع والبصيرة، فدخلت معه في مساجلة وخضت مطارحة، من هنا كانت هذه المحاججة… كان المدخل موقفاً مؤلماً أو مزعجاً لهذا المؤمن الصالح، ظهر في استخفافه وعدم اكتراثه بما يجري في غزَّة! ما أثار الاعتراض وأذكى الاستنكار وأشعل الحوار. والمقالة تنقل ما طرح الرجل في احتجاجه، دون الردود على أقواله وآرائه، لشيوعها وغلبتها على الساحة، وعدم حاجتها لمزيد بسط ونشر، وغناها عن أي بيان وإيضاح، بخلاف رأيه الغريب، الذي نسبه إلى الاستضعاف والوقوع ضحية القمع والإرهاب!

    “إنني أتجنَّب سهام الدجل التي ترسلها القنوات الفضائية، تصرع بها خلق الله، أن تصيبني وتنال مني. وأحذر ما يزكم الأنوف من اللوث الذي تفشيه الآلة الإعلامية العربية والحزبية والإسلامية، فينزل بي. وأربأ أن أكون من الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق. تأبى نفسي اللحاق بقطيع الغنم، وأن تحطَّ ربيضةً محدِقة بالمورد، منثالة عليه من كلِّ جانب، حتى لتطأ الحق وتتلف مواقعه وتسحق بالحوافر معالمه، تثغو من حماسة وتعبُّ من ظمأ”!..

    “أ رأيت كيف يستنفر السفهاء منَّا ويمضون في تفنيد كلِّ جزئية من المقتل الحسيني؟ يلاحقون كلَّ مشهد عابر وقع يوم الطف، حذر أن يُبكي الشاعر والراثي الناس على صوَر «مخترعة»، ويعدِّدون رزايا «لم تثبت»، وبتعبير موجز يباهون به «يحاربون نسج الخرافات وخلق الأساطير»!؟.. لا أريد ـ بدوري ـ أن أُستغفل، أندب وأبكي، أتفجع وأجزع على مستشفى وأطفال، والمشهد الحقيقي، والرؤية في الحديقة الخلفية أو الطوابق السفلية، تحكي قواعد عسكرية، ومقرات قيادة، ومخازن ذخيرة! لا أُريد أن ألتاع على أخبار انقطاع مزعوم للماء والكهرباء وشبكة الاتصالات منذ اليوم الثالث للحرب، ما زالت فاعلة بنحو وآخر بعد شهر من الحرب والقتال”!

    “لا أريد أن أتساوى مع المستغفَل الساذج الذي يهتف مع المهرجين في تظاهرات ساحة الإرادة، وأنا أعلم خلفية التحالفات الإخوانية مع تيارات وشخصيات عادت إلى المقاعد النيابية بدفع ونصرة هذا التنظيم الماسوني، وأخرى حظيت بمناصب عليا في الدولة ووظائف إشرافية كبرى من دعمهم وتزكيتهم، فهم أركان الدولة العميقة، وبيدهم خيوط السلطة الخفية، يحرِّكونها فيقصون من يشاؤون، ويرفعون من يريدون! لا أريد أن أخلط عملاً صالحاً من التألم للمظلوم والدعاء له، بآخَر سيِّئ من مصالح وصفقات ولوث سياسي”.

    “لست معقَّداً من الفلسطينيين، وإن كانوا عملاء في المخابرات البعثية، وأدلَّاء للجيش الصدامي الذي غزا بلدي، وأنهم ـ في جُلهم ـ من النواصب الذين يبغضون أهل البيت وشيعتهم، يتشفون بقتلهم والتنكيل الذي يطالهم، ويشمتون بالمصائب والويلات التي تحلُّ بهم… ففي الفلسطينيين مَن كان معلِّماً لي من الابتدائية حتى الثانوية، وفيهم مَن عمل على تنمية بلدي وازدهارها، وقبل هذا وبعده، فيهم نجوم لامعة في سماء الاستبصار أمثال أحمد حسين يعقوب، وآخرين كأسعد وحيد القاسم، ومروان خليفات”…

    “كنت حاضراً في موكب حسيني يضم نخبة من العلماء، يخدمون زوار الأربعين بين النجف وكربلاء، حين دخل المضيف وفد من حركة حماس يصحبه مرافقون إيرانيون وحزبيون، استُقبل بحفاوة وترحاب، حتى إذا تحدَّث أحدهم، وكان منطيقاً مفوَّهاً، أسهب في التنظير لنقاط الاشتراك بين النهضة الحسينية وحركة المقاومة، ثم انعطف على العلماء وتقدم إليهم بطلب، أن يدرجوا خطاب فلسطين والأقصى والمقاومة في محاضراتهم وشعاراتهم وهتافاتهم، وجعلها من الشعائر الحسينية، وقال إن ظفرنا بعُشر هذا الزخم الجماهيري المنساب نحو كربلاء، الذي يناهز عشرين مليون نسمة، وجذبناهم للقضية، فهو فتح نوعي سيقلب موازين الصراع العربي الإسرائيلي!.. حتى إذا فرغوا وأخذوا طريقهم للانصراف، استوقفهم أحد الفضلاء، يبدو أنه مقرَّب من صاحب الموكب ومديره، وخاطبهم بلغة تجمع الإشفاق والرجاء إلى الحسم والمضاء: إنني أتعهد لكم أن أجعل القضية الفلسطينية محور محاضراتي وخطاباتي، من الآن حتى تحرير القدس، وأتعهد بالسعي لإقناع زملائي، بل حتى مراجعنا العظام، أن يستغلُّوا كل فرصة لطرح هذا الخطير… في المقابل أُريد منكم أمراً ميسوراً مبذولاً، تؤمنون به وتتبنونه، كما ظهر من حديث المتكلم الذي نوَّه بأنَّ نبينا وكتابنا وقبلتنا واحدة و90% من عباداتنا مشتركة ومتوافقة (وأنتم لا تعملون بالتقية، فتقولون ما لا تعتقدون خوفاً أو مداراة)! فسألوه بلهفة: ما هو طلبك؟ قال: لتُصدر حركة حماس بياناً رسمياً يعترف بأن الشيعة مسلمون! دمهم ومالهم وعرضهم حرام، وتذهب في حملة إعلامية وتثقيفية تسقط فكرة التكفير، واستباحة الدماء. لا أُريد أكثر من هذا! لتبقى الخلافات والعقائد على ما هي عليه، ليتمسك كلٌّ بالنهج الذي يعتقد أنه ينجيه يوم القيامة، أنتم مع الصحابة ونحن مع أهل البيت، نحن نزور عتباتنا المقدَّسة ونتوسَّل بأئمتنا ونبكي الحسين، وأنتم ترون ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار! لا بأس، كونوا على عقيدتكم بأننا من أهل النار، وأنكم الفرقة الناجية، ونحن كذلك، نبقى على عقيدتنا بأننا الناجون، وأنكم في النار… ولكننا، نحن وأنتم، نمضي في حياتنا الدنيا، إخواناً يكمِّل بعضنا بعضاً، نعيش قضايانا الخاصة منفردين، ونلتقي على القضية الكبرى المشتركة وهي تحرير فلسطين.

    عمَّ الفضاء صمت رهيب، وأعضاء الوفد يتلفت كلٌّ منهم نحو الآخر، ينتظرون مجيباً أو رادّاً، فلم يبادر ولم ينبس أحد منهم بشفة.. مضوا في طريقهم نحو المخرج، وكأنهم لم يسمعوا شيئاً، وإن سمعوه فلم يفقهوه، وراحوا يصافحون صاحبنا الذي شيعهم حتى الطريق، دون أن يزيد أحد منهم على عبارات السلام والوداع غير ابتسامة صفراء، غلب فيها الإحراجُ الخبثَ والكيد وإضمار الشر والدهاء”!

    إنَّ الذين أبلغوا ترامب وأحاطوه علماً بالضربة الصاروخية الانتقامية على اغتيال سليماني، وضمنوا له وتعهدوا أن لا يُقتل أمريكي واحد في عين الأسد، هم الذين كفُّوا أيدي الحزب ومنعوه من الانخراط في حرب غزة، ونعم ما فعلوا، فهذا ـ في نظري ـ عين الحكمة والصواب، وهو ما يكشف عن حقيقة الخطاب الثوري الذي يحمله هؤلاء، وأنه لا يعدو سلعة يتكسَّبون بها، وبضاعة استهلاكية يستأكلون بها، ويخدعون الصغار، يجمعون الأنصار ويكثرون تحت رايتهم الأخيار والأشرار. وإلا في الحقيقة، فإن بين القوم والثورية، ما بين الأرض والسماء.

    إن قادة حماس والقاعدة والنصرة وداعش وسائر التظيمات الإسلامية، السياسية منها والجهادية، يعرفون أنهم مشاريع استعمارية، وأنهم مجرَّد وسيلة لتحقيق أهداف أسيادهم الإقليمية والمناطقية، ورقة ضغط على هذا النظام، وأداة مناورة على ذاك، وعنصر منافسة وإرباك… ولكنهم لا يأبون ذلك ولا يمانعون منه، بل يرحبون فيه ويهللون له، ما دام يحقق لهم هدفاً واحداً هو إفراغ حقدهم الطائفي! وما زال الانتحاريون، يتمنطقون بالأحزمة الناسفة ويفجرون أنفسهم في مساجد الشيعة وأسواق الهزارة وحافلات مدارس الأطفال في أفغانستان، وحرب غزة مستعرة، تحمَّل الشيعة في إيران كلفتها، بميزانيتها الضخمة، وتسليحها الذي لم يدَّخر دون حماس سرّاً تصنيعياً يحفظ للجمهورية تفوقها، والأهم من هذا وذاك، أنها ما زالت تتحمَّل التبعات وتدفع الثمن حصاراً مهلكاً وحروباً مدمرة، المخرج منها مبذول منذ أربعين عاماً: التخلي عن القضية الفلسطينية، فلا تفعل!.. والقوم يلاقونها بهذا الجزاء”!

    عاد صاحبي ليقول: “هل تعلم إلى أين نحن ذاهبون إذا انتصرت حماس؟ هل نسيت طالبان في أفغانستان؟ هل نسيت داعش في العراق؟ هل نسيت النصرة في الشام؟ هل نسيت حزَّ الرؤوس والتمثيل بالجنائز وانتزاع القلوب من الصدور والتهامها، لا كآكلي لحم البشر في أفريقيا، بل كالوحوش والضباع الضارية… هذا ما ينتظر بلاد المسلمين إذا انتصرت حماس، لذا لن يغلبني الحماس! ولكن هذا لا يعني أن أفرِّط بإنسانيتي، وأبدِّد وأضيِّع مشاعري… ما زلت مرهفاً، أبكي الظلامات والفجائع، كما كنت أبكي على هانوي تحت القصف، والضحايا بوذيون أو ملاحدة، وأبكي على أبرياء غافلين في هيروشيما وناكازاكي، وأبكي على كونتا كنتي والعبودية في رواية  أليكس هيلي… ولكني لن أنسى اللطيفية وسبايكر، والزرقاء، قاتل الله الزرقاء، تبتهج بتفجير الحلة الذي وقع بشاحنة مفخخة يقودها انتحاري استهدف مدنيين عزَّل تجمعوا قرب مركز طبي للحصول على شهادات لمواليدهم، أدَّى إلى مقتل 127 ضحية جميعهم من الشيعة!.. والطغام يتوافدون على دار الانتحاري في الزرقاء (الأردن)، ووالده يأبى استقبالهم إلا بعنوان المباركين له بهلاك نغله، فهذا الشيطان عنده شهيد لأنه قتل الرافضة، فعمَّت البلدة الأفراح وكأنه عرس جماعي لم يخل بيت إلا ودخله السرور!

    أعرف جيداً مداليل قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى” و”لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.. ولكني أعرف أيضاً وأفهم قوله تعالى “الذين جعلوا القرآن عضين”، اقتطعوا من الدين ما يناسبهم، ويخدم مشروعهم السياسي. أخي العزيز، هناك منظومة ضلال كبرى تقود الساحة الدينية، لن أنخرط فيها، لإثارات عاطفية، وإن كانت محقة. لن أُغرر بالعوام باصطفاف يضفي المشروعية على شياطين يهتكون الدين، يستبيحون كُنهه ويزرون بجوهره، منخدعاً فرحاً بأنهم اقاموا الصلاة هنا، أو لعبوا الجهاد هناك، إنني أنظر الراية وألحقها، والرايات في زماننا، رايات عهر في مضارب الفجور، أو ضلال تُرغم الموالي المقهور!

    في الحديث الشريف عن عمر بن حنظلة، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: “إن آية في القرآن تشككني. قال: وما هي؟ قلت: قول الله إنما يتقبَّل الله من المتقين. قال: وأي شيء شككت فيها؟ قلت: من صلَّى وصام وعبد الله قُبل منه؟ قال: إنما يتقبَّل الله من المتقين العارفين. ثم قال: أنت أزهد في الدنيا أم الضحاك بن قيس؟ قلت: لا بل الضحاك بن قيس، قال: فإنَّ ذلك لا يُتقبل منه شيء مما ذكرت”.

    الحقيقة المغفول عنها، والحق الذي تسعى الأحزاب لطمسه، ينطوي في جواب السؤال المطروح اليوم: هل حماس في طوفان غزة أكثر جهاداً وتضحية وفداء و”تقوى”، من المؤمن النائم على فراشه في داره؟.. الحق أنَّ كل مَن لم يعرف إمام زمانه، داخل تحت “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا”… لأنفاس مستلقٍ، تتردَّد في صدره المنشرح بولاء آل محمد، تنعش قلبه العامر بحبهم، خير من جهاد تتقطع فيه الأوصال، وتدمَّر البيوت، وتُهجر الأوطان… يا ليت قومي يعلمون.

  • لا عِرق غضب يضرب فيهم ولا شريان غَيْرة يهيج، لا أنفة يثيرها امتعاض ولا رجولة تستفزها نخوة، وجوه جامدة بل متجمدة، خمد فيها التأثر والانفعال، وغاب عنها الشعور ومات الإحساس، ونفوس كسولة، تافهة ملولة، انماثت فيها المروءة وهمدت الحميَّة، وزال السخط واندثرت الكرامة، فلا تهبُّ فيهم هذه لتُنهِضهم، ولا تنزل بهم تلك لتنقذهم!.. على هامش الحياة يمضون وإن بدوا واجهات، ولعلَّ بعضهم يلمع كنجوم. ومع أن الدنيا لم تقبل عليهم إلا بفتات، ولا نالوا منها ما بلغ أربابها من سلطة ومال وشهرة، إلا أنهم باعوا آخرتهم بهذا الضئيل، ورضوا أن يكونوا مع الخوالف لهذا البخس اليسير. علماء دين ومثقفون وناشطون متدينون، يفترض أنَّ الشأن الديني هو محور حراكهم ومرتكز نهضتهم ونشاطهم، كما يفترض فيهم الوعي والتنبه لما غفل عنه غيرهم من العوام، وإدراك ما خفي على سائر المؤمنين النيام… لكنهم يتجنَّبون، وهم الطليعة القائدة والكوكبة الرائدة، أيَّ فعل وموقف ينوِّه بهويتهم الطائفية، وأدنى قيام ودفاع عن شخصيتهم المذهبية، كأن الانخراط في قضايا المذهب والدفاع عن شؤون البيت الشيعي، أمر معيب، أو يتعارض مع رسالتهم وانشغالهم في القضايا الإسلامية العامة أو الوطنية الخاصة!؟

    إنَّ مقدَّسات المذهب تُهتك، وحمى معالمه تُنتهك، وأبناؤه، ولا سيما الشباب، في اضطراب وضياع، بلغ في بعض الموارد التيه والشتات، والقوم في سكون وسبات! عبث وفوضى تضرب أطنابها في الشعائر الحسينية والحوزة العلمية والمرجعية الدينية والعتبات المقدسة… أداء سحق الأصالة وأودى بكُنه الشعائر وجوهر رسالتها، انحدار وفشل ذريع في مخرجات المناهج المحدَّثة للحوزة، صعاليك يدَّعون الاجتهاد والفقاهة، وأحزاب مريبة اخترقت إدارة العتبات، وتبنَّت آراءً منحرفة ومواقف مخزية، وسقطت في الفساد والخيانة، ما ذهب بحرمة الموقع وحصانة الدور، وألحقته بالإتجار والعبث بعد القداسة والخفر!

    والمعنيون بالتصدِّي، المخاطَبون به من علماء ومثقفين وحركيين، يتجاهلون كل ما يجري ويهملون كل ما يقع، ويمضون في صمت وإغضاء وإطراق، كأن الأمر لا يعنيهم، ولا القضية تمسُّهم! وفي أحسن الأحوال، تراهم في ترقُّب، ينتظرون مَن يكفيهم المؤونة، ويقلب الوجوب من العيني إلى الكفائي، وكأن حمى الدين وأُصول المذهب ميتٌ على أحدٍ أن يقوم بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه! وخذ هنا في الفذلكات التبريرية، والديباجات المعذِّرة، ما يسطر مطولات، ويصرف طاقات ويهدر المزيد، ويشغل أكثر مما يطلب العدو ويريد! وأدناها ما يتناولونه من قريب: “الباطل يموت بتركه”!

    هناك مَن ينزع، في فهم الرجال ومواقفهم، إلى التحليل النفسي، وقراءة الطباع والسجايا، ويصرُّ على تتبع عوامل الوراثة ودورها في البناء الروحي والأداء الأخلاقي للفرد، مع هامش لا ينكر من دور وتأثير للالتزام الشرعي، وتمسُّك الملتزم بالأحكام والآداب… فيخلص إلى أنَّ هناك ضعة وخسة ودناءة، لا تسعف بعضهم للنهوض بأدوار شريفة جليلة، فيها نُبل الدفاع عن الحق، ومجد نصرة الدين، وما يأخذ بهم إلى مصاف العظماء والمصلحين.كما أنَّ هناك جبن وخرع، أو قُل وداعة ورخاوة، وسكون ولين، لا يتيح النهضة والقيام وما تتطلبه من خشونة وشدَّة، وقسوة وحدَّة.

    ويقابل هذا الرأي، آخرون يُرجعون أمر هذه السلبية إلى ضعف العقيدة وهزال الالتزام الديني، وأنَّ مَن يُشار إليه بالتصدي لأدوار القيادة والريادة ليس في واقعه أهل لذلك، ولا استوفى الشروط، إنما هي ظروف قادت وصروف أفضت، فشدَّ الناس السروج على الحمير والبغال، وتوَّجوا بالعمائم رؤوساً كان الحق أن يعلوها النعال! وببساطة ووضوح، الرجال هنا طلاب مال وشهرة، وأتباع جاه وسلطة.

    وهناك طائفة ثالثة تذهب إلى أن هؤلاء، لا يختلفون، يعانون ـ كما أولئك ـ من الفساد العقائدي والانحراف! فمن يُشار إليهم كعلماء ومثقفين أعلام، يرجى منهم القيام، وتُعلَّق عليهم الآمال في مواجهة الظواهر السلبية والتصدِّي للضلالات التي تهدد المذهب والهوية.. يعانون في حقيقتهم من الضعف والاهتزاز، والخواء وانتفاء الارتكاز، ولربما كان بعضهم ـ فيما يخفي ـ أكثر ضلالاً من أُولئك المفتَضحين أصحاب الرايات، غاية الأمر أنه بقي متوارياً،لم يظهر عقيدته ويكشف سريرته!

    ومن هذه العوامل وتلك، يمكنك أن تقرأ علامات الانتكاس والتراجع في بعض الفضلاء ممن كان له شرف المساهمة في نصرة الزهراء ومواجهة الضلال في بدايات فتنة فضل الله، الأمر الذي خلع عليه بُردة الشرف بل تاج الكرامة، وما لحق من شهرة وقبول ومحبة في قلوب المؤمنين… تراه اليوم يتنكَّر لفضل هذا الموقف وذاك الاصطفاف، ويعمد ليخوض الميدان بمقوِّماته الشخصية، يحسب أحدهم أنَّ فضله، وآخر أن بيته وانتسابه، يكفيه ويغنيه، وكفيل بأخذه إلى ما يحقِّق طموحه. غافلاً أنَّ المرجعية لن تكون في مَن زار فضل الله يوماً، أو برَّر لفعله والتمس له الأعذار، وترحَّم عليه وشارك في تأبينه، ولا في مَن انتسب إلى الأحزاب وانخرط في تيار الضلال تحت أي عنوان، ومن أي باب. وكأن هذا من إرادة المقادير وخفي التدبير، ولو تفكَّر المرء في غياب بعض الشخصيات وظهور أُخرى على الساحة، وأُفول بعض النجوم وصعود آخرين، لوقف على جانب من هذه الحقيقة، وعرف شؤم جامعة المصطفى والأحزاب والتيارات السياسية التي تحتضن هذا، ويدفع إعلامها ذاك، ترفع جيوشها الإلكترونية مَن دخل حزبها وتسوِّق لمن التحق بركبها!

    لا تريد الساحة الإيمانية موقفاً ثورياً يشهر السلاح ويردع المنحرفين والمتآمرين على الدين، يواجههم بالعنف والقوة، بل تريد شيئاً من الغيرة والحمية التي تخرج واقعنا من السلبية. كان الثوريون في العهد السابق يغارون على عقائدهم وينهضون للدفاع عنها، وكنت تلحظ في بعض الأحيان أن الغيرة عليها أكثر منها على شعاراتهم السياسية، يقفون ضد النيل من الشعائر الحسينية، يوجهون البلاد بأسرها صوب الالتزام بأصالتها والإبقاء عليها تقليدية (سُنتيَّة)، ويتموضعون ضد المسِّ بمناهج الحوزة ويصرُّون على استمرار منهج الجواهري والشيخ الأنصاري، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها على كلمة عابرة أصابت من بعيد مكانة الزهراء عليها السلام، دعت للبحث عن امرأة أُخرى معاصرة تصلح أن تكون قدوة لنساء زماننا. وهكذا كان الغيارى من غير الثوريين، لا يباتون على ضيم مسَّ المذهب، وظلامة طالت سيدة نساء العالمين، جحدت كسر ضلعها وأنكرت إسقاط جنينها، زلزلوا الأرض تحت أقدام فضل الله وأنصاره، حتى انكفأوا وتقزَّموا، وسُحقت مرجعية مزيفة ضالة، كانت مُعدَّة لقيادة انحراف يسلخ عن المذهب هويته، ويمسخ عنه حقيقته… أما اليوم، وقد رجع الثوريون إلى علي شريعتي، والتحقوا بالإخوان المسلمين، ما عادوا يبكون إلا على الأقصى وفلسطين! وأما غير الثوريين، فقد أصبح كل منحرف لا ينافسهم على دنياهم، مكرَّماً مبجلاً، وغدت مادة الضلال التي أسقطت فضلة الشيطان، بضاعة “علمية” ومادة “حوارية”، ينهض “تيار التصحيح” بترويجها وتسويقها، فيحتضنه الدنيويون ويوقِّره الوصوليون!

    في الحديث الشريف: “إنَّ الله جلَّ وعلا بعث ملكين إلى مدينة ليقلباها على أهلها، فلما انتهيا إليها وجدا رجلاً يدعو الله ويتضرع إليه، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الرجل الداعي؟ فقال له: رأيته ولكن أمضي لما أمرني به ربي. فقال الآخر: ولكني لا أُحدث شيئاً حتى أرجع. فعاد إلى ربه فقال: يا رب إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعو ويتضرع إليك. فقال عزَّ وجل: امض لما أمرتك، فإنَّ ذلك رجل لم يتغير وجهه غضباً لي قط”. وفي حديث آخر عن الباقر عليه السلام: قال علي عليه السلام: أوحى الله تعالى جلَّت قدرته إلى شعيا إني مهلك من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم. فقال عليه السلام: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي”.

    وقد أورد السيد المرتضى في عيون المعجزات أنه: “لما قبض الرضا كان سن الجواد نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار، واجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبدالرحمن بن حجاج، ويونس بن عبدالرحمن، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبدالرحمن بن الحجاج في بركة زلول، يبكون ويتوجعون من المصيبة. فقال لهم يونس بن عبدالرحمن: دعوا البكاء! من لهذا الأمر، وإلى مَن نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام؟! فقام إليه الريان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له: أنت تُظهر الإيمان لنا، وتُبطن الشك والشرك؟ إن كان أمره من الله، فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمَّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكَّر فيه. فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه”.

    إن أمثال هؤلاء الأفذاذ هم الذين حفظوا المذهب ونقلوا التراث وأوصلوه لنا، ومثل هذه المواقف البطولية التي تتفجَّر غيرة وحميَّة، يسبقها علم ومعرفة وورع، هي التي أبقت المذهب في مساره ومكَّنته من الصمود ومقاومة أكبر المؤامرات تعقيداً وأعتى الهجمات ضراوة وأشد المصائب والمحن ألماً… ومما ينبغي للمتأمل الوقوف عنده في هذه الواقعة، أنَّ المحفل كان يضم نخبة الشيعة وأعلامهم، أعظم فقهائهم في ذلك العصر، ومع ذلك لم يصبر الريان بن الصلت ولم يسمح بغرس أو إثارة شُبهة، بدت عابرة، (أغلب الظن أن طرحها كان مقصوداً إن لم يكن بأمر خفي مُسبق من الإمام، فليس مثل يونس بن عبدالرحمن مَن يقع في هذا). ومع أنَّ النطاق كان خاصاً محفوفاً، ضيقاً محدوداً، ولا خطر على من سمع كلام يونس، ولا سعة لبناء شبهة أو ضلالة تترتب عليه، لكن العالم الرباني لم يصبر أن يأخذ بخناق أخيه، بل أن يوسعه لطماً!

    لعمري، كيف بالريان لو كان في عصرنا، يشهد هذا الإفراط في التشكيكات وإلقاء الشبهات، ورأى البطَن أو السلس في التضعيفات والتحريفات، تلقى على الملأ وفي العلن، عبر الفضائيات والإذاعات، ووسائل التواصل والمدوَّنات، والكتب والمطبوعات، ما لا يوفر من الشيعة شاباً أو فتاة، رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً… إنَّ الساحة الإيمانية تتطلَّع إلى موقف ورجل أو جمع على شاكلة الريان بن صلت رضوان الله عليه، لا يكتفي بوضع يده في خناق الطاغوت الذي يرعى تيار الضلال اليوم، ويلطمه على وجهه فحسب، بل يكمل نهضته ويُتم فضله، فيحمل فأساً إبراهيمية يهوي بها على أعوان الشيطان وزبانية السلطان، حتى يجلي عن المذهب كلَّ زيف ألحقه، ويزيح الريب عن المعارف التي طمسها وشوَّهها، ويعيد للشيعة رشدهم الذي فقدوه في عهده وعلى يديه.. سيقيِّض الله لدينه ويبعث من خاصة أوليائه مَن ينهض بهذا الدور ويحظى بهذا الشرف، وتأبى المروءة أن تفارق أهلها، وخلق الله للحروب رجالاً، ورجالاً لقصعة وثريد.

  • أُولى مهام المصلحين، وأخطر تكاليف الرساليين، من علماء ومثقفين، حركيين ومجاهدين، كتَّاب وإعلاميين، يتصدَّون للإرشاد والقيادة، ويتولون الريادة والهداية، ولا سيما علماء الدين، الذين يتسنَّمون دور الأنبياء والأولياء، ويدَّعون ـ بنحو وآخر، ومرتبة وأُخرى ـ نيابة الرسل والأوصياء: استنقاذ عباد الله من الجهالة وإخراجهم من حيرة الضلالة، بكشف الزيف والتحريف، ونفي الشك والريب، تثبيت الإيمان والربط على القلوب باليقين، ومحاربة وساوس الشياطين. ولا يقتصر الأمر أو يقف عند بيان العقائد والكلام، والشريعة والأحكام، فيعرف الناس الصحيح من الفاسد والحلال من الحرام فحسب، بل يطال معالجة الموضوعات وملاحقة التطبيقات بما يكشف غموض الحوادث الواقعة ويزيح لبس الشبهات العارضة، ويحول دون عثرات وسقطات تأخذ المرء إلى خطر عظيم يأتيه من اصطفاف خاطئ وتخندق باطل، ينتهي إلى خلل في الحب والولاء والبغض والبراء، فلو انطوى قلبٌ على مثقال حبة خردل من حبِّ مَن أوجب الله بغضه، لهلك، وكان حقاً على الله أن يكبَّه في نار جهنم!

    من مواطن الأسى ودواعي الأسف أنَّ جملة من علماء الدين والمثقفين الناشطين في الإعلام والتواصل، يهملون هذا الدور ويفرِّطون بهذا الواجب، لا يحملونه هماً ولا يعيشونه معاناة، ينشغلون بمصالحهم الحزبية والفئوية، ويلهون بسلامتهم الشخصية، ينصرفون إلى جذب المنافع والفوائد ودرء المضار والأسواء، وما ينجيهم من النبذ والتسقيط! هذا يراعي مكانته الاجتماعية، وذاك موارده المالية، وثالث علاقاته وارتباطاته، يحسبون لشأنهم وسمعتهم وانطباع الناس وما يقال فيهم وعنهم، أكثر مما يحسبون لقبرهم وآخرتهم، يحوطون التكليف الشرعي الذي يتوجه إليهم ويديرونه ما درَّت معايشهم، حتى إذا غلب البلاء واستحكم الشقاء، عابوا زمانهم وشكوا عصرهم! فإن حاججتهم، اختلقوا من الذرائع والأعذار، وقدَّموا من المسوِّغات والمبرِّرات، ما يمعن في الجريمة ويغرق في الغبن والتغرير.

    ترى أحدهم يخالط منحرفين ويراود ضالين، طالما أنكر آراءهم ونزَّه نفسه عن أباطيلهم، ولربما لعنهم وتبرأ منهم! وإذا به يحضر مجالسهم ويكثِّر سوادهم، وهو يعلم أنهم من أتباع الشياطين وعمال الأحزاب والسلاطين! يعرف خطورة تيار الحداثة والتطوير، فضل الله والحيدري وحب الله، جامعة المصطفى وحزب الدعوة وأعداء الحديث والتراث، وفساد عقائدهم، ثم يشارك حمَلة أفكارهم ومروِّجي بدَعهم والدُّعاة إليهم، الأفراح والأتراح، يرتاد دُورهم وأنديتهم، وينخرط في أنشطتهم، ما كأنه “يعين في هدم الإسلام”! يتحرَّج من علاقته ببعض صقور الولاء، ويتنكَّر لشِدَّة تنمره في ذات الله وحدَّته على أعداء الأصالة، وهو لا يحتشم من زيارة المراجع المزيفين ولا يخجل من تواصله بالضُلَّال المبتدعين والماسون المتنوِّرين! كأنه صُمَّ عن حديث رسول الله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهِروا البراءة منهم، وأكثروا من سبِّهم، والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم”. وعُمي عن تحذير أميرالمؤمنين: “مَن مشى إلى صاحب بدعة فوقَّره، فقد مشى في هدم الإسلام”. ولم يبلغه ما روي عن الصادق: “نزلت هذه الآية «قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، وقد علم أنهم قالوا: والله ما قتلنا ولا شهدنا. قال: وإنما قيل لهم ابرأوا من قتلهم فأبوا”! ولا قوله في حديث آخر: “لعن الله القدرية، لعن الله الحرورية، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة. قلت: كيف لعنت هؤلاء مرة ولعنت هؤلاء مرتين؟ فقال: إنَّ هؤلاء زعموا أنَّ الذين قتلونا كانوا مؤمنين، فثيابهم ملطخة بدمائنا إلى يوم القيامة. أما تسمع لقول الله «الذين قالوا إن الله عهد إلينا ـ إلى قوله ـ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، قال: وكان بين الذين خوطبوا بهذا القول والقاتلين خمسمائة عام، فسماهم الله قاتلين برضاهم بما صنع أولئك”.

    إنَّ حدود التقية، حتى المداراتية، واضحة جلية، لا تخفى على العوام فكيف بالعلماء، فلا محل لها من التكسُّب والنفاق الذي يمارسه ويعتذر به بعضهم… تُرى ما هو الانطباع الذي سيتلقاه المؤمن البسيط وهو يرى المعممين والمجاهدين والمثقفين يتزاحمون على تشييع جنازة فضل الله ويتسابقون على تأبينه؟ أين سيأخذ ظهور العلماء في قناته الفضائية العوام، حين يقارنون هذا الأداء بموقف الحوزة وفتوى العلمين التبريزي والخراساني؟ ماذا سيُنتزع من ارتيادهم مطاعمه ونزولهم في فنادقه؟ ألا يقع نهي الإمام الكاظم صفوان الجمَّال إكراء جِماله هارون العباسي، في جهة صدوره ومورد زجره وتقبيحه، أو وعظه وتحذيره، ما نراه من ممارسة بعض العلماء والمثقفين في تعاطيهم مع الضالين المضلين، ومصاحبتهم المنحرفين، وانخراطهم في مشاريعهم؟! وفي الحديث عن الصادق عليه السلام: “لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم”. قد يسوق هؤلاء ما يشاءون من ذرائع وأعذار تبرِّر فعلتهم، ولكن هذا لن ينجيهم من ممارسة التغرير والتدليس، وإدانتهم بالإغواء والخداع. فهذا الختل والغش يحمل العامي الساذج على الظن بأنَّ الصفقة رابحة لمصلحة الدين ورائجة في نفع المؤمنين، ما يزيل قبحها في نظره، ويوقعه في غلط يحمله على مماشاة هذا السلوك وممارسته!

    إنَّ دور العالم الرباني ومهمته هي إضاءة أنوار الخطر، وقرع ناقوس الحذر، ودق صفارات الإنذار، لتنبيه العوام الماضين في الاتجاه الخاطئ، وقف انحرافهم وإفراطهم وغلوهم، والمبالغة في الانجرار والانحدار… من شأن الشياطين أو السحرة أن يلقوا حبالهم، ليسحروا أعين الناس ويسترهبوهم مما جاؤوا به من سحر عظيم، ولكن هناك دائماً ولي إلهي يُلقي عصاه لتلقف ما يأفكون، هكذا يبصِّر العالم الرباني قومه ويردعهم عن الاغترار والانخداع، ويكشف الرائد النزيه والمرشد الحكيم زيف العجول التي تخور، وأنها مجرد أصنام سكنتها قوى تحسبونها خارقة، وطاقات تبهركم بإنجازاتها، ما هي في حقيقتها إلا نفث أبالسة وكيد شياطين…

    الويل لأُمة يتخلى فيها “العالم” عن دوره الإلهي، والمثقف المتعلِّم عن موقعه الطليعي، يركب الموجة ويلحق بالعوام، ويغدو عامل تغرير وعنصر خَتْل وتدليس! هناك موجات شحن اجتماعي عام تنزل بالأُمم، تنتاب الناس حمَّى كرة القدم، على سبيل المثال، لمشاركة فريقهم أو فوزه، فتجد عالم الدين، أو المعمم، يرقص على وتر العامة ويجاري العقل الجمعي المنفعل بالهراء والمنشغل باللهو (وقد يبلغ الأمر بمتمرجع أن يصدر بياناً في منتصف الليل يواكب فيه احتفال الجماهير ورقصهم في الطرقات)!

    هذا ما يغشى الساحة الآن من حمَّى غزَّة… يلحق الناس الركب، لا يسألون عن الراية وحاملها، أين هو من الرضا من آل محمد، ماذا لو ظفر وانتصر؟! تغرير خطير يمارسه معممون ومثقفون وكتاب وإعلاميون وساسة مرتزقون، وسدنة عتبات مقدسة! كلهم شركاء في إذكاء حمَّى خلطت في إدراج ما هو من السياسة والمداراة، في الدين والعقيدة، وتجاهل حقيقة من الوضوح ما يجعلها بديهة من ألف باء السياسة!

    إنَّ القضية الفلسطينية واحدة من أكبر القضايا حجماً في العالم بأسره وأكثرها تعقيداً، تاريخ يرتبط بالتأسيس الثاني للحركة الماسونية، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، ونتائج الحرب العالمية، واضطهاد اليهود ودورهم في إسقاط النازية، ووعد بلفور، وعصابات صهيونية وخطط جهنمية لشراء الأراضي، صعود أنظمة وأحزاب حاكمة، وقيام دول على حساب قبولها واعترافها السري بـ “إسرائيل”، شبكة ضخمة ومعقدة من المصالح المترابطة والمتداخلة، تجعلك في موقع العداء مع جميع الأطراف الإقليمية والعالمية! هل من الحكمة الانخراط في هذه الحرب؟! لا إذاعة أو فضائية عربية تنتصر لغزَّة إلا وهي تذكر الكيان الصهيوني باسم وعنوان “إسرائيل”، معترفة بدولته! ألا يكفي هذا للتدليل على حجم اللعبة التي تعبث بالشعوب؟ لا صوت في الإعلام المعادي والموالي يطرح الحقيقة القُراح، وقد انقلب الساكتون إلى مهرجين ومغررين، يمعنون في الزيف ويغرقون في الإضلال، وسوق الشعوب كقطعان الماشية تحدوها الكلاب، تدعي حراستها من الذئاب! من السذاجة بمكان، تجاهل هذا كله والتعاطي السطحي وليد اللحظة، والانطلاق من الانفعال والحماسة، والتغرير الذي يأخذ المؤمنين إلى مواضع ومواقف تتجاهل قرناً من الزمان وجبالاً من العوامل المتراكمة!

    من نافلة القول أن لا أحد يشكك في ظلامة الشعب الفلسطيني، ولا متشرع يقف على الحياد في هذا الصراع، فلا ينصر المظلوم ولا يتألم للأبرياء وما ينزل بهم من ويلات… ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتحرك بوعي وبصيرة، ولا نسمح أن نخدع عن ديننا ونعرض عن أولوياتنا، ونذهب حرضاً في مغامرات الأحزاب وصفقات الدول ومحاسبات أروقة السياسة. إنَّ من أشد التغرير تصوير القضية الفلسطينية بالشكل الذي يجري اليوم! فلا غزة هي كربلاء، ولا طوفان الأقصى عاشوراء، ولا أحمد هنية هو حسين جولته، ولا مشعل عباس صولته، ولا مجاهدي القسام كحبيب وزهير، ولا أطفال غزة كعبدالله الرضيع ورقية! كل ما يجري هو فيلم سينمائي تخرجه دول عظمى وكبرى، وهذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا التغرير الذي يمارسه العلماء والمثقفون وهم يوظفون مقدساتنا ومفردات عقيدتنا، ويستهلكونها وقوداً يدير آلة العرض، حتى يبقى الناس على مقاعد المشاهدين، تلسعهم هذه الدراما المؤلمة، وتحشدهم سواداً في جبهة الشياطين!

    الذين يحتجون ويتمسكون ببيان المرجعية وموقفها من غزة، هل سألوا عن رأي المرجع الأعلى وموقفه من الاعتداء على القواعد الأمريكية في بلادنا، ولا سيما العراق؟ إنهم يعلمون جيداً أنَّ المرجعية ترفض ذلك، وتحرِّم الإخلال بالعقود والمعاهدات التي تربط دولنا بالدول العظمى، وتحصر سبل إنهاء الوجود الأجنبي بالطرق الدبلوماسية والوسائل السلمية… إنهم يعرفون ذلك جيداً، ولكن هذه المعرفة تصطدم بحقيقة يخفونها، هي “رجعية” هذه المرجعية، وعدم مواكبتها للحركة الإسلامية التي تتسنَّم دور المهدي، تريد أن تطهِّر الأرض من الظلم والجور! وإن كان الثمن الإزراء بعقائدنا وسحق مقدساتنا، فتُقرن أرض ما زال يُهتف فيها لمثل صدام، ويجري في ربوعها الترحم عليه، ببقعة عرشية، السجدة على تربتها تخرق الحجب السبعة! وقد “اتّخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتَّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيَّرها رُفعت كما هي بتربتها نورانيَّة صافية، فجعلت في أفضل روضة من رياض الجنَّة”…

    من هذه البؤرة المظلمة تنساق عمائم وينخرط مثقفون في هذا المشروع، ويلحقون إعلاماً شيطانياً ما زال يعبث بأفكار شبابنا ويسفِّه عقول أبنائنا!

  • قد يطيب لأحدهم طبَق لفائف ورق العريش مع شرائح اللحم ووصلات الضلوع الناضجة على أبخرة المحاشي، أو حزمة من سفافيد الشواء تقلَّب في موقد ليستوي ما شُكَّ فيها على نار هادئة، ويستحسن آخر الخوخ والرمان والتين، أو أكباش التوت ومثاني الكرز وعناقيد العنب، فيتغنى بهذه ويلتقط لتلك الصوَر وينشد فيها الأشعار… ولكنه في النهاية، ومنذ البداية، كان يريد أكلها وما زال ينوي التهامها!

    تُرى، ألا تعرف المرأة إلامَ ينظر الرجل فيها؟ وماذا يريد ويرجو منها؟ هل تثق امرأة بالغة ناضجة وتفرض النزاهة والبراءة والعفوية في رجل أجنبي؟ ولا سيما الذي يدنو منها ويتقرَّب إليها، يدَّعي التحنُّن على ضعفها، أو الإعجاب بمهارتها، أو الاستفادة من علومها والتزوُّد من معارفها؟ هل تصدِّق فتاة وينطلي على امرأة أن رجلاً يهش لها ويبش، يلقاها طلقاً متهللاً، يتودَّد إليها ويتحبب، ويرفق بها ويحنو عليها، قربة إلى الله تعالى؟ أو شغفاً بالعلم الذي تحمل والمعرفة التي تتمتع بها؟ هل ينطلي على امرأة أن الجمع المنتظم على مقاعد المتفرجين في قاعة المسرح الذي انتصبت على خشبته، أو آلاف المتابعين الذين يلاحقون أفلام الفيديو التي تبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، يبحثون عن الترفيه البريء، أو الحلول التي تطرحها لمشاكلهم الاجتماعية وأزماتهم الروحية والأخلاقية؟ وأنهم ينتظرون كلماتها وتنظيراتها ونفيس معلوماتها على هذا الصعيد وذاك؟!

    وليس الأمر وليد حرمان وشبق، ولا إفراز بيئة مغلقة ومجتمعات معقدة، كما تحاول بعضهن التبرير، والتذاكي للالتفاف على هذه الحقيقة… بل هو ما يجول في ذهن كل رجل، من مصمم الأزياء الفرنسي الذي  يعيش أعلى درجات الإباحية، يمرح ويرتع، ويزدرد من الجنس ما شاء ويبلع، فتراه يصمم من الثياب ما يثير، يعرف أين يستر وأين يحسر، ويجيد التركيز على ما يأخذ بمجامع قلوب الرجل ويسيل لعابه. إلى البدوي في الصحراء والقروي في الحقل وكل بيئة قاحلة من الجنس مغلقة، تحمل على وطء الدواب وإتيان البهائم! كل الرجال يفكرون في المرأة غرضاً ووسيلة لإشباع الرغبة وإطفاء الشهوة.

    في الغور العميق لكل امرأة، والسرِّ المكنون لكل فتاة، أنَّ الرجل حين ينظر إليها، بلمحة خاطفة، أو يرمقها ويحدق فيها، إنما يسعى جهده ويحفز طاقته ويشحذ خبرته، ويوظف حصيلة تجاربه، ليستشف ثيابها وينفذ إلى ما تحتها مما تستر! الهدف الأول لكل رجل ينظر إلى امرأة أجنبية هو أن يعرِّيها، فيعرف جمال قامتها وتفاصيل محاسنها، مدى انتصاب وتكوُّر أثدائها، وامتلاء سيقانها، والتفاف أفخاذها، واكتناز أردافها! وقد يبدأ من بياض نحرها ونعومة كفِّها، وكل ثغرة (جزء غير مستور) يبني خياله عليها رأس جسر يأخذه إلى بقية الأجزاء والأعضاء المتوارية في حجاب. ويبلغ المرض في بعضهم الذهاب إلى تصوُّر ما ترتدي من ملابس داخلية، تخيُّل أنواعها وألوانها!

    هذه حقيقة تعرفها كل امرأة، فلاحة أُميَّة كانت أم متعلمة تعيش في أرقى المدن وأكثرها انفتاحاً، تعرف بفطرتها وتدرك بعميق إحساسها وفهمها، أن الأمر بينها وبين الجنس الآخر، من نظرة إلى سلام فابتسام، هو حيلة ومكيدة، طُعم وشباك لصيدها، وما يأخذها إلى موعد فلقاء، والهدف النهائي هو نيلها، والسلطان الحاكم على جميع مراحل التواصل هو الطمع في تذوقها والتهامها!

    لم يحظر الإسلام بشريعته السمحاء النظر للمرأة ولمسها ومصاحبتها ومفاكهتها، وحتى الجلوس في مقعد أخلته للتوِّ، ولا نشر عطرها، وسائر ضروب التواصل معها والاقتراب منها، تعسفاً وتشدداً، كما لم يفرض الحجاب والفصل وعدم الاختلاط بين الجنسين، من إفراط وامتهان لهذا المخلوق الذي يمكن أن يرقى فيبلغ قمم الفضل والطاعة والتقوى، كما يمكن أن يتسافل ويكون مجرد النظر إليه “سهماً من سهام إبليس”، ويبلغ أن تصبح المرأة “كلها شر، وشرُّ ما فيها أنه لا بد منها”!

    إنَّ هذا الكم الهائل من دعائم وروافد تزيين المرأة، وإذكاء عوامل الجمال والإغراء والإغواء فيها: حُلي ومجوهرات، أزياء وصرعات، مساحيق وعطور، زراعة وعمليات تجميل، أفلام سينمائية وأعمال تلفزيونية، مجلات ومطبوعات، كلها تشير إلى العنوان الحقيقي لظهور المرأة في الملأ العام، وأنَّ القضية هي الجنس والنكاح والعلاقة الشهوية، وما عدا ذلك فضلة، وما يسجَّل من خلاف له لا يعدو مقدمة أو نتيجة، مصاحبة وملازمة أو تابعة لاحقة. حتى التناسل وطلب الذرية كان الجنس طريقه والشهوة سبيله وسببه… فمن الاستخفاف بالعقول أن تُقحَم المرأة في الملأ العام ولا يلحظ هذا العنوان، وتظهر على الرجال وتختلط بهم، وكأن لا وجود هنا للجنس والشهوة، والبلاء الأعظم أن لا يكون هذا التجاهل والاستغفال من شطط وطيش ونزوة أفراد، فقد انتقل ليتحول إلى خطاب ديني، يعمد إلى فذلكة شرعية، تدعو لدخول المؤمنة المحجبة، بعد حقل الإعلام والتلفزيون، إلى ميادين “اللايف كاوتش”، و”استاند اب كوميدي”!

    قد يكون في النساء من تبلغ بها السذاجة والغباء والغفلة عن طبيعة النوع، مبلغاً يصعب تصوُّره، فتجحد وتنكر الدور الجنسي والعامل الشهواني لظهورها، وتدَّعي أنَّ الحجاب الشرعي كفيل بحفظ عفَّتها ودرء الأعين والنوايا الشيطانية التي تلحظها وترمقها.. و”قد” هذه هي أخت “لو” تلك، التي تفتح عمل الشيطان! ومن نافلة القول أنَّ هذا لا ينفي الحالات الخاصة، و أن لكل قاعدة شواذ ولكل عموم تخصيص ولكل إطلاق تقييد، ولكنه هنا من الضيق ما لم تسعه عصمة نبي، حتى قال “وما أبرئ نفسي إنَّ النفس لأمارة بالسوء”، ولكنه على كل حال لم يسقط “إلا ما رحم ربي”… فالطعن والمؤاخذة على الظاهرة ولا يتوجه لأسماء وأشخاص بعينها.

    لا بضاعة اليوم في سوق الفساد الديني والانحراف العقائدي مثل استمالة قطاع النساء، ودغدغة مشاعر المرأة، إطرائها وكيل المدح لها والثناء على دورها ومكانتها، ودفعها للعمل والمشاركة والظهور، وما إلى ذلك من أسباب كسبها وإلحاقها بسواد الحركة الإسلامية.

    لم يكن هذا السقوط والانحدار إلا بعد تضييع مفهوم الخدر، الذي هُتك تحت عنوان الضرورات التي تبيح المحظورات، وفتح باب تعليم الفتيات لسد فراغ الحاجة إلى القوابل والممرضات والطبيبات اللاتي يعالجن النساء، ويحفظ المؤمنة المريضة من الانكشاف على أطباء رجال… وما زالت الصخور تتدحرج على هذا السفح الخادع وتهوي في الوادي الشيطاني، حتى فاقت أعداد الفتيات ونسبهن في الجامعات وسائر الكليات التي يتخصصن فيها نِسب الفتيان، وصرن يزاحمنهم في مختلف الوظائف وأسواق العمل، والاستثناء الوحيد كان التخصص في  أمراض النساء والولادة! ما زالت نسبة الذكور فيها تفوق على الإناث، فتأمل في الخدعة وانظر إلى الكذبة الكبرى!

    كثيراً ما يحتج الحداثيون والحزبيون وعموم الحركيين الإسلاميين في رفض الشعائر الحسينية بسيرة المراجع العظام، وأنَّ التطبير ـ على سبيل المثال ـ لو كان فضيلة لسبقكم إليها المراجع، لكننا لا نرى أحداً منهم يفعل ذلك… وهنا حق أن يُسألوا ويُحتج عليهم فيُفحموا: هل أبرز أحدٌ من المراجع ابنته أو زوجته في الملأ العام؟ هل عرضها في التلفاز ووسائل التواصل، يتصفح وجهها القريب والبعيد والدنيء والشريف؟!

  • لا يعرف أبناء هذا الجيل الحوادث التي صاحبت نشوء الحركة الشيرازية، وظهور شخص السيد محمد الشيرازي مؤسساً لمرجعية عائلية وراثية، وتيار اجتماعي وسياسي بات حاضراً في غير ساحة وبلد. لم يأت الشيرازي ولم يكن بالحالة السلبية النافرة التي يعكسها عنه خصومه وأعداؤه، وإن صحَّت في كثير من جوانبها وصدقت في أغلب مفرداتها، فكان مريباً في أهدافه وأغراضه، مشبوهاً بالقوة التي تدعمه وتدفعه، متهماً في علاقاته وارتباطاته، كما لم يكن من الخفة والسخرية، ما بلغ التندُّر على طريقة كلامه وعُجمة بيانه، وإن أسعفهم على ذلك حشو مؤلفاته، وتواضع علمه، وانتحاله الفقاهة وادعاؤه المرجعية، مفتقداً شهادة أُستاذ، أو إجازة واعتراف الحوزة.

    فالحق أنه إلى جانب سلسلة السلبيات التي تتابعت وتلاحقت معه، والسيئات التي شانته وأهانته، وأخطرها طامة شكَّلت “أوَّل قارورة كُسرت في المرجعية”، وفوضى خلقها من تجاوز أعراف الحوزة، ما زال المذهب يعاني من تبعاتها ويشكو آثارها وارتداداتها… كان في المقابل ـ وفقاً لمعايير الحركة الإسلامية، لو أنصفت ـ يتمتع بإيجابيات، ويحمل أرقام تميُّز، تبعاً لفكر الحركيين الذين كانوا يحاربونه، ولا سيما في الكويت، مهد انطلاقه ومركز نشاطه، فالحقيقة أنَّ محاربته لم تكن إلا منافسة سياسية وصراعاً حزبياً خاضه وأداره حزب الدعوة، حمل على إغماض “إيجابياته” وتجاهل حسناته! وإلا فالرجل ـ مثلهم ـ جاء يحمل لواء الإصلاح والتطوير، وراية الحركة والعطاء والفعل المنتج، والتمرُّد على الجمود ورفض الرتابة وكل “سلبيات” الواقع الديني آنذاك، التي أُلحقت بالحوزة وأُلصقت بمرجعية النجف الأشرف! كان يحاكي آلام الناس وتطلعاتهم في مرجعية شعبية، قريبة منهم، تتواصل معهم وتتواضع لهم، تنزل إلى مستواهم وتتلمس معاناتهم، وتسد عطشهم وتلبي لهفتهم. كان شاباً، يستثير همَّة الشباب ويحفِّز طاقاتهم. وقد نجح في كثير من الميادين التي طَرَقها والساحات التي ولجها، فأسس مدارس تحفيظ القرآن، وعمل ببراغماتية وعملانية جمعت توظيف الشعائر الحسينية إلى خطاب علي شريعتي والحث على قراءة كتبه! وعزَّز الانتماء الطائفي، بل أسس حزباً سياسياً… ولولا الحرب الشعواء التي ووجه بها، لاكتسح الساحة واحتوى الحركة في كثير من البلدان.

    لم يكن لهذه الحالة المربكة للواقع الشيعي والنموذج الجانح في الساحة الإيمانية، أن يتوقف عند الشيرازي والشيرازية الآخذة في الانحسار والتقوقع، فالأحزاب لم تعقم، والمذاهب المعادية والمحافل المعنية لم تهتدِ وتتخلى عن شيطنتها، فتترك الساحة الإيمانية تنعم بالأمان والاستقرار وما يأخذها إلى التنمية والإنتاج… حتى تضخ فيها نماذج أُخرى وتدسَّ شخصيات وتصنع حالات وظواهر جديدة، وأخطرها النموذج الخفي، المتقن في الزيف والموغل في اللبس.

    من الضرورة بمكان رصد وفهم بعض الحالات والرجال والحركات، ومعرفة أيها المرشحة لتكون “ظواهر” وخلق تيارات، أشخاص الفتنة ومراكزها المفعَّلة الناشطة، والأُخرى الخامدة الكامنة التي تنتظر التفعيل والبروز. وكذا تشخيص المواقع والجبهات التي يعمل فيها هؤلاء، المتطرِّفة الصارخة، والأُخرى الناعمة الآخذة باللطف المُغوِي والمهادنة الخادعة، حتى يحسبها الساذج في صفِّه وجبهته!

    ولهذه الشخصيات ـ الظواهر، مشاريع الفتنة وبؤر الضلال، علامات، منها: حجم الإمكانيات، أموال متكفِّلة ومراكز مساندة وأندية وجمعيات حاضنة، مع غطاء سياسي ودعم إعلامي مُلفت، إما أن ينجح في حمل الشخص وتسويقه، أو يوحي ويوهم، عبر فضاء افتراضي وجيوش الذباب الإلكتروني، بنجاحه وقدرته على الاستقطاب وكثافة الالتفاف حوله… فالغرض النهائي تحقيق ما يسمح ويفسح لطرح الأفكار، ويتيح قيادة الساحة وأخذها إلى التشكيك في المبذول القائم، وتضعيف الموروث الحاكم، ما يفضي إلى صنع مذهب جديد، ومن بعده بلوغ اللامذهبية، الهدف الأصلي للحركة الإسلامية.

    ولهؤلاء صفات يُعرفون بها، وقواسم مشتركة تجمعهم… أول ما يميزهم، أنها عمائم كاذبة تنتحل هوية علماء الدين الشيعة دون أن تلتزم بثوابت الحوزة ونهجها وعلومها وطُرقها في التحصيل. وهم بين مَن غلبه الجهل، ومَن تركَّب فيه وتحكَّم، عرف شيئاً وحصَّل قدراً يسيراً، فحسب أنه بلغ القمة، وقد طاب له المنزل والمقام هناك، فراح يجتهد ويستنبط على هواه. يزعم أنها ليست علوماً غريبة وطلاسم وأحاجي مبهمة، لتكون حكراً على طبقة، ووقفاً على مشيخة وحلقة، بل هي علوم مبذولة في كتب، باتت متوفرة في تسجيلات، يمكن تناولها من أي موقع ومكان، فإذا تمتَّع المرء بقدرة ذهنية كافية وذكاء، تمكَّن من هضمها ونيلها بسهولة! من هنا، إذا رأيت أحدهم مندفعاً في مواقفه، جازماً بآرائه ونظرياته، يلقيها بثقة الخبير الضليع، وكأنه اطَّلع على اللوح المحفوظ، فاعلم أنه لم يتلق علومه في الحوزة! وما هذا الهزال والخوَر، والتيه والضياع إلا من ذاك الفقد والعدم. وإن كان حوزوياً، فاعلم أنه لم يعش الحوزة على أُصولها، إما كان منعزلاً منطوياً على شياطينه، أو كان متسكِّعاً فيها يمضي على هامش لا يبلغ صميمها، تراه قضى أيامه المعدودة هناك في مدارس خاصة أو نطاقات حزبية مغلقة، تسيِّره بما يسلبه الحرية، لم يعرف الآداب والتقاليد التي أنتجت الفحول وقدمت العظماء.

    إنَّ التلقِّي من أستاذ يخلق مشيخة، والحضور في درس وحلقة يقدح الإشكال ويتيح السؤال، ويفسح لحوار ومناقشة، وبين هذا وذاك تُصحَّح الأخطاء، ويتقوَّم ما تلقَّاه الطالب وحسبه صواباً. فإذا غلب الطمس وحكمت الغفلة، جاءت “المباحثة” سيرة أصيلة لتقوِّم وتنقذ المخطئ الواهم، وتُنجي ابن الميدان من الجهل المركَّب… من هنا لا تجد لعنصر الغواية والضلال، مشايخ وأساتذة، فهو إما مغرق في الجهالة، أو مثقف (معمم) تلقَّى ما لديه من مطالعة وتحصيل ذاتي يشكِّل طامَّة! تعرفهم من جنوح ورهق، ووحشة وغموض، متسلِّقون ينشدون الارتقاء، ومغمورون يعشقون الظهور. ينبتون بلا غرس، ينشأون على قارعة الطريق، لا في الحقول والبساتين، ثم يصعدون بلا سُلَّم، يطفرون فيسحبون ويصنِّفون أنفسهم في العلماء، يطوون المراحل ويجتازون المسافات، كطيِّ السجل، أو كتقليب صحيفة ورقية مليئة بأخبار وإعلانات لا تعني القارئ… لا يطيقون الرتابة فيبعثون الريبة، يتقمصون الإبداع وينتحلون العظمة، ويظهرون مصلحين مجدِّدين، وهم لا يعدون أرباع علماء وأنصاف مثقفين!

    على هذه الشاكلة كان الحيدري وفضل الله وآصف محسني وحب الله، وهو ما تراه من الغزي وياسر في لندن، واليعقوبي والمدرسي في العراق، وحمود والخشن في لبنان، وغيرهم من المفرقعات والمتفجرات، وكذا الألغام الأرضية التي لا تدري متى تدوِّي لتدمِّر… وستجد دائماً مشجباً تُعلَّق عليه دعوى التتلمذ، وغطاءً من عثير يثيره أو يوفِّره اسم وِتْر يُدسُّ في البين، مثل لافتة “حلال” على واجهات المطاعم في أوروبا، يأخذ بها المستخف بدينه، وهو يرى أنواع الخمور تقدَّم لمرتاديها! وعلى نفس الخطى وفي ذات السياق يظهر اليوم في الكويت “بخاري الشيعة”، ومن سخرية القدر، أنه منح بالأمس أحد علماء البلاد شهادة فقاهة! لم يدَّعها السيد الجليل لنفسه، لورعه وإحاطته بالأُصول التي يجب التزامها في المقام، ومنها التواجد في الحوزة والتلمذ على الأساتذة، ثم إجازتهم له… ولا يرتاب حصيف أنَّ المتحاذق خلعها على الرجل مقدمة لادعائها وتمهيداً لإعلان نفسه مجتهداً، فـ “لأمر جدع قصير أنفه”!

    إنَّ هذا المسكين الذي بدأ مسيرته بالالتفاف على الشهادة الثالثة ومحاولة إسقاطها، ومضى ساعياً لجحد معاجز الأئمة والإزراء بمقاماتهم، وراح في عبث صبياني بالحديث وعلومه، كل ذلك بثقة واختيال وغرور، وسفَه وتهوِّر وغفلة، ورعونة الحدث وطيش المراهقة… هو مجرَّد معنى حرفي لا قيمة مستقلة لشخصه ولا كرامة، شأنه شأن غيره من دعاة الضلال وعناصر الإضلال، عواتق تُرقى وظهور تُركب، قناطر تُجتاز وجسور تُعبر، تأخذ إلى مشروع الغواية الذي يقف خلفه أولياء الشيطان. وهم جميعاً يحملون في الجوهر نفس الخطاب، لكنهم يتفاوتون في مهارة صياغة مفرداته المنبوذة، والتحايل على مقولاته المستهجنة، وإخراج الصورة من قبحها، بما يتجنَّب معوقات تسويقها، وينأى بها عن الردِّ والرفض، فالمؤدى واحد، يفضي إلى الاستخفاف بالتراث والاستهانة بنتاجات أعلام الطائفة وما عليه أساطينها، حتى يبلغ الأمر منهم إسقاط معالم المذهب وخصائصه ومميزاته، وإعادة تشكيله بلغة حديثة وخطاب عصري يطيب للماسون وكل ملعون!

    والحسرة هنا على مؤمنين سذَّج يدعمون هؤلاء ويتبنون مشروعهم “الإصلاحي”، حين يكتشفون أيَّ جمَل أصعدوا المئذنة، ولات حين مندم. أما الأذكياء الخبثاء، الموظفون المكلفون بالدعم، فموعدهم المعاد وقبله القبر، الذي حسبوا لكلِّ شيء، وأغفلوه! وبعد، فلا تعجب من لفيف يحفُّ بهذا، ولا تُؤخذ بجمع يصفِّق لذاك، يكفيك التدبُّر في الأرقام الفلكية من المتابعين والمعجبين التي سجلها غناء الرواديد، فتعرف في أي انحطاط يتخبط العوام وأي سياق يخلق هذا “المجد”!

  • من المؤمنين رجال متشرِّعون يُغرقون في التزام التقية ويبالغون في الحرص على حدودها، يتنكَّرون لكل نشاط ديني عام، ويتجنبون أي ممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعيشون “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”، يحسبون أنها تأمرهم بترك ما تركوا، حتى لا يخوضوا مع الخائضين… وفي المقابل هناك آخرون “رساليُّون”، انخرطوا في الدعوة والبلاغ، نهضوا بـ”قوا أنفسكم وأهليكم”، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليكونوا من المفلحين. والملحوظ المشهود في عصرنا الحاضر وزماننا الماثل، أنَّ الأكثرية أو الغالبية باتت في صفِّ الحركيين والدعاة العاملين، دون الساكتين السلبيين، ليُسر الاطِّلاع والتواصل، وسهولة اتخاذ الموقف، وهامش الحرية الذي انتقل إليه المجتمع الإنساني قاطبة، ولا سيما حين لا يتجاوز الأمر تكثير السواد أو التفاعل مع المشاهدات، ونصرة بموافقة وعلامة إعجاب! ولعلهم ينكفئون إذا لوحِقوا، ويتوقفون إذا رُصدوا، فوجدوا أنَّ المشاركة قد تضرُّ بدنياهم!

    ومع هذا وذاك، هناك أمر مُلفت يورث الحيرة ويوجب وقفة تطول، وهو أنَّ الساحة الإيمانية الناشطة، تزدحم بأفراد وجماعات تحمل رؤى مختلفة واهتمامات متنوعة، تمارس النشر وتلاحق الدعوة والدعاية، ولكنك إذا نقَّبت وتحريت، تخلَّصت من إطار العقل الجمعي وخرجت من التلقين الخفي، فدقَّقت النظر وأحسنت القراءة، وجدتها كلها تتجاهل أمراً واحداً بعينه، وتعرض عن قضية خاصة دون سواها! إنهم يتحدثون عن كلِّ شيء في الدين، معالمه وشعائره، عقائده وأحكامه، كلياته وتطبيقاته، انتصاراته وإخفاقاته، عيوبه ومميزاته، إيجابياته وسلبياته، ويتناولون صغير الحوادث وكبيرها، وعظيم الشخصيات وحقيرها… ثم ينتابهم صمت القبور، وينزل بهم سكون دكَّات غسل الموتى، تحمل الجثمان تلو الآخر، وتستقطب المفجوعين الفاقدين، يمدون عليها ويحملون عنها الأحباب، يسكبون الماء ويغسلون، وهي ساكنة سكون الحجر وجموده، لا الجبل الذي قد يمرُّ مرَّ السحاب، وقُل إن شئت سكون الريح في بحر كئيب، كتبت أقداره على سفينة بالتيه!.. لا أحد يتحدث عن دور النظام الإيراني ومكانه من الأزمات التي تعصف بديننا وعقائدنا وبلادنا!

    إن الساحة الإعلامية والثقافية اليوم تتناول جميع القضايا الشيعية، إلا القضية الأكبر والأخطر، التي تشكِّل أُم الفساد، ورأس الفتنة وجذرها! وهذا التغييب يعني أنَّ هؤلاء يمارسون دوراً وينهضون بمهمة، أُوكلت إليهم، هي الإشغال والإلهاء!

    إنَّ مَن يحمل همَّ الحرص على المذهب حقاً، ويناضل لدرء الأخطار عنه صدقاً، يخرج لطلب الإصلاح في المجتمع الشيعي، ويعمل على تقويم الزيغ في الساحة الإيمانية، ثم يعيش وعياً بالأخطار وبصيرة بالمراتب والأولويات… لا يمكنه أن يغفل ويتجاهل دور النظام والمخابرات الإيرانية، ويصمت عنه حتى كأن لا وجود له!

    الإخوة الذين يقرأون ما بين السطور، بل يستطلعون الغيب، يستشعرون خطر عودة النهج الأخباري للحوزة، فيحملون فؤوس الهدم وسيوف الطرح والإسقاط، لا يسلم منهم أصحُّ حديث، ولا تنجو أعلى أسانيد، ولم يخلص من كيدهم حتى الدعاء والتاريخ، فأزروا بالتراث الشيعي وخلَّفوه أسمالاً بالية ومادة للتندر والسخرية.. ثم يدركون بوعيهم وتلتقط بصيرتهم خطر تنامي ظاهرة الغلو، فيميلون على الفضائل والكرامات والمعاجز ميلة ناصب يفتت الحقد كبده، ويأكل الحسد قلبه، ويملأ الحنق والغلُّ صدره، فلا يبقون للمعصوم بقية تميزه عن “صحابة عدول”!…

    كيف خمدت مجسَّاتهم عن استشعار خطر حقيقي يتهدد الحوزة من تدخل الدولة والنفوذ الإيراني؟ كيف غاب عنهم تغيير المناهج وما أفضى إلى السطحية وغياب التعمق، وقتل الإبداع وحقيقة الاجتهاد؟ كيف خفي عليهم دور المخابرات في التوجيه وسوق المسارات لصالح مَن يرسمون له من مرجعيات؟ هل تمدُّد اليعقوبي وانتشاره أمر طبيعي عارض؟ هل بناء المراكز وتشييد المباني وتوغل الدعاة وعناصر الاطلاعات في النجف الأشرف أمر عادي بسيط؟ هل اختراق إدارات العتبات المقدسة وتحويل صحن الحرم الحسيني وسوق أعز الطاقات من شباب الجامعات، سلعة وشرعة لكل وارد، أمر يسير عابر؟ هل الاستحواذ على إدارة التبليغ في أعظم شعيرة حسينية (الأربعينية)، قضية تافهة من الترف الفكري؟! كيف عموا فصموا عن يد المخابرات الإيرانية الممتدة في الحوزة ومناهجها وبعض المرجعيات وإدارتها؟ كيف غلبتهم الغمة عن سلاح يتهدَّد أي مشروع مستقل عن إيران، وقد أفتى المرجع الأعلى بتسليمه للدولة؟! كيف يلتقطون بيان مكتب المرجعية في إرشاد الخطباء، فيكررونه في كل عام وكأنه وحي نزلت به السماء، ثم يتناسون حكم المرجعية في تسليم السلاح وما يفضي إلى استقرار البلاد وخدمة الدين والعباد؟!

    لا ريب في شرف القضايا العلمية التي يثيرونها، وجدارتها بالبحث والتحقيق، فنعرف الحقيقة في حديث الخيط، وفي أُمِّ صاحب الزمان، وفي موقع المسجد الأقصى من العقيدة والإيمان… ولكن مع أمرين وبشرطين: التزام النطاق العلمي والحوزوي، ثم وعي وبصيرة حقيقية، ونباهة وفطنة متفوقة، تدرك أنها، متى أُلقيت بين العامة، لا تعدو قنابل دخانية تريد إلهاء الساحة وإشغالها عن محل البلاء ومركز الفتنة، أي ما يفعله نظام الجمهورية، سواء على صعيد السياسة والمغامرة بمصير الشيعة في العالم، أو العبث بالقضايا العلمية والأُمور العقائدية التي تأخذ الأمة في اللامذهبية، أو نحو مزيج من الزيدية والوهابية المبطنة.

    يا للمسلمين، لا أحد ينهى عن هذا المنكر الأخطر! ولا أحد يعين الوعي بكلمة وينصر المجاهدين بعون ومدد، فإذا تصدَّى جمع للأمر، أشغلوهم بفتن متتالية وبلاءات متلاحقة، وآخرها فتنة الغلو…

    وظاهرة القنابل الدخانية ليست محدثة أو جديدة، سبق في العصر العباسي إشغال الناس بفتنة خلق القرآن، لحقتها فتنة الفلسفة والتصوف، واستمرت سحب الدخان في عصرنا على غير صعيد، فكانت ظاهرة “أبو طبر” في الأمن، وظاهرة مقتدى في السياسة، وقضية الحجاب والصلاة في الشعائر. وبين هؤلاء ينشط القراد العالق بأعقاب الدواب، ينتفض لتصحيح الحديث ونفي الغلو والدفاع عن المرجعية… والسؤال لأدعياء الرجولة والشجاعة والبطولة: لقد تعرض الموقع الإلكتروني للمرجع الأعلى للقرصنة على يد المخابرات الإيرانية، فخُدع معارض واستُدرج إلى العراق للقاء السيد المرجع، ثم خُطف من بغداد وتم إعدامه في طهران، هل هذا العمل المشين يشكل هتكاً للمرجعية، أم تحفظ مؤمنين غيارى على تأبين ضال مضل تلوثت يده بدماء الشيعة في كابل، ونقد رأي شاذ أزرى بالولاية، أصل الأمر وسنامه حين قدَّم عليها الفرع، فرفض الأحرار هذا الضلال؟!

    لا أحد في الإمامية الإثني عشرية يذهب إلى الغلو، وإن كان، فهُم آحاد شواذ، لا يشكِّلون ظاهرة تقتضي هذه الإثارة، تماماً كما هو الحال في القضايا الأخرى المفتعلة كدعوى الزحف على الشوك والزجاج في الشعائر، وترك المعزين الصلاة، وما إلى ذلك من دخان يحجب البصيرة عن رؤية الخطر الحقيقي.